- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-07
جريدة الراية:
قمة أخرى بصيغة (5+1)
في الآونة الأخيرة، أخذت القمم بصيغة (5+1)، التي تعكس التعاون مع دول آسيا الوسطى، تنتشر على نطاق واسع. ويرجع ذلك إلى أن الأحداث المهمة التي يشهدها العالم، والتغيرات الجيوسياسية، والصراعات الدموية، والحروب الاقتصادية، والعقوبات، وإغلاق طرق التجارة المهمة، كلها عوامل تزيد من أهمية آسيا الوسطى. وبعبارة أخرى، ازدادت أهمية آسيا الوسطى باعتبارها سوقاً إضافية لتصدير السلع ومصدراً للموارد، وخاصة المعادن النادرة. ولذلك، ارتقت القمم بصيغة (5+1) إلى مستوى مشاركة رؤساء الدول. وتفتح مثل هذه القمم الطريق أمام التعاون مع جميع دول المنطقة في وقت واحد، بدلاً من التعاون مع كل دولة على حدة.
وفي هذا السياق، رفعت كوريا الجنوبية أيضاً مستوى تعاونها مع دول آسيا الوسطى إلى مرحلة جديدة. ففي 16 أيلول/سبتمبر، عُقد في سيئول أول اجتماع قمة بمشاركة رئيس كوريا الجنوبية ورؤساء دول آسيا الوسطى الخمس؛ قرغيزستان وكازاخستان وأوزبيكستان وتركمانستان وطاجيكستان. وقد أضافت هذه القمة حلقة جديدة إلى سلسلة قمم 5+1، واختُتمت بسلسلة من اللقاءات الثنائية التي استمرت ثلاثة أيام. وفي إطارها، تم توقيع أكثر من 70 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمارات.
في الأصل، هذا التعاون ليس أمراً جديداً. فقد تأسس منتدى التعاون بين كوريا الجنوبية وآسيا الوسطى عام 2007، وكان يعقد في البداية على مستوى نواب وزراء الخارجية، ثم ارتقى لاحقاً إلى مستوى الوزراء. إلا أنه لم يسبق عقد اجتماع على مستوى رؤساء الدول.
وهناك عدة أسباب تدفع كوريا الجنوبية إلى رفع مستوى التعاون إلى هذا الحد. ومن أهمها الموارد، إذ إن موارد هذا البلد محدودة، ولذلك فهي تعتمد على استيراد الموارد من الخارج. أما التغيرات الجيوسياسية والصراعات التي يشهدها العالم اليوم، فإنها تؤثر في سلاسل توريد هذه الموارد، وتخلق مخاطر وتهديدات مختلفة. ولهذا تسعى هذه الدولة الفقيرة بالموارد إلى تنويع مصادر إمدادات النفط واليورانيوم وغيرها من المعادن ذات الأهمية الاستراتيجية.
وهناك جانب آخر يثير قلقها وهو مكانة الصين في هذا القطاع. فالميزة الأساسية للصين لا تقتصر على استخراج المعادن، بل تشمل أيضاً معالجة المعادن النادرة وإنتاج منتجات عالية التقنية منها. وفي الوقت الحاضر، تتركز فيها نحو 38-44% من احتياطيات المعادن النادرة المكتشفة في العالم، أي ما يقارب 44 مليون طن. كما أنها تستحوذ على نحو 60-70% من الإنتاج العالمي السنوي. أما في مجال معالجة المواد الخام وتنقيتها، فإن موقع الصين أقوى من ذلك، إذ تسيطر على ما يصل إلى 90% من السوق العالمية لمعالجة المعادن النادرة.
وهذا الوضع يجعل الدول الأخرى، بما فيها كوريا الجنوبية، تعتمد على التقنيات الصينية. ويمكن للصين أن تستفيد من هذا الوضع لممارسة التأثير بما يخدم مصالحها.
ويمكن رؤية مثال على ذلك في الواقع؛ فعلى سبيل المثال، واجهت اليابان، التي تُعد منافساً للصين، وضعاً مماثلاً. ففي عام 2026 فرضت الصين عليها قيوداً فيما يتعلق بالمعادن النادرة. وقد كان موقف اليابان من قضية تايوان، ولا سيما تعزيزها لقطاعها الدفاعي، من العوامل التي دفعت الصين إلى فرض هذه القيود.
ولذلك، بدأت سيئول تولي اهتماماً خاصاً للبحث عن مصادر أخرى، حتى لا تتعرض لضغوط الصين في مجال المعادن النادرة. ولا سيما أن الصين وأمريكا تخوضان اليوم حرباً اقتصادية. وإذا أخذنا في الاعتبار أن كوريا الجنوبية تقع تحت نفوذ أمريكا، فإن المخاطر تصبح أكبر.
إضافة إلى ذلك، أخذ نفوذ روسيا في آسيا الوسطى يتراجع منذ أن بدأت حربها في أوكرانيا، وذلك لأن جل اهتمامها ومواردها ووقتها موجه حالياً نحو الحرب. كما أضعفت العقوبات والحرب اقتصادها، ما أدى بدوره إلى تقلص نفوذها في آسيا الوسطى.
وفي المقابل، تعمل الدول الغربية والدول الواقعة تحت نفوذها على منع الصين أو أي دولة أخرى من احتكار الفراغ الناشئ، وكذلك على زيادة الحد من نفوذ روسيا. وتأتي قمم 5+1 في إطار تحقيق هذه الأهداف.
لذلك، ليس من الصواب ربط القمم التي تعقد بهذه الصيغة بالمجال الاقتصادي وحده، إذ تقف وراءها أهداف جيوسياسية يمتد الطرف الآخر من خيوطها إلى الغرب.
وبسبب ضعف روسيا، التي كانت صاحبة النفوذ التقليدي في المنطقة، فإن دول آسيا الوسطى مهتمة بالاستفادة من مثل هذه القمم لاتباع سياسة متعددة الاتجاهات. وهي تأمل في الحصول على التكنولوجيا والاستثمارات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية مقابل مواردها. وتعمل كازاخستان وأوزبيكستان بشكل خاص على الابتعاد عن الاعتماد على روسيا أو الصين وحدهما، وتعزيز التعاون مع دول أخرى أيضاً. ولذلك، تُبدي دول آسيا الوسطى اهتماماً كبيراً بجميع قمم (5+1).
ولكن في ظل النظام الرأسمالي القائم اليوم، لا يمكن انتهاج سياسة مستقلة قائمة بذاتها. فإذا خرجت من قبضة مستعمر وقعت في قبضة مستعمر آخر. وبعبارة أخرى، فإنك تفتح سوقك أمام منتجات الدولة التي تقع تحت نفوذها، وتسلّمها ثرواتك المعدنية بيديك!
ويستغل المستعمرون القمم المذكورة أعلاه لتوسيع نفوذهم، وفي بعض الأحيان يفرضون نفوذهم بشكل مباشر عن طريق الحرب. وهكذا تندلع الحروب والصراعات في العالم بسبب سياسات المستعمرين الجشعة، ويذهب الناس ضحايا لها.
ولذلك، فإن الوصول إلى التحرر الحقيقي والتنمية يقتضي توحيد البلاد الإسلامية. فإذا بقيت كل دولة، دون اتحاد، تستند إلى قومية ضيقة ولا تفكر إلا في مصالحها الخاصة، فستظل فريسة للمستعمرين. أما القومية فهي من أسوأ السبل إلى الوحدة، بل إنها فكرة تعيق الوحدة. والوحدة الحقيقية الكاملة لا تتحقق إلا على أساس مبدأ صحيح متكامل، وهو مبدأ الإسلام العظيم.
بقلم: الأستاذ هارون عبد الحق
المصدر: جريدة الراية



