الأحد، 06 شعبان 1447هـ| 2026/01/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

استقطاب المرأة للمشاركة السياسية مجرد سلّم للوصول إلى مناصب ثم تركها تجابه البؤس والتعاسة

  • نشر في ثقافي
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1680 مرات

 

يعتبر الكثيرون أن المرأة في السودان هي الأوفر حظاً من وصيفاتها في الدول العربية في تحقيق نسبة مشاركة حددت بـ (25%) في اتفاقية الشؤم "نيفاشا" في العام (2005م)، بل ظلت جهات تنادي برفع نسبة مشاركتها في السلطة إلى 35% إن لم تكن مناصفة 50% بين الرجال والنساء في الدستور القادم، ولكن هنالك سؤال مهم هل تحققت مكاسب فعلية للمرأة من كل هذا؟ أم هي مجرد مشاركة ديكورية لا تسمن ولا تغني من جوع.


السودان منذ نشأته جرت فيه عدة انتخابات منذ فترة الحكم الذاتي عندما أجريت أول انتخابات تعددية حزبية، ثم توالت الانتخابات التنفيذية والتشريعية حسب التغيرات الدستورية التي طرأت على نظام الحكم، إلى انتخابات 2010م التي تميزت باختلافات عديدة عن جميع ما سبقها من تجارب انتخابية في كثير من النواحي أهمها أنها أسست لانفصال الجنوب، وحاولت الحكومة إشراك القوى السياسية لتجمع أكبر عدد من القوى السياسية يضفي شرعية على انفصال الجنوب وقد وثّق حزب التحرير في نشراته ما نطقت به الحكومة حول هذا الأمر. أيضا حفلت انتخابات 2010م بدعم شهود الزور الدوليين، ومشاركة منظمات المجتمع المدني ومراقبة جهات أجنبية أهمها مركز كارتر وغيره، بل وعد بوصفها حلاً للاستقرار، فاتضح أنها أداة رخيصة لتمرير سياسات لعينة. فهل يتكرر المشهد أم يعي الناس الدرس؟.


بالنسبة لمشاركة المرأة ودورها أكدت مديرة مركز دراسات المجتمع (مدا) "أميرة الفاضل" أن عام 2014م سيكون محوراً للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والتركيز على الدستور والانتخابات القادمة، وكيفية تحريك منظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية لتكون المشاركة في انتخابات 2015م واسعة.


وقالت خلال حديثها في ندوة المرأة والدستور؛ (الكوتة وانعكاساتها على المشاركة السياسية للمرأة السودانية) التي نظمها المركز بقاعة الشهيد "الزبير للمؤتمرات، قالت إن مركز "مدا" قام بإعداد دراسة مشتركة مع الاتحاد العام للمرأة السودانية لقياس الرأي العام النسائي حول دراسات الدستور لتعريف المرأة بالدستور على مستوى الولايات، وكيفية زيادة المكاسب في الدستور القادم، وكيفية تبسيط المفاهيم للمرأة في الريف، مضيفة أن المركز مهتم بتسليط الضوء على تجربة الكوتة النسوية وكيفية استفادة المرأة من التجربة ومعرفة مدى أثر الأعداد النسوية التي دخلت البرلمان والمجالس التشريعية على قضايا المجتمع والمرأة والطفل.


من جهتها نادت القيادية بالمؤتمر الوطني "بدرية سليمان" بتضمين نظام (الكوتة) في الدستور، مشيرة إلى ضرورة تعديل قانون الانتخابات قبل وضع الدستور الجديد حتى يتسنى تمثيل كل السودان، على أن توضع معايير تلتزم بها الأحزاب في تمثيل المرأة.


وطالبت مديرة معهد دراسات (الجندر) بجامعة الأحفاد بروفسور "بلقيس بابكر بدري" بزيادة نسبة تمثيل النساء في الانتخابات مع وضع معايير للاختيار. وقالت إن استمرار نظام (الكوتة) يعمل على زيادة تمثيل المرأة السودانية من أجل النظر في التفاصيل الداخلية للأشياء لتحقيق المساواة، بالإضافة لكون النساء ينحزن أكثر لقضايا الفقراء والمستضعفين من خلال وجودهن في البرلمان ولطبيعة حس النساء البرلمانيات العالي في الرقابة. وقالت إن مجموعات كبيرة اشتكت من عدم تمثيلها مثل مزارعات الجزيرة وستات الشاي. (صحيفة المجهر 2014/1/9م).


إن المشاركة الشعبية الناتجة من الفكر الديمقراطي لا مكان لها في الواقع، بل حتى في الغرب أصبحت المشاركة ضعيفة تصل إلى 20% كما ذكر المفكر والمؤرخ الأمريكي غور فيدل. هذه النماذج التي تتحدث باسم مشاركة المرأة في السودان في السياسة لا تمثل المرأة في السودان؛ والتي تمتاز بالإقبال الشديد على كل ما ترى في أنه يقربها إلى الله فهي أم وأخت وزوجة الشهيد؛ التي زفته بالتكبير والتهليل؛ هي من حملت زاد المجاهد فاستشهدت في الجنوب، هي التي تمتلئ بها الخلاوي والمراكز الإسلامية، حافظة وقارئة للقرآن الذي يدحض كل ما تضمنته كلمات سياسيات يصلن عن طريق المرأة إلى مناصبهن ويترُكْنها عند أول باب الوزارة والبرلمان. إن النساء في السودان لو خُيِّرن لاخترن الإسلام منهج حياة والقرآن دستورهن؛ الذي يتناسب مع عقيدتهن الإسلامية العظيمة التي لا محل للبشر فيها لوضع القوانين والأحكام والدستور كما هو في الديمقراطية التي تعني حكم الشعب للشعب بتشريع الشعب، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.


إن الدستور الذي يناسب المرأة في السودان هو دستور مبدئي عادل لا تغيره العواصف السياسية، دستور رب العالمين الذي هو أحكام شرعية تستند إلى الكتاب والسنة يكون عبادة في الدنيا وفوزًا ونجاة في الآخرة، وليس ديمقراطية اشتاط أهلها غضبا مما عانوه من تهتّك المجتمعات وعبادة الشهوات، وأكل أموال الناس بالربا السحت وهم يدأبون في إيجاد البديل ولو من أحكام الإسلام.


المساواة التي تنادي بها مديرة مركز الجندر هي قيم غربية لا تناسبنا نحن المسلمات، فماذا يعني أن يساوي الرجل المرأة أو أن تساوي المرأة الرجل! وهل عندما يتساويان في الحقوق والواجبات تتحقق العدالة حتى في الغرب؟! المساواة هي فكر شاذ يلغي كل تمييز مع أن الفروق جوهرية، والمناداة بالمساواة هي سير في ركاب الغرب الذي يعاني من ديمقراطيته التي أصبحت حسب المفكرة الاقتصادية والخبيرة الاستراتيجية (ليليان فورستر) في كتابها الشهير (الفظاعات الاقتصادية) مومياء محنطة، يحاول عبثاً مفكرو الغرب والمستميتون في الدفاع عن قيم الغرب بعث الحياة فيها.


وبخصوص إعداد مركز دراسات المجتمع لدراسة لقياس الرأي العام النسائي حول اتجاهات الدستور الجديد بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة السودانية والتي تهدف إلى:


أولاً: إثارة الوعي العام بأهمية الدستور والتعريف بالقضايا المرتبطة به.


ثانياً: المساهمة في إقرار وثيقة دستور دائم مبني على توافق وإجماع وطني أساسه الرضا والقبول.


ثالثاً: إشراك أكبر نسبة من النساء في إعداد الدستور القادم للسودان لتحقيق أكبر قدر من الإجماع الوطني.


رابعاً: تقييم المكاسب التي حققتها الدساتير السابقة للمرأة والتحديات التي واجهتها لتفاديه في الدستور القادم.


خامساً: الاتفاق حول القضايا القومية الكبرى؛ مثل هوية الدولة وعلاقتها بالدين ونوع النظام وحدود السلطة وغيرها من القضايا التي كانت محل اتفاق للتأكيد عليها أو مثار خلاف للاتفاق حولها.


إن الدستور ما زال في غيابات الجب ينبئ عن نفسه ما دام أنه مبني على إجماع وطني وأساسه الرضا والقبول فهو دستور وضعي لا يمت للإسلام إلا بحروفه العربية وكلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" التي كانت مكان نقاش وجدل في دستور نيفاشا، وماذا يعني أن تشارك المرأة أو لا تشارك فإنه لا يستقيم الظلُّ والعُودُ أعوج؛ فالأساس هو الوطنية التي ليس لها أفكار تنبثق عنها معالجات بل هو مجرد لف ودوران، يتولى زمام الأمور في نهايته حزب واحد، بل شخص واحد يحكم الناس بتشريعه هو، بدل تشريع رب الناس. والحديث عن هوية الدولة وعلاقتها بالدين مجرد استهلاك محلي.


وقضية مشاركة المرأة في صياغة القرار الوطني السوداني هي قضية تحظى بالدعم اللامتناهي دولياً وحتى من قبل الجمعيات النسوية التي تتفاخر وتنسب أي مشاركة للمرأة في الحياة السياسية لها، لتضحيات جسام قامت بها لتثبيت دور المرأة في العمل السياسي. لكن هنا سؤال مُلحّ: هل المشاركة في الأحزاب والدوائر الرسمية تكفي؟ وهل ابتداع أمانات باسمها داخل الأحزاب كأمانة المرأة بالمؤتمر الوطني تكفي؟ وهل وجود المرأة في البرلمان أو وزيرة شؤون اجتماعية لامَسَ مشاكل النساء؟ هل خفّض من معاناة الكادحات العاملات في بيع الطعام والشاي للرجال؟ هل حل النزاعات والحروب التي تحصد الأب والزوج والأخ فتجد المرأة نفسها تهيم على وجهها تتكفل الأسرة، وتعاني شظف العيش والانتهاكات التي لا حصر لها؟ هل أوجد للطالبة حلاً لمعاناتها مع الرسوم الدراسية التي جعلتها تمتهن كل شيء، أشرفها أن تكون متسولة تسأل الناس ليسدوا رمقها وهذا أفضل حالاً ومآلا؟ هل حمت المرأة في شرق النيل التي تسكن منذ فيضانات الخريف الماضي وحتى الآن في خيمة لا تقيها برداً ولا حراً وهي تنظر إلى أطلال بيت أصبح أثراً بعد عين، ولا أمل في أن يرجع مرة أخرى، ونار الأسعار تلتهم كل مدخر؟


وأخيرا هل أمِنَتْ المرأة على أطفالها وهم يدرسون مناهج تعليم على أساس أفكار الغرب الرأسمالي ويتعاملون مع إعلام يدس السم في الدسم مع الفضاء المفتوح والشبكة العنكبوتية التي لا دين لها ولا أخلاق تحكمها؟


إن المرأة في السودان لم تجْنٍ من الاستقطاب الحادّ من قبل حكومة ترفع شعار الإسلام وتنكسه في الدستور والقانون ولن تجني شيئا من المتهالكات على فكر الغرب الآسن، ولكنها مستعدة للعمل للإسلام الحقيقي الذي يحكمها فتعيش حياة إسلامية في مجتمع إسلامي تسوده أفكار ومشاعر الإسلام. فهلم إلى العمل لتحقيق ذلك ببذل الغالي والنفيس.

 

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

 


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب غادة عبد الجبار

 

 

إقرأ المزيد...

الإسلاميون: مقالة بعنوان "مأساة جاليليو جاليلي وتجمد الفكر الغربي.. فهل من معتبر؟!"

  • نشر في مع الإعلام
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1129 مرات

 

2014-01-27

 

المفكر الإيطالي جاليليو


حُفر في ذاكرة التاريخ الحديث موقف الفلكي الإيطالي جاليليو جاليلي (1564-1642) من الكنيسة الكاثوليكية وتمسكه بنظرية مركزية الشمس فأصبح ما لاقاه من رهق ومحاربة مثالاً على كل لسان. صمد جاليليو أمام الكنيسة وثبت على قناعته العلمية فخلدت المجتمعات الغربية ذكراه كنموذج للعالم الفذ الذي وقف للدفاع عن فكره وعلمه، واتخذه الليبراليون كمثال ليومنا هذا لإظهار مناقب الفكر العلماني، وأصبح جاليليو رمزا للعالم التنويري الذي أخرج المجتمع من سباته العميق وفتح للغرب آفاق المعرفة. أما العلمانيون في البلاد الإسلامية فيستغلون قصة جاليليو جاليلي مع الكنيسة الكاثوليكية لإبراز خطورة مزج الدين بالسياسة وضرورة انتصار العلم والعقل البشري في نهاية المطاف. هذه الصورة الرومانسية المبسطة تختلف عن أبعاد ما حدث مع جاليليو ونوعية الصراع السياسي الفكري الذي أثر على موقف الكنيسة من نظرية مركزية الشمس. فإن اعتماد العلمانيين على ما توصل إليه جاليليو وإسقاطه على واقع مجتمعنا اليوم ما هو إلا تدليس وادعاء غير مطابق للواقع الذي هو له.

 

لا شك أن العالِم الفلكي والفيلسوف والفيزيائي الإيطالي الأشهر استطاع أن يحرك ركود الحياة العلمية في الغرب وتحجر الكنيسة على أفكار معينة أثرت سلباً على الحركة العلمية والفكرية فأطلق العنان لرغبته في البحث وتبنى عن اقتناع نظريات العالم والراهب البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543) الذي صاغ نظرية مركزية الشمس، وأن الأرض جرم يدور في فلك الشمس ورفض فكرة مركزية الأرض بالرغم من رواجها واتخاذها حقيقة مسلماً بها لدى الجميع في ذلك الوقت، معارضا بذلك نظرية (بطليموس 83-161 بعد الميلاد ـ وأرسطو 384 ق.م - 322 ق.م) التي تبنتها الكنيسة [المصدر]. وضع كل من جاليليو جاليلي وكوبرنيكوس إحدى بذور التحرر العلمي من سطوة الكنيسة، إلا أن موقف جاليليو تميز عن سلفه بأنه دافع عن النظرية وحاول أن ينشرها بشتى الطرق مع الإثباتات العلمية والشروحات الفيزيائية وقد استمر في موقفه دون تراجع بالرغم من كل ما لاقاه من عنت في سبيل ذلك.

 

دعوات جاليليو للنظام الكوبرينيكي لم تلاقِ رواجاً كبيراً حتى لدى أقرانه، ولم تشفع له ألمعيته ولا شهرته، بل إنه تعرض لهجوم حاد لأنه نقد بعض أفكار أرسطو التي ألِفها الناس لمدة ألفي عام، ثم رفضه المجتمع لأنه حاول أن يكسر القوالب المعتادة التي تمسك بها الجميع، هوجم ليس لأنه عارض نصا دينيا واضحا صريحا عندهم - أي عارض الدين - كما يشاع، فأرسطو لم يكن قديسا يقتدى به، ونظرياته لم تكن إنجيلا في يوم من الأيام، بل لأنه أتى بتغيير لفكرة مسلم بها ولأن الناس تهاب التغيير. حتى أقرانه بدلاً من أن يُعملوا عقولهم اختاروا أن يتهموا تليسكوبه بأنه يرى أشياء لا وجود لها. وبالرغم من النقاشات المستمرة مع الكنيسة إلا أن الكنيسة لم تأبه له وحجرت على أفكاره، الكنيسة كغيرها تمسكت برأيها الذي يستند إلى فلسفة أرسطو ورفضت أن تفتح عينيها للعقل والتجربة العلمية لا من باب التدين بل من باب الاستبداد والظلامية وحماية الموروث وتعطيل العقل خوفاً من التغيير. قدمت الكنيسة فكر ونظرية أرسطو الذي عاش قبل الميلاد على فكر ونظرية الراهب نيكولاس كوبرنيكوس وعلى فكر وتجارب جاليليو جاليلي الكاثوليكي المتدين المقرب من رجال الكنيسة، وذلك بسبب التحجر الفكري السائد ولاعتبارات سياسية جعلت من جاليليو مجرد ضحية لذلك.

 

استُدعي جاليليو للمحاكمة في محكمة التفتيش متهماً بجرم كبير وهو الطعن في المؤسسة الكنسية وترويج أفكار معارضة لما هو موجود في الإنجيل. ومحاكم التفتيش معروف عنها التعذيب وملاحقة الناس وأخذهم بالشبهات، فما بالك برجل في السبعين من العمر استنزفته كثرة الجدال والنقاش أمام كنيسة تتصارع فيها القوى. أتت محاكمة جاليليو في فترة كانت الكنيسة تناضل فيها لمحاربة التغيير وتزامنت مع صعود البروتستانت وتحدي الإصلاحيين لصكوك الغفران والفساد واحتكار الكنيسة لفهم معين للإنجيل وصراع مع السلطة الزمنية. وحكم على جاليليو بعد سنوات من المراقبة والتشاور والنقاش مع علماء الفلك ورجال الدين بالاشتباه بالهرطقة وأصدرت المحكمة أمراً بسجنه، وفي اليوم التالي خفف الحكم إلى الإقامة الجبرية مع منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة وعليه أن يتبرأ من نظريات مركزية الشمس ومنع من تدريسها أو مناقشتها وظل بعيداً في منفاه حتى مات [المصدر]. تراجعت الكنيسة عن موقفها عام 1822 حين أصدر البابا بيوس السابع تصريحا بطباعة كتاب عن النظام الشمسي لكوبرنيكوس وأنه يمثل الواقع الطبيعي. ولم يعط الفاتيكان لجاليليو حقه الأدبي وكرامته التي أهدرت إلا في 2 نوفمبر 1992 حين أصدرت الفاتيكان براءته رسميًا، وتقرر عمل تمثال له في الفاتيكان.

 

اتخذ التنويريون هذه الحادثة رمزاً لهيمنة الكنيسة وخطر الأديان وحتمية فصل الدين عن السياسة إذا ما أراد الإنسان الرقي والأمان والحرية، وأصبحت الكنيسة رمزاً للقمع والتحجر وانطلقت الدعوات لإيجاد مخرج وحل وأطلق المفكرون لخيالهم العنان وقامت الثورة الفرنسية وتعالت أصوات الإصلاحيين في الغرب. ومن أبرز من حارب إهمال العقل إيمانويل كانت (1724-1804) الذي وجه نداء "اعملوا عقولكم أيها البشر" ليعيد الاعتبار للعقل، وحينما سئل عن عصر التنوير قال "إنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد." وعرَّف القصور العقلي على أنه "التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار دون الرجوع إلى أحد." وقال "تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر. فالله زودكم بعقول وينبغي أن تستخدموها" [المصدر] هذه التصريحات الرنانة أصبحت شعارات مستوردة يرددها بعض المسلمين بالرغم من فارق الدين والتطور التاريخي.. يرددونها بالرغم من أنها شعارات افتقرت إلى المصداقية ولا زالت تدعو للتحرر وتمارس الوصاية الرأسمالية على الشعوب التي لم تبلغ سن الرشد في نظرهم. بل تروض شعوبها على الاتباع الأعمى وتوجه الرأي العام بتحكيم الغرائز بدلاً من الفكر، فتوحدهم عبر شبح العدو المترصد والمصالح الآنية لتنساق الشعوب وراءهم بسهولة ويسر لتتحول هذه الحرية الموهومة لسلوك القطيع. وهي ذاتها الخيوط التي حجرت على فكر جاليليو وتركته قيد الإقامة الجبرية إلى أن مات ولكن بمسميات أخرى منمقة.

 

تتذبذب المجتمعات العلمانية بين تأليه تام للعقل البشري وحث الناس على نبذ التقليد الأعمى وإخضاع كل شيء للبحث حسب المنهجية العلمية وتحرر الذات من جهة، وبين نشر عقلية القطيع (Herd mentality) أو محاصرة الشعوب بالثقافة والاقتصاد والسياسة وإعطائهم الحرية شكلاً ليكونوا كالصقر الجبلي يعيش في قفص كبير يحصر جناحيه وأنفاسه.

 

وبالرغم من كثرة الثغرات والتناقضات في تراث الفكر التنويري الغربي المناقض للفطرة البشرية فإن العلمانيين من بني جلدتنا يعولون عليه ويجعلونه من تراثهم وينكرون عيوبه حتى إن البعض يبني عليه ويوقف حركة التاريخ عنده. فتصبح الليبرالية صنو التسامح والعقلانية والتنوير بالرغم من الفارق الكبير بين هذه الشعارات التي يحملونها وما يجري حولهم من إسلاموفوبيا وعنصرية مزرية وتبرير للاستبداد بجميع ألوانه، فيتبع العلمانيون في بلادنا شعارات الغرب من باب "الحب أعمى" فلا يبصرون قبح النماذج التي يمجدونها وفي الوقت ذاته يكيلون التهم والهمز واللمز للإسلام ويرددون كالببغاء مقولات القساوسة والمستشرقين عن الأحكام الشرعية. بينما إذا طالب التنويريون بمثل ما طالب به الإسلام فإن له مبرراً منطقياً ولا بد أن يدرس في سياق البحث.. الخ. يقول جون لوك وهو أحد مؤسسي الليبرالية في رسالة له بعنوان (رسالة في التسامح ص57) "أن للدولة حق الحفاظ على وجودها بأن ترفض وجود الملحدين وسط رعيتها، بدعوى أنهم لا عهد لهم، لا يمكن التسامح على الإطلاق مع الذين ينكرون وجود الله، فالوعد والعهد والقسم، من حيث هي روابط المجتمع البشري، ليس لها قيمة بالنسبة إلى الملحد، فإنكار الله، حتى لو كان بالفكر فقط، يفكك جميع الأشياء، هذا بالإضافة إلى أن أولئك الملحدين الذين يدمرون كل الأديان، ليس من حقهم أن يستندوا إلى الدين لكي يتحدوا" [المصدر]، لماذا لم يُتهم لوك بأنه إرهابي معادٍ للقيم العليا للمجتمع الدولي، وأنه من دعاة التطرف الديني؟! لماذا توضع هكذا آراؤه كمسَّلمات تسحر ألباب وعقول مريدي الليبرالية؟!

 

تتكرر هذه الأمثلة عبر العصور عن تأليه العقل البشري وادعاء التحرر الفكري ثم تظهر التطبيقات الانتقائية التي تحصر هذه الحرية في النصوص الأدبية والفكرية. فيعيش الإنسان في ظل هذه الدوامة ما بين حريات تدغدغ مشاعره وواقع لا ينتفع منه إلا الأقوياء. وبالرغم من تكرار السقطات وظهور التناقضات فالمراجعة الكلية بعيدة عن مخيلة الأغلبية لأن القالب الموروث يجب الحفاظ عليه كقيم عليا تكرس في المجتمع على جميع المستويات. تحفظ هذه القيم عبر مؤسسات معقدة ومتشابكة تجعل من الأفكار الضعيفة الواهية حقائق مطلقة غير قابلة للنقاش. ذكر الدبوماسي والكاتب انجمار كارلسون أن العالم الإسلامي يتعرض لشلال من الإعلام الغربي.. يضاف إليه مئات الألوف من العمال الذين يعملون في الخارج ويعودون بخبرات فكرية وثقافية وسياسية ولا سيما من أوروبا ثم قال "إن اسم كوكا كولا لا يتطلب ترجمة حتى يتعرف الناس عليه، وكلمة الديمقراطية لا تحتاج هي الأخرى إلى ترجمة ليتعرف الناس عليها" [انجمار كارلسون، الإسلام وأوروبا - صفحة 85]. عجيب أن يقيس هؤلاء العقلانيون بطون الشعوب بأفكارها ومفاهيمها عن الحياة ولا يرون فينا إلا مجرد مستهلك لمنتجاتهم. ثم هل يراد لنا استهلاك واستيراد الديمقراطية كما نستورد ونستهلك ذلك المشروب الرديء الذي يضر ولا ينفع فنكون نموذجاً للمستثمر الساذج على جميع المستويات؟ أم تراه يرانا أغبياء لا نفرق بين الصنفين؟!

 

الفكر الغربي انتقل من عصر النهضة والتجدد إلى عصر الدوغمائية الفكرية (الرأي أو المعتقد الأوحد باليونانية) التي نعيشها اليوم، عصر تطرح فيه أفكار العلمانية والليبرالية والديمقراطية والجندر والمساواة كحقائق مطلقة غير قابلة للنقاش ناهيك عن الرفض. ويظهر فيها دعوى التحرر الفكري بالتعصب بينما تستبدل دمغة الهرطقة اليوم بالإرهاب والتطرف. لقد عرف الإغريق الدوغمائية بالجمود الفكري أو المبدأ غير القابل للنقاش، ولعل هذا التعريف يتناسب مع الفكر الليبرالي المهيمن اليوم فهو فكر يدعو للتشكيك وتطبيق المنهج العلمي في التفكير أينما كان سواء أكان في محله أم في غير محله ولكن لا يقبل أن يطرح السؤال الأهم عن جدوى هذا الفكر وملاءمته للإنسان كإنسان أو تقييمه بموضوعية على أساس ثابت وبمعايير غير متغيرة.

 

هذا الفكر الغربي ألصق عيبه وعواره بالمسلمين فانتشرت الأبواق التي تنعت الإسلام بالفاشية الدينية والفكر الإسلامي بالدوغمائي المتحجر. فالقرآن الكريم اتخذ منهجية قائمة على إعمال العقل فيما هو محسوس وتحفيز الإنسان على التساؤل كطريق لحل العقدة الكبرى في ما وراء الكون والحياة والصلة بين ما قبل الحياة وما بعدها، فجعل الاجتهاد طريقة لمعرفة حكم الله في كل حادثة لم يرد فيها نص، ثم جعل اختلاف الأئمة رحمةً وخطأهم وصوابهم فيه الثواب. وجعل الإسلام للاختلاف أدباً، وللنقاش أصولاً، فكنا عن جدارة منارة العلم والثقافة مساجدنا جامعات وجامعاتنا منارات يسترشد بها طلبة العلم عبر العالم.

 

لا نقول كنا فقط، ولكن سنعود بإذن الله، فصعودنا لتلك المكانة لم يكن مجرد صدفة بل نتيجة حتمية لتطبيق المبدأ الصحيح على أرض الواقع.. عودتنا حتمية لأنه لا بد للبشرية اليوم من قيادة مستنيرة بعد أن تحجر الفكر الغربي ووقف في اللحظة التي أعلن فيها فوكوياما نهاية التاريخ وتحدث بوش عن "محور الشر" و"هم ونحن". سنعود لأن عبادة الموروث لا تأتي بجديد ولا توفر إجابات شافية ترضي عقل الإنسان ولا معالجات موافقة لفطرة البشر لأنها من إنسان محدود ضعيف محتاج مليء بالتناقض عاجز عن الإحاطة بحاجات الإنسان والبشرية.

 

لعل الدرس المستفاد من قصة جاليليو هو رفض المجتمع بجميع أطيافه فكرة مركزية الشمس وتحجره على فكرة باطلة لألفي عام حتى إن الأمر يدعو للسخرية، لم يربطهم بتلك الفكرة الباطلة سوى التحجر على قالب غير قابل للنقاش أو المراجعة يطرح كحقيقة مسلم بها شأنه شأن النظام الليبرالي العلماني الديمقراطي اليوم وأفكاره التي قام بعولمتها.

 

﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِ‌هِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْ‌سَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْ‌يَةٍ مِّن نَّذِيرٍ‌إِلَّا قَالَ مُتْرَ‌فُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِ‌هِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْ‌سِلْتُم بِهِ كَافِرُ‌ونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَانظُرْ‌كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

 

أم يحيى بنت محمد

عضو ا المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

المصادر: الإسلاميون / صحيفة المثقف / دنيا الوطن

 

إقرأ المزيد...

خبر وتعليق نصف ثروة العالم يحوزها خمسة وثمانون شخصاً فقط

  • نشر في التعليق
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 988 مرات


الخبر:

 

بمناسبة انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي أعماله في منتجع دافوس السويسري نشر تقرير صادر عن جمعية "أوكسفام" لمحاربة الفقر:" أن 85 شخصاً في العالم يملكون نصف ثروات العالم "، وبين التقرير أن الثروة العالمية نمت بنسبة خمسة في المائة لتبلغ 241 تريليون دولار، خلال العام الماضي، إلا أن اللافت للنظر هو أن 110 تريليونات دولار من هذه الثروات هي بيد واحد في المائة من أغنياء العالم، وألقى التقرير الضوء على:" أن التركيز العالي للثروة يعتبر تهديدا كبيرا على النظام الاقتصادي والسياسي في البلاد وما يترتب على ذلك من رفع حالة التوتر في المجتمعات ".


وقالت الرئيسة التنفيذية لجمعية أوكسفام، ويني بيانيما، في تصريح لـCNN: " المخاطر المترتبة على هذه الفجوة الكبيرة ليست فقط من ناحية فروقات الدخل وحسب، بل أننا وجدنا أن الأثرياء في العالم يصلون إلى السلطة ".

 

التعليق:

 

أيُّ عالم خيالي هذا الذي تتركز فيه نصف ثروة العالم بأيدي حفنة قليلة من البشر؟!، وأي نظام غريب هذا الذي أفرز ذلك الواقع المأساوي العجيب؟!


فسكان الكرة الأرضية الذين تجاوز تعدادهم حاجز السبعة مليارات نسمة يستحوذ على نصف ثروتهم خمسة وثمانون شخصاً فقط، فسوء توزيع الثروة هذا يُعتبر بحق أكبر سرقة قانونية تحدث في تاريخ البشرية، وإنّ هذه السرقة العالمية الكبرى إنّما نتجت عن أسوأ نظام اقتصادي عالمي عرفته البشرية، ألا وهو النظام الرأسمالي.


والمصيبة الكبرى أنّه لا يوجد أحد من القادة السياسيين أو المفكرين العالميين الذين يُنَظرّون لهذا النظام الفاسد من يعترف بأنّ هذه الحقائق الكارثية ناشئةً عن فساد نظرياتهم عن الحرية الاقتصادية واقتصاد السوق، بل إنّهم على العكس من ذلك فهم ما زالوا يُدافعون عن أفكار الرأسمالية التعسة البائسة، ويُروّجون لنشر نماذجها الفاشلة العفنة في مختلف مناطق المعمورة.


إنّ هذا النظام الرأسمالي بطبيعته - ومنذ نشأته - يوصف بأنّه فردي الطابع، فهو يخص الفرد بنظرته، والدولة فيه ما وجدت إلا من أجل الحفاظ على ثروات الأفراد الأثرياء، وحمايتها، وسن القوانين التي تُحافظ عليها، وتحرسها من سلطان الجماعة، وتحرم الأمة من الانتفاع بحقها في تلك الثروة.


إنّ أصل البلاء وأس الداء في أي نظام اقتصادي يكمن في معضلة توزيع الثروة، فالنظام الرأسمالي يحرم الجماعة من الثروة لصالح الأفراد، ويُركز الثروة بأيدي القلة، ويحرم الكثرة منها، فلا يعترف بالملكية العامة، وإنّما يهبها للأفراد على شكل امتيازات استثمارية من خلال سيطرة الشركات عليها، وهذه الشركات تتصرف بالثروة العامة بصفة احتكارية نيابة عن الأفراد الذين يستحوذون على أكثر من تسعين بالمائة من الثروة الإجمالية، بينما يُلقى بأقل الفتات للأكثرية.


ولم يكتف الأفراد في النظام الرأسمالي بالسيطرة على الثروة، بل تعدوا ذلك إلى السلطة، فجمعوا بأيديهم الثروة والسلطة معاً، وأحكموا قبضتهم على الدولة بذلك الجمع إحكاماً مطبِقاً، فيما هم يُضلّلون الناس بشعارات الحرية الاقتصادية والنمو الاقتصادي والرخاء الاقتصادي.


إنّ مجرد ذكر مثل هذه البيانات السنوية العابرة كالتي وردت في تقرير جمعية أوكسفام يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الرأسمالية في وضع خطير وحرج، وأنّ عليها إعادة النظر في نظامها ونظرياتها وقوانينها، فهي لا شك تتحمل وحدها المسؤولية عن هذا الخلل الفظيع في سوء توزيع الثروة، وفي انتشار الفقر والمجاعات والأمراض، وكل أشكال التخلف المتفشية في جميع المجتمعات سواء الموجودة منها في البلدان المتأخرة أو المتقدمة.


وإنّ الحل لهذه المشكلة العالمية المستعصية موجود فقط في النظام الاقتصادي الإسلامي، وهذا النظام لا يُطبق إلا بوجود دولة الإسلام، التي بمقدورها إعادة توزيع الثروة على الناس بطريقة عادلة، فلا تحرم الجماعة من حقها في المال العام، في الوقت الذي تُمكن فيه الأفراد من الملكية الفردية بضوابط شرعية، فالسياسة الاقتصادية الإسلامية توجد التوازن الدائم في عملية التوزيع بين الفرد والجماعة، فلا يتم سحق الحوافز الفردية في دولاب الجماعة، ولا تُحرم الجماعة من حقها بالانتفاع بالملكية العامة، وهذا لا يوجد إلا في نظام الإسلام.

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو حمزة الخطواني

إقرأ المزيد...

خبر وتعليق الغرب الكافر وهاجس الإسلام السياسي

  • نشر في التعليق
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 831 مرات


الخبر:


ذكر موقع "شبكة الإعلام العربية" الأربعاء، 22 كانون الثاني/يناير 2014 خبرا عن صحيفة «الهافينجتون بوست» الأمريكية، أرجعت فيه الصحيفة، سقوط الإخوان إلى سيطرة هاجس تأسيس الخلافة الإسلامية على أفكارها وسلوكها مما تسبب فيما تعانيه من أزمة ودخول قادتها السجن.


التعليق:


إن صحيفة الهافينجتون بوست هذه بوق من أبواق زعيمة الكفر أمريكا، تنعق بعداوة الإسلام والمسلمين، وادعاؤها أن سيطرة فكرة الخلافة على عقول الإخوان هي سبب فشلهم ودخول قادتهم السجن، هي حلقة من مسلسل تآمر الغرب على المسلمين، الغاية منه زرع فكرة في عقول المسلمين مفادها أن النظام السياسي الإسلامي نظام فاشل، وأنه لن يجلب على الداعين له والساعين إليه سوى الفشل وربما الزجّ في السجون، ولن يحصدوا من ورائه سوى عداوة الغرب والشرق لهم، وسيلثمون وجوههم ندما لعدم اقتدائهم بالغرب، والحذو حذوه في تطبيق أنظمته.


كما أن القائمين على صحيفة الهافينجتون بوست الأمريكية، يدركون كما تدرك الإدارة الأمريكية، ودول أوروبا، وكل حكام المسلمين، الذين أعلنوا بكل تبجح فشل الإسلام السياسي، على إثر سقوط حكم الإخوان في مصر، يدركون جميعا تمام الإدراك أن الإسلام السياسي لم يفشل؛ وذلك:


أولا: لأنهم يدركون أن الإسلام السياسي لم يطبق، لا في مصر ولا في غيرها من البلاد العربية التي أسقطت حكامها فيما أطلق عليها بلاد الربيع العربي، وأن الإخوان لما وصلوا للحكم سواء في مصر أو تونس أو المغرب، وصلوا بأشخاصهم ولم يأخذوا الإسلام معهم، فكانت الأنظمة التي طبقوها هي نفس الأنظمة الوضعية العلمانية المطبقة على البلاد.


ثانيا: لأنهم يدركون أن تأسيس الخلافة لم يكن هاجسا مسيطرا على تفكير الإخوان البتة، بل إن سلوكهم العملي، وتجاربهم الفعلية، أثبتت أنهم يسعون إلى الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، التي ليس لها علاقة بالإسلام، بل تناقضه كل التناقض، وفي أحسن الأحوال إلى نموذج إسلامي قُطري، أي ليست خلافة إسلامية تطبق النظام السياسي الإسلامي.


ثالثا: لأنهم يدركون تمام الإدراك أن النظام السياسي الإسلامي سينجح إذا طبق كما نجح في الماضي، وأن فيه معالجات ناجعة لكل مشاكل الإنسان؛ ولذلك فهم يحاربونه بكل ما أوتوا من قوة، وبكل ما تفتقت عنه عقولهم المجرمة من وسائل وأساليب خبيثة ليمنعوا وصوله للحكم؛ لأنهم يدركون أن وصول الإسلام السياسي إلى الحكم يعني خروج نفوذهم من البلاد الإسلامية بأسرها، بل يعني أنه سيصل إلى موطئ أقدامهم، ليهدم دولهم ويقضي على أنظمتهم.


أخيرا ليس بيننا وبين أن نحمل الإسلام قيادة فكرية لأمريكا، وأوروبا، وروسيا، والصين، بل وما بلغ الليل والنهار، نقودهم بالنظام السياسي الإسلامي، إلا أن يأذن ربُّنا سبحانه وتعالى بإقامة الخلافة الإسلامية، فترى الناس يدخلون في دين الله أفواجا، إما إيمانا واعتقادا بالإسلام، وإما خضوعا طوعا قبل أن يكون كرها لحكم الإسلام.


﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الملك

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع