الجمعة، 28 ذو القعدة 1447هـ| 2026/05/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

الرأسماليّة تهلك الحرث والنسل

  • نشر في ثقافي
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 2045 مرات

 


إن طبيعة النظام الرأسمالي أنه من جنس فكرته المنبثق عنها: فصل الدين عن الحياة.. ليصبح الإنسان سيد هذه الحياة وصاحب الحق في امتلاكها وإدارتها.. ويُقصي كل أمر متعلّق بتدخل الدين في شؤون الحياة..


ولهذا نجد أن النظام الرأسمالي يستميت في محاربة التشريع الإلهي حتى يفسح المجال لتشريع البشر.. ومتى كان الإنسان مُشرّعا عمّت الفوضى..
لأنّ طبيعة الإنسان أنه كائن حي لديه طاقة حيوية تتطلّب الإشباع.. وكلما شعر الإنسان بتهديد في إشباعاته زادت فوضويته وتدافعه نحو تلبيتها.. وزادت معها رغبته في ضمان هذا الإشباع وديمومته..


وهكذا كانت النظرة الرأسمالية للإنسان نظرة فردية بوصفه سيّد الوجود وله الحق في التمتع بالحياة بلا كيف ولا كم ّ ولا سلطان لدين ولا لحاكم.. فالدولة الرأسمالية هي ملبّية لحاجات الأفراد مهما صغرت أو عظمت.. وهنا وقع النظام الرأسمالي في مأزق كبير.. بين متطلبات الفرد والعروض المتاحة له.. وزاد البون بين العرض والطلب وهذا ما يُعرَف بالندرة النسبية..


فالمشكلة الأساسية في الاقتصاد الرأسمالي هي عدم كفاية السلع والخدمات للحاجات المتعددة والمتجددة للأفراد.. وكلّما زاد التقدم العلمي والتكنولوجي زادت حاجة الفرد إلى الإشباع والانتفاع..


ومن هنا يُفهم سرّ انصباب الجهود على زيادة الإنتاج وتنميته ووفرته.. ويُفهم معنى حريّة التملّك والعمل والتي تُمكّن الفرد من أخذ الثروة وحيازتها وفق ما يملك من أدوات لإنتاجها.. والشعار في ذلك "دعه يعمل.. دعه يمرّ".


وهذا يجعل الثروة بأيدي فئة معيّنة داخل المجتمع.. فئة الأقوياء الأغنياء أصحاب رؤوس الأموال الذين يملكون الحق في توزيع الثروة لأنها من نصيبهم ويمكّنهم من فرض قيود وشروط مالية قاسية على المستهلكين.. سواء أكانوا أفرادا أم دُوَلا..


وبهذا الحق تمكّن هؤلاء من السيطرة على البلاد والعباد، حتى صار لهم الدور الكبير في صناعة القرار في الداخل والخارج.. وصارت الهيئة التشريعية تخضع لضغط هذه الفئات المستحكمة والمتنفذة داخل المجتمع..


من هنا كان الفقر في العالم.. وكان استعمار الشعوب ونهب ثرواتها.. وكانت الحروب والدمار.. سببه السياسة الاقتصادية الرأسمالية التي حصرت المشكلة في إنتاج الثروة وليس في توزيعها بما يكفي حاجات الإنسان بوصفه إنساناً لا بوصفه فردا..


وقد كشفت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن 85 ثريا يملكون نصف ثروة العالم.. موضحة أن نصف ثروة العالم التي تبلغ 110 تريليونات دولار هي بيد 1 بالمائة من السكان..


وقد أدت هذه السياسة الاقتصادية الفاشلة أن ترى أن الجوع والفقر اللذين يجتاحان العالم سببهما هي الزيادة السكانية في العالم على اعتبار أن طاقة السكان على التزايد تفوق قدرة الأرض على إنتاج المواد اللازمة للإنسان.. مع العلم أن إنتاج الغذاء العالمي يفوق ويزيد على مقابلة الحاجات الغذائية لسكان الكرة الأرضية كلها..


وعوض أن يُبحَث الحل على ضوء سياسة اقتصادية رشيدة تعمل على توزيع الثروة بما يحقق الرعاية والكفاية للناس.. انصبّ البحث على طرق التقليل من النوع الإنساني وتحديد نسله بحجة أن مساحة الأرض غير قادرة على استيعاب أعداد تفوق المعدلات السكانية الحالية وأن النمو الديمغرافي يفوق الثروة في العالم وهو سبب الفقر..


نعم.. هكذا كان حلّ مشكلة الفقر في النظام الرأسمالي.. بالحدّ من الإنجاب وتحديد النسل وتقنين ذلك في بعض الدول.. والحثّ عليها من قبل الهيئات العالمية والدولية..


ثم إن الغرب يدّعي أن تلوث البيئة وفساده ناشئ عن كثرة النفوس وكثافة السكان، ولذا يجب تحديدها، بينما الأمر ليس كذلك، فإن الفساد ناشئ بحسب اعتراف الغرب من البلدان الصناعية نفسها، إذ زيادة درجة حرارة الأرض إنما هي نتيجة تمزق الغلاف الجوي المحيط بالأرض، المتسبب عن الغازات التي تفرزها المعامل والمصانع وخاصة العسكرية والنووية منها، وزمامها بيد الغربيين، كما إن تلوث مياه الشرب ناشئ عن إلقاء نفايات المصانع الذرية وغير الذرية في المياه، وكذلك يكون اضطراب الأحوال الجوية وتوترها، مثل كثرة الأمطار وقلتها، وكثرة الأمراض وشيوعها، وفساد المزارع وخرابها، واحتراق الغابات ودمارها، وغير ذلك من الكوارث الطبيعية، فإن أغلبها سببه استعمال وتصنيع الأسلحة الحديثة، وبسبب التجارب النووية من تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية وغيرها كما اعتاده الغرب.


إن سياسة تحديد النسل كان عملا ممنهجا ومؤطّرا منذ بداياته لأنه متعلّق أساسا بالسياسة الاقتصادية الرأسمالية.. وقد عملت به دول غربية كثيرة..


وللتمويه فإن هذا المشروع يتم بتغطية علمية من بعض الجمعيات العالمية والمحلية لمساعدة اليونسيف، وبعض وزارات الصحة العمومية، ومؤسسات تنظيم الأسرة المحلية، التي تتبارى في إجراء البحوث والدراسات الميدانية للعمل على خفض نسبة مواليد السكان لديها.


وهذه المؤسسات التي تتقاضى تمويلات ضخمة لهذا الشأن، تُمنح إضافة لذلك أوسمة غربية من الدرجة الأولى لمساهمتها في الحد من الزيادة السكانية، وما يسمى وفق مصطلحهم بالانفجار السكاني الذي قد يهدد بتفاقم مشكلة نقص الغذاء المتوهمة عالمياً.


ومن الأمور التي ساعدت على تحديد النسل، هي دعم المنظمات الدولية لهذا المشروع: بعض قرارات صندوق النقد الدولي، وهيئة الأمم المتحدة، والمنظمات المرتبطة بهذه المؤسسات، والتي تفرض شروطا مريبة لإقراض الدول الفقيرة، منها تحديد النسل والتنظيم العائلي..


وقد عملت الصين الشعبية مثلا بسياسة الطفل الواحد وقالت هذه السلطات أن هذه السياسة منعت أكثر من 250 مليون ولادة منذ تطبيقها وحتى السنة 2000.. وقد يخضع متجاوزو هذه السياسة إلى عقوبات تجرّدهم من امتيازاتهم وتحرمهم من الاستفادة من خدمات الدولة..


كما أن ادولف هتلر قد مارس سياسة العقم الإجباري لتحسين نسل الألمان والحد من الإنجاب المتهافت..


وعملا في نفس السياق أصدر الحبيب بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية والتي طرح فيها مشروع تحديد النسل.. ونوقشت المسألة على ضوء تحسين الوضع المعيشي بالحد من الإنجاب ممّا أدى إلى تناقص سكاني سريع وارتفاع في معدل التهرّم..


وتوالت بلدان العالم الإسلامي في انتهاج هذه السياسة دون إدراك لغايتها الحقيقة.. بل كان العمل بها يحظى بتشجيع حكومي وتغطية إعلامية كبيرة وحتى برامج التعليم كانت تستحسن فكرة الحد من الإنجاب وتجعل "تحديد النسل" محورا رئيسيا في منهجيتها.. حتى إنها تعرف الطلاب في سن مبكرة على وسائل تحديد النسل والوقاية من الإنجاب..


أما أدعياء حقوق المرأة والجمعيات النسوية فقد جعلوا من هذا الموضوع قوتهم اليومي.. حتى وصل بالبعض منهم إلى توزيع وسائل منع الحمل على النساء القرويات اللواتي لا يملكن حتى رغيف الخبر لأكله.. وصار تحديد النسل ثقافة أساسية لتوعية المرأة بحجة أنها يجب أن تحسّن من مستواها المعيشي وتساهم في ذلك حتى لو لم تعمل.. فيكفيها الحدّ من الإنجاب لتقليص نسبة الفقر..


لقد حثّ الإسلام على الإنجاب للمحافظة على النوع الإنساني.. والإسلام فيه من الأحكام الشرعية ما يضمن تحقيق الرعاية والكفاية والرفاه لكل البشر.. لأن النظام الاقتصادي في الإسلام يقوم على توزيع الثروة بشكل يحقق الإشباعات الأساسية للإنسان بوصفه إنساناً.. وليس في التشريع الإسلامي ما يخشاه ويخجل منه لأنه وحي رب العالمين.. وحي خالق هذا الإنسان وهذا الكون وهذه الحياة.. ومع أن الإسلام قد شجّع على الإنجاب لقوله صلى الله عليه وسلم «تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة» فإن الإسلام لم يمنع تنظيم النسل واستخدام بعض وسائل منع الحمل والتي لا تسبب قطعا للنسل أو عقما دائما..


وليست الغاية من هذا الموضوع بيان الموقف الشرعي من تحديد النسل.. بل الغاية منه بيان عقم هذه الأنظمة الكافرة وعجزها على رعاية شؤون الناس.. بل وإفقارهم واستغلالهم بذريعة وهمية جنّدت لها مؤسسات وحكومات ومنابر إعلامية وجمعيات دولية حتى تغطّي على فشلها وعدم استيعابها لمشاكل الإنسان..


لأن النظام الرأسمالي في نهايته تشريع بشري قاصر عاجز.. لا يستطيع أن يقدم للإنسانية الرخاء والهناء.. بل هو شقاء وعداء.. عداء للإنسان وللدين وللحياة..
يقول عالم الكيمياء الأمريكي آرثر كورماك (إن أهل الشرق سوف لن يلبثوا إلا قليلاً حتى يطلعوا على حقيقة هذا الدجل، ثم لا يغفرونه لأهل الغرب، لأنه استعمار من نوع جديد يهدف إلى دفع الأمم غير المتقدمة ولا سيما الأمم السوداء إلى مزيد من الذل والخسف حتى تتمكن الأمم البيضاء من الاحتفاظ بسيادتها).


فيا أيها المسلمون، لقد حباكم الله بثروة بشرية وثروة فكرية وتشريعية.. فماذا تنتظرون؟؟ إن الغرب الحاقد لن يفرّط فيكم ما دمتم مفرّطين في الإسلام.. هذا الدين العظيم الذي يرتعب أعداؤه بمجرّد ذكر اسمه..


ماذا تنتظرون للتحرر من هذا الاستعباد والاستعمار.. ماذا تنتظرون لتعيشوا بما يرضي ربكم ويرضيكم؟؟؟

لا تغفروا لأهل الغرب ما فعلوه بكم.. بحرثكم وبنسلكم.. بدينكم وبأمتكم..

يقول الله تعالى في آخر سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾
وأي ضنك أمرّ وأعتى من الحكم بغير ما أنزل الله.. أي شقاء أعظم من العيش بأنظمة تحارب الدين وتكره الإنسان وتحتكر الحياة لصالح الفرد؟؟
ويقول عز من قائل في أول السورة نفسها: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾
نعم.. إن القرآن وهو وحي رب العالمين وهو كلام العزيز الحكيم.. هو نور لمشارق الأرض ومغاربها.. وهناء للبشرية ونعيم..

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نسرين بوظافري

 

 

 

 

إقرأ المزيد...

فلسطين: تفسير سورة البقرة "فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"

  • نشر في أخرى
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 2226 مرات

 لفضيلة الشيخ يوسف مخارزة (أبو الهمام)

الثلاثاء، 12 شعبان 1435هـ الموافق 10 حزيران/يونيو 2014م

 

إقرأ المزيد...

خبر وتعليق كأس العالم في البرازيل هيبة أم وصمة عار (مترجم)

  • نشر في التعليق
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1675 مرات


الخبر:


بينما تتهافت وسائل الإعلام على مباريات كأس العالم لكرة القدم في البرازيل، تقوم دوامات من الجدل حول هذه القضية الكبرى وهي انتشار كتابة الـ"جرافيتي" على جدران الشوارع والقطارات وفي المحلات الرئيسية لتصوّر الوضع الاقتصادي المتردّي وحالة الفقر المدقع، وأبرزها كانت صورة لكرة القدم على لوحة من الأطفال الجائعين. ويقال أن التكلفة التقديرية لاستضافة هذه الألعاب تقدر بـ11 مليار دولار أو أكثر. مما يجعلها أغلى كأس عالم منذ بدأت المنافسة منذ 84 عاما.

 

[ www.cnbc.com، 12 يونيو 2014]. البرازيل تصرف نحو 15 مليار دولار على 12 ملعبا ليتم استخدامها في المباريات الدولية [Forbes.com 4/16/2014]


التعليق:


في حين تكشف الجداريات فن المشاعر الكامنة تتغاضى وسائل الإعلام عنها، بين الفقر المفزع والكرات الجديدة اللامعة وإجبار الأطفال على العمل في ظروف شبيهة بعمل العبيد من أجل إنتاج كرات القدم، وبين المرأة العاملة على مدار الساعة لخياطة القمصان والكرات، بين هذا كله يتسابق الرأسماليون لملء جيوبهم من الأرباح التي يدرّها عليهم الاهتمام العالمي بكأس العالم 2014 المقام في أرض البرازيل الغريبة.


أما ما ليس بالغريب في البرازيل هي الأرقام المذهلة لعدد الأطفال المشردين ومعدلات البطالة المرتفعة التي أدت إلى اتهام الحكومة البرازيلية بالفساد وبكثرة الإنفاق، بدلا من تحسين البنية التحتية المحلية وظروف السكن [www.cnbc.com, 12 Jun 2014].


ومنذ الإعلان عن مباريات كرة القدم في البرازيل، انطلق الناس إلى الشوارع وتصادموا مع فرق مكافحة الشغب الشرسة، احتجاجا على استضافة المباريات التي تنفق عليها مليارات كان بالإمكان أن تنفق على تحسين البنية التحتية المتداعية من وسائل نقل عام ورعاية صحية ونظام تعليمي. أما الآن فيتنافس الرأسماليون للحصول على عقود تدرّ عليهم أموالا طائلة، تتدفق للأسف من جيوب الفقراء، فيجني المستثمرون الأجانب الأرباح من البرازيل كما يفعلون في كل السيناريوهات المماثلة.


للأسف، كما مرت سابقاتها سواء في جنوب أفريقيا (فيفا 2010) أو في مكان آخر، تبقى حاجات عامة الناس غير مبالٍ بها وتذهب أصواتهم أدراج الرياح في خضمّ الإبهار الإعلاني لمصالح الرأسماليين المتعطشين للمال، الذين يجمعون حقائبهم بعد كل مباراة لينتقلوا إلى الموقع التالي بحثا عن صفقات مربحة أكثر - فدورة المال لا تنتهي عند هؤلاء-، تاركين وراءهم ملاعب ضخمة فارغة للطيور لكي تسكنها. هذا ناهيك عن الاقتصاد المترنّح كما في اليونان بعد دورة الألعاب الاولمبية التي أصبحت بمثابة ذكرى أليمة على تكاليف أثقل بها الطاغية كاهل الحكومة اليونانية.


مرة أخرى نشهد حالة يرثى لها يُجعل المال فيها مقدّما على الإنسانية، ذاك الشعار الرأسمالي سيئ السمعة وغير المعلن.

 

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم مهنّد

إقرأ المزيد...

خبر وتعليق سوء الرعاية وغياب الدولة سبب الأمراض

  • نشر في التعليق
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1196 مرات


الخبر:


أوردت صحيفة الجريدة الصادرة في الخرطوم بتاريخ 15 يونيو 2014م الموافق 17 شعبان 1435هـ العدد (1117) خبراً تحت عنوان: (مأمون حميدة وزير الصحة لمركز الكلى): "من أين تأتون بهذه الأعداد الكثيرة من المرضى؟" وفي سياق آخر قام مسؤول المياه بالرد على سؤال الصحفي في اللقاء الذي أجرته معه صحيفة المجهر يوم 18 شعبان 1435هـ الموافق 16 يونيو 2014م وهو يقدم خطاباً لا يمكن أن يسمى إلا تهكماً، فعندما سأله الصحفي عن قطوعات مياه الشرب في بعض المناطق بالعاصمة الخرطوم، وعن احتجاجات صاحبت ذلك مما أدى إلى وقوع بعض الجرحى ومصرع شخص واحد، فرد مسؤول المياه: "وما هي المشكلة في موت شخص فهو في كل الأحوال كان سيموت".

 

التعليق:


إن المستمع إلى تصريحات المسؤولين في الدولة السودانية يكاد لا يصدق ما يسمع بل يكاد يجزم أن تصريحات مسؤول المياه هي شكل من أشكال النكتة والفكاهة وليست حقيقة، ولكن للأسف الشديد أن الخطاب التهكمي الصادر من المسؤولين المعبأ بالسخرية والاستهزاء هو واقع من ضمن مرتكزات الجو الخدمي الرعوي في البلاد، وإلا فما معنى أن يتساءل وزير الصحة بقوله: من أين يأتي هذا العدد الكبير من المرضى؟ أليس هذا هو الاستهزاء بعينه أم أن وزير الصحة لا يعلم من أين تأتي الأعداد الكثيرة من المرضى حقا!! فوزير البيئة يجيب على تساؤلات خليله وزير الصحة حيث أوردت صحيفة أخبار اليوم العدد (6995) يوم 4 مارس 2014م ، 2 جمادى الأولى 1435هـ خبراً تحت عنوان وزير البيئة: السودان أصبح مكباً للنفايات: مؤكداً أن معظم الأمراض السائدة الآن مردها للأجهزة الإلكترونية التي تحتوي على مواد مسرطنة وسامة، وكان الدكتور نور الدين شلقامي رئيس جمعية حماية المستهلك قد حذر الجميع من وجود فطر "الأفلاتكس" في بعض مخازن المخزون الاستراتيجي خاصة الذرة منبهاً إلى أن الفطر يسبب الأمراض السرطانية [المجهر عدد (605) 26 يناير 2014م].


فهل عرف وزير الصحة - أكبر مستثمر في مجال المستشفيات من أين تأتي الأعداد الكبيرة من المرضى؟


وكان وزير الصحة الاتحادية (بحر أبو قردة) قد صرح لصحيفة أخبار اليوم [عدد (6954) 23 يناير 2014م] قائلاً السودان يحتل المركز الأول في وفيات التلوث البيئي والهوائي.


إن الأعداد الكبيرة للمرضى تأتي من سوء الرعاية وغياب الدولة، كيف لا وقد وجدت ترسانة من المنتفعين والمأجورين والمتاجرين بدماء المسلمين في السودان وصحتهم، فها هو رئيس لجنة الصحة بالبرلمان "عبد العزيز التنين" يكشف عن تورط 36 وزيراً اتحادياً وولائياً في دخول (586) حاوية نفايات مسرطنة للبلاد مؤكدا أن تلك الحاويات دخلت عبر منظمات حكومية وخيرية".


وقد يكون وزير الصحة؛ وهو المستثمر الأول في مجال المستشفيات خمسة نجوم في السودان؛ والتي لا يرتادها إلا أمثاله، يكون قد نسي في غمرة سعيه نحو استثماراته في المجالات الطبية أن وزارته قد صرحت من قبل على لسان وزير الدولة بوزارة الصحة الاتحادية البروفيسور حسن أبو عائشة أن 80% من الأمراض بسبب المياه الملوثة، وإن تلوثها السبب الرئيسي في وفيات الأطفال، مبيناً أن نصف السودانيين لا يتمتعون بمياه شرب صحية ونقية.


ومما تقدم ذكره يتبين للمتابع أن سبب المرض هو تركز مرض سوء الرعاية لدى المسؤولين في السودان فالدولة في الإسلام مهمتها رعاية شؤون الرعية في كافة المجالات ومنها الصحية، فترى أي دين يتبنى وزير الصحة لسياسة شؤون الرعية قطعاً هو ليس الإسلام، فهو يتبنى الدين الرأسمالي الجشع والذي يعتبر التحالف بين رجال الأعمال ورجال الحكم هو جوهر العمل السياسي ولذلك نرى الوزير مأمون حميدة ينشط في مجال الاستثمارات الطبية.


إن المصالح والدوائر والإدارات ومنها (دائرة الصحة) إنما تُنشَأ وتُقام لأجل النهوض بشؤون الدولة، ولأجل قضاء مصالح الناس. فقد كانت الأحوال الصحية في ظل دولة الخلافة تعتبر مضرباً للأمثال بين الشعوب والأمم في تجسد الرعاية والاهتمام بالإنسان حيث كانت المستشفيات المتحركة تجوب المدن والقرى بحثاً عن المرضى لمعالجتهم بل وتمدهم بالغذاء والدواء دون مقابل، إرضاء لله سبحانه وتعالى، وهذا كله يحدث لأن جوهر عمل الدولة في الإسلام هو رعاية شوؤن الأمة، ولما كان الواقع اليوم خلاف ذلك فالمتحكم الفعلي والحقيقي في مجال العمل الطبي وكل شؤون الحكم هو الفكر الرأسمالي النفعي ورجالاته ممن آمن به طريقة للحياة، فالمطلوب اليوم هو العمل من أجل اجتثاث جيوش المنتفعين والظلاميين من رجال الرأسمالية الجشعة وإقامة نظام الخلافة الراشدة التي تطبق الإسلام رعاية وسياسة ورحمة.

 

 


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عصام الدين أحمد أتيم
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع