العقدة الكبرى والعقد الصغرى 17
- نشر في أخرى
- قيم الموضوع
- قراءة: 485 مرات
سلسلة حلقات "كلمة باقية"
مقتطفات من الحوار المباشر الذي أجراه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يوم الجمعة 21 ربيع الآخر 1435هـ الموافق 21 شباط/فبراير 2014م مع المهندس إسماعيل الوحواح عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في أستراليا تحت عنوان "وعد بلفور ووعد عباس - وعد من لا يملك لمن لا يستحق".
2014-03-05
من سلسلة: المسلمة في مرايا الإعلام
1- ذكريات البعض وقصة فتاة تدعى سارة بارتمان
انتشرت منذ التسعينات من القرن المنصرم كتابات لنساء وُلِدْنَ في أسر مسلمة يتحدثن فيها عن تجاربهن المريرة مع الحياة في مجتمع مسلم وقصة نجاحهن في الهروب من ذلك المجتمع والتغلب على قيمه.

الرابط المشترك بين هذه الكتابات هي محاولة إثبات أن المجتمع المسلم مجتمع تسود فيه الميسوجينية (كراهية المرأة) والتعبير عن الصور المختلفة التي تتجلى فيها هذه الكراهية.
تحاول هذه الكتابات أن تربط بين المسلمين (الإسلام) والميسوجينية بالرغم من أن التعبير نفسه مستمد من اليونانية ووضع ليعبر عن أنماط أدبية وفكرية يونانية هيمنت عليها كراهية المرأة واحتقار أي إنسان مختلف.
لعل اللافت أيضاً أن هذه الكتابات التي تسرد قصص المسلمات "المقهورات!" تأخذ طابع كتب المذكرات الشخصية وتصحبها حملة إعلامية ترويجية منظمة ومبنية على صورة قاتمة للمسلمة التي تروي كيف أنقذها الغرب من براثن حضارة ظالمة وثقافة مجهولة وتجسد صراع الكاتبة الأسطوري ضد الحجاب أو الخفاض (ختان الإناث) أو زواج القاصرات، وغيرها من القضايا المتكررة.
اتُخذت فرنسا كمكان لتسويق وإطلاق هذا النوع من المذكرات وأصبح لها رواج خاص في المجتمع الفرنسي، ولم يأتِ هذا الأمر كمفاجأة في إطار الإسلامافوبيا الفرنسية والعداء للحجاب وكل رموز الإسلام، ساند الفرنسيون هذه الكتابات، ولعل هذا الترويج يعد بمثابة ردة فعل لأزمة داخلية بعد أن انتقل الصراع مع أبناء
المستعمرات السابقة من شمال أفريقيا إلى فرنسا نفسها في ما يسمى بالضواحي "banlieues" ولفظ الجيل الثاني من المهاجرين قيم فرنسا العليا بل وأقبل الفرنسيون على اعتناق الإسلام، وكلما ازداد الإقبال على الإسلام ازدادت الهجمة ضد قيمه وأحكامه.
ولزيادة التشويق ولإضفاء قالب شعبوي على هذه الكتابات فإنها لم تخلُ من وصف إباحي وأجواء مبتذلة لها رواج في المجتمعات الغربية. درست ليلى أبو لغد أستاذة علم الإنسان في جامعة كولومبيا هذه الكتابات وسردت ما وجدته من تناقضات وافتراءات في تلك الكتابات الرديئة أدبيا وعرضها للمرأة في صورة مبتذلة من أجل تحقيق ربح مادي.
كما ذكرت أن معظم هذه المذكرات التي حظيت بانتشار واسع ونجاح تجاري مذهل شارك فيها كاتب/كاتبة غربية ومكتوبة بلغة وأسلوب لا ينتميان للبيئة المتحدَّث عنها وتخاطب العقلية الغربية وتستند لثقافته. باختصار هذه المذكرات لم تنشر للاستهلاك في بلاد المسلمين؛ فلغة السرد التي يغلب عليها التهويل والتأليب على الإسلام، والكلام الذي تمجُّه الأسماعُ، والحشو لقصص الفجر والفواحش بشكل يذكّر القارئ برداءة وقبح ألف ليلة وليلة وقصص الصعاليك لا يتقبلها أي مسلم.
ولم يكن المسلم محلّ اهتمام الآلة الدعائية الغربية، بل إن المواطن الغربي هو المقصود بالإقناع ليصدق أن تحرير المرأة ونشر الحماية لها غاية نبيلة لا بد أن يضحي من أجلها الإنسان المتحضر، وأصبحت الخلطة السحرية لترويج أي كتاب في الغرب يتمثل في صورة فتاة مسلمة مع تنويه بأن هذا الكتاب يحكي مأساة وصراع فتاة حاربت الموروث وتحدّت القوالب الجامدة ورفضت قهر النساء وتشبثت بطوق النجاة والقيم الليبرالية.. فأصبحت بذلك قصاقيص من حياة ليلى أو ندى أو فاطمة غلافًا مخمليًّا لتبرير غزو البلاد ولقدح الحضارة الإسلامية وواجهة لصراع حضاري تواري الخصم عن المواجهة فيه.
ارتبطت فترة الاستعمار بالاستشراق وهوس الأخير بالمرأة المسلمة، فقد صورها المستشرق بصورة هي أبعد ما تكون عن واقع هذه المرأة البعيدة عن أنظاره. فسرد المستشرقون القصص عن ذوات الخدور وتداول الصور الزيتية التي روج لها وزعم أنها للحرملك العثماني، ولم يأبه بتشكيك الأكاديميين الغربيين أو تكذيب الكاتبات الغربيات اللواتي تسنى لهن دخول الحرملك. لم يحلم المستشرق بسماع صوت المرأة المسلمة وهي في حياتها الخاصة، ناهيك عن رؤيتها، فإذا به يترك العنان لمخيلته المريضة ويتخذ من هذا الموضوع أداة لمحاولة النيل من الإسلام وأهله بدلاً من مقارعة الفكر بالفكر وتفنيد حجة الخصم وإقامة البرهان عليه.
لعل هذه المذكرات الحاقدة التي تهدف لتشويه الإسلام وهذا الطرح المليء بالإثارة يستهويان الباحثين عن سبب للطعن في الإسلام، وينطليان على المخدوعين المغرر بهم من الذين شغلهم الحقد على الإسلام عن التمييز والإدراك الصحيح؛ فتراهم يتوجهون نحو الضمير الغربي لطرح قضية المرأة والبحث عن الخلاص من صور الظلم والقهر؛ سواء أكانت هذه مظالمَ شرعيةً أم افتراءاتٍ وتدليسًا منسجمًا مع لغة الاستشراق وأهدافه؟ يظل التساؤل الملحّ في هذه القضية هو: هل يحق للغرب أن يعتلي هذه المرتبة ويدعي السمو الأخلاقي؟ وهل هو أهلٌ لأن تتقرب منه الناشطات من بني جلدتنا وتنصبنه كَحَكَم (بغض النظر عن القضية المطروحة)؟ وللإجابة على هذا السؤال نستحضر قصة حياة امرأة أفريقية تدعى سارة بارتمان.. وما أدراك مَنْ هي سارة بارتمان؟ قليلون هم الذين سمعوا بقصة حياة امرأة تدعى (سارتجي) سارة بارتمان (1789 - 1815) (لعل هذا اسمها أو اسم عرّفها به المستعمر الهولندي)، عرفت أيضاً باسم "زهرة الهوتنتوت"؛ والهوتنتوت اسم أطلقه الهولنديون على قبيلة "الخوي خوي" بسبب مخارج الحروف عندهم.
ولدت سارة لأسرة من قبائل "الخوي خوي" الأفريقية التي تستوطن أقصى جنوب القارة الأفريقية، تتميز بملامح جسدية معينة وسمات جينية تعطي المرأة شكلاً مختلفاً. عملت سارة كخادمة مملوكة لفلاحين هولنديين في موطنها جنوب أفريقيا، ورآها هناك جراح زائر من بريطانيا يدعى ألكساندر دنلوب، فانتبه لغرابة حجمها وشكلها (كانت مختلفة عن شكل نساء بلده ولكنه جسدها الخازن للدهون عادي جداً بين نساء "الخوي خوي" وبعض القبائل الأفريقية بل إنها تحمل مقاييس الجمال بين قومها)، فعرض عليها أن تذهب معه إلى لندن لإجراء بعض الأبحاث على شكلها الغريب ووعدها بالشهرة والثراء. ذهبت للندن في 1810 وهي في الواحدة والعشرين فإذا بها تعرض شبه عارية في سيرك "بيكدييلي" الشهير في قلب العاصمة البريطانية بجوار الحيوانات المفترسة تحت إشراف مدرب يلقنها حركات تتقمص بها حيوانات الغاب، وكان يُسمح للزوار بلمس جسدها "الغريب" أو وخزها بعصاة مقابل زيادة في السعر. لم ير المجتمع غضاضة في ذلك، بل إن الإعلانات عن عرض هذا القادم القبيح الغريب من أفريقيا ملأت الشوارع وأثارت فضول الناس في العاصمة البريطانية.
بعد أربع سنوات من عملها في دور العرض وتعرّضها لصنوف الذل والهوان نُقلت إلى باريس بعد أن اشتراها رجل فرنسي لتعرض تحت إشراف مدرب الحيوانات المفترسة. وفي أثناء هذه المدة تم عرضها للجراحين الفرنسيين وأبرزهم عالم علم الحيوان الشهير جورج كوفييه، عرضت أمام لجان علمية ورسمت لها لوحات علمية "عارية" باسم العلم وتقدمه ورقيّه! أصبحت الفتاة الأفريقية محط أنظار الجميع وتحت تصرفهم؛ تارة لإرضاء غرورهم العلمي وتارة أخرى للهو والسخرية ومآرب أخرى.
أذاقوا الفتاة ما هو أسوأ من العبودية ولم يكتفوا بعرض جسدها المكلوم فقط بل استغلوها في البغاء حتى توفيت مريضة وحيدة غريبة مهانة ومحطمة. لم يكرم الفرنسيون جسد سارة حتى بعد الوفاة، بل تم تشريح الجثة من قبل كوفييه الذي انتزع بعض الأعضاء ليجري أبحاثًا ويستنتج أنها أقرب لقرد الرباح أو البابون (من فصيلة سعادين العالم القديم). عرض الفرنسيون رفات سارة في متحف في باريس يدعى متحف الإنسان، وقام بعض علماء التاريخ الطبيعي العنصريين بتقطيع أطرافها، وحفظوا مخها وأعضاء حساسة من جسدها داخل صناديق زجاجية وعرضوها على الملأ في متحف الإنسان (ميوزي دو لوم (حتى 1974، واستعادت جنوب أفريقيا رفاتها عام 2002 وأقامت حفل تأبين لتعيد لسارة كرامتها ولكن أي حفل يصلح ما حدث؟! قبحهم الله. من يقرأ هذه القصة وتفاصيلها المؤلمة يشعر بأن هذا ضرب من الخيال، ولكن الحقيقة أن هذه الحادثة لم تكن استثناءً شاذًاً، بل إن أوروبا عرفت ما أطلق عليه حديقة حدائق البشر أو قرى العبيد Human zoo، وسميت أيضاً بـ (قرى الزنوج أو معرض الأعراق أو سيرك الغرائب).
وجلبوا أهالي المستعمرات من النوبة وجنوب أفريقيا والمستعمرات في آسيا وغيرها للغرب ليعاين المستعمر أهل تلك البلاد البعيدة، وانتقوهم من أجل العرض كما ينتقي المرء القطع الأثرية! وقد كانت هذه العروض للبشر في القرن التاسع عشر والعشرين تتستر تارة خلف قناع العلوم وتارة أخرى خلف قناع المعرفة وحب الاستطلاع، ولكن في المحصلة جلبت أهالي المستعمرات من الكونغو والنوبة وشرق آسيا وغيرها وعرضتهم ليكونوا مثار السخرية والازدراء وكان لها شعبية كبيرة بين كافة الفئات. هذه العروض التي بررها البعض باسم دراسة الأنثربولوجيا (علم الإنسان) وادعت أنها تسعى للمعرفة كانت تؤسس ما عرف بالعنصرية العلمية ((Scientific Racism أو الداروينية الاجتماعية التي تصب في اتجاه التفوق النوعي للشعوب الأوروبية.
عرض كان يسعى لإيجاد الرابط في عملية التطور بين القرد والإنسان الأبيض حسب نظرية النشوء والارتقاء ونظريات عنصرية وبذيئة قائمة على الأحقاد بدلاً من التجربة العلمية بهدف تبرير استعمار الشعوب وسلب ثرواتها فهم أدنى مرتبة من المستعمر! لعل المثال الآخر على هذه المغارة القذرة للمستعمر هو اصطياد أحد علماء التطور لرجل أفريقي قزم يدعى "أوتا بينغا" مما يعرف اليوم بالكونغو الديمقراطية بعد أن وقع في الرق، وأبحر به الصائد للعالم الجديد فإذا به يعرض عام 1904 في معرض الأنتروبولوجيا في معرض سينت لويس العالمي الشهير، وفي عام 1906 في حديقة حيوان برونْكس في نيويورك، عرضوه تحت مسمى "السلف القديم للإنسان" ببطاقة تعريفية بجوار أفراد من قردة الشمبانزي وبعض الغوريلاّت، وكما هو متوقع انتهى المطاف بأوتا للانتحار. لطالما ظننت أن لا جرم يفوق الاستعمار وأنه ذروة الضيم الذي يقترفه الإنسان بحق الإنسان، ولكن هذا تغير بعد أن قرأت عن قصة حياة سارة بارتمان وأوتا بينغا، ولعل قصة سارة أكثر تأثيراً لأنها معاناة استمرت لقرابة المئتي عام وانتهت بالأمس القريب. أصبحت سارة رمزاً لجنوب أفريقيا وأيقونة لزمن تشدق المهيمنون فيه بقيم هي منهم براء وصارت سارة رمزاً خالداً لسادية المستعمر ورصيده الأخلاقي. وبعد هذا نرى من يخاطب الغرب ويفرح للمساحة الإعلامية الرخيصة على منابره ليظهر ويشوه الإسلام ويتظاهر بالثورية ويدعي الانتصار على قطعة قماش يتبرأ منها وكأنها وصمة عار تشينه! أو يروج لحملات يجهل أهدافها الحقيقية!! تتكرر قصص الناشطات الساعيات ليكنّ أيقونة الصراع ضد الرموز الذكورية في بلادهن ولكن ينسين أنهن يخاطبن مَنْ امْتَهَنَ إنسانية سارة واغتصب روحها ولم يتركها في مأمن حتى بعد موتها. يقدمن التماسهن لمن لا يرى فيهن إلا سارة أخرى.. مجرد سارة! إن الإسلام العظيم أعطى للإنسان أغلى ما في الكون وهو كرامته وإنسانيته، فحري بنا أن ننشر هذا الدين العظيم وأن نرفع الهامات في شموخ واعتزاز ونحن نردد: الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾
أم يحيى بنت محمد ، عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المصدر: الإسلاميون
2014-03-05
أم يحيى بنت محمد
2014-03-05 5:25:04
الحلقة الثانية من سلسلة المرأة في مرايا الإعلام
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ» رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع. سبحان من جعل الحياء شعبة من شعب الإيمان وجمل به نساء المسلمين ورفع به درجات عباده الصالحين. ولكن هذا الحياء وإن كان كمالاً للمسلمة فالأصل أن لا يمنع طلب العلم وتقويم المفاهيم، ولا أن يشّل عن التصدي لمن يتَقوَّل على دين الله، ولنا في نساء بيت النبوة والصحابيات الجليلات أسوة حسنة كما قالت أمنا عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما "رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن". ولكننا للأسف بتنا نلاحظ أن هذا الحياء منع نساءنا اليوم من الرد على أصحاب الدعوات المشبوهة ممن يتخِذون بعض المواضيع الحساسة مطية للهجوم على الإسلام، فباتوا يرتعون ويتطاولون ويتحدثون باسم المرأة المسلمة. وقد أتاح لهم البعض ممن ماتت فيهم النخوة أن يخوضوا في كل شيء دون استثناء!!.
وتبياناً للحق ورداً على المتطاولين على بنات ونساء المسلمين نتعرض لهذا الموضوع بالرغم مما فيه من حرج بعد أن كثر الحديث عنه. نطرح بين يدي القارئ هذا الموضوع لنسلط الضوء على حقيقة الحملات المناهضة للخفاض (ختان الإناث)، وأستميحكم عذراً في شيء من الجرأة في الطرح حتى نقيم الحجة ونظهر الأمر على ما هو عليه.
يوافق السادس من شباط/فبراير من كل عام اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث أو ما سموه بـ "التشويه التناسلي" Female Genital Mutilation. وقد صبت وكالات الأنباء اهتمامها بأخبار الحملات والتصريحات والمؤتمرات التي تم تنظيمها في إطار "يوم التوعية!" هذا، وواكب الإعلام الفعاليات من مؤتمر مناهض لختان الإناث في جيبوتي، إلى حملة مكثفة في الصومال، وندوات في نيجيريا، وحملات لنشطاء ومدونين في السودان، واكبها بتقارير وورش عمل في الغرب. وقد ركزت الحملة في مجملها على الآثار السلبية لهذه الممارسة وضرورة التصدي لها ومتابعة إنجازات كل دولة في مشوار القضاء على الممارسة. ثم إن الجارديان البريطانية قامت بحملة على ختان الإناث وعن ضرورة التوعية لمخاطر الختان وأن "هذه العادة أفسدت حياة النساء وشوهتهن"، ونتج عن هذه التغطية المكثفة دعوات الهيئات الدولية، حيث انطلقت التعليقات والمشاركات على صفحات الإعلام البديل في هذا الموضوع.
وقد اختير يوم 6 شباط/فبراير من كل عام ليكون اليوم العالمي لمحاربة ختان الإناث برعاية اليونيسيف، وجاءت الفكرة من ستيلا أوباسانجو (1945-2005) السيدة الأولى في نيجيريا من 1999 وحتى وفاتها، وقد اقترحت السيدة ستيلا قبل وفاتها في "مؤتمر اللجنة الأفريقية الدولية المعنية بالممارسات التقليدية التي تؤثر في صحة المرأة والطفل"، اقترحت اعتماد يوم عالمي لرفع الوعي بخطورة الختان والسعي لوقف هذه العادة، مؤكدة على حرمة الجسد وأهمية عدم العبث به. وفي أيار/مايو 2005 اعتمدت اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان هذا اليوم المذكور باعتباره يوم الوعي الدولي، وأعلن رسميًا "عدم التسامح مع ختان الإناث في أفريقيا". وتناقلت وكالات الأنباء قصة اختيار هذا اليوم وأغفلت ذكر ملابسات وفاة صاحبة الاقتراح؛ فإن السيدة الأنيقة ستيلا أوباسانجو توفيت إثر مضاعفات ناتجة عن عملية شفط دهون أجرتها في عيادة راقية في إسبانيا متخصصة في تشكيل أجسام عارضات الأزياء! لكن الجميع ساروا في ركب الحملة والحديث عن تجريم أي أسرة تجري عملية ختان لبناتها، ولم يتساءل أحد ما الذي يدفع بامرأة في الستين من عمرها تعتلي هذه المكانة بالسفر لإجراء عملية شفط دهون في البطن لتعود إلى قوام ابنة العشرين، فإذا بها تعود في صندوق؟! (بي بي سي 24/10/2005). إن ستيلا أوباسانجو نفسها ضحية الصورة الموحدة للشكل وللثقافة التي تروج لجعل دمية باربي البيضاء بقوامها الخيالي الممشوق مبتغى نساء العالم، ولا تجد الواحدة منهن أي غضاضة في أن تستهلك كريمات التبييض على أمل الحصول على اللون المطلوب، أو أن تضع نفسها تحت مشرط الجراح لتشتري بمالها وخيالها الوهم في عيادات النخب وتتجرع الألم بحثاً عن الجمال الخالد، ولو على حساب العبث في جسدها؛ فاعلة ما ترفضه لغيرها كالختان الأنثوي، وتلك هي المفارقات؛ جعل التشويه حكراً على ختان الإناث بينما تنتشر نماذج الفتيات اللواتي يصعب التعرف عليهن من فرط تغيير الخلقة التي خلقن عليها ويرغبن في المزيد من التغيير!!
كما هاجمت السيدة ستيلا ختان الإناث كون الأدوات المستخدمة في الختان غير معقمة وقد تتعرض الطفلة بسببها لمرض الكزاز الذي قد يقضي على حياتها وكون المضاعفات والآلام الجسدية والنفسية تتضاعف بعد بلوغ الطفلة، فإذا بالسيدة الأولى تعاني من الأعراض ذاتها التي ذكرتها وتموت ضحية لمأساة اللهث وراء تصورات ومقاييس الآخر. عجيب أن يكون المروجون لقدسية الجسد هم أنفسهم من يستبيحه باسم الجمال بهوس لا يسلم منه أي جزء من جسد المرأة، حتى أصبح لكل عضو في الجسد مقاييس دقيقة وتصنيفات ارتبطت بالجمال والنجاح والسعادة! ذكرت الإكونومست في 23/4/2012 أن عمليات التجميل في الولايات المتحدة تجاوزت 3,3 مليون في عام واحد، وأن واحدة من كل خمس نساء في جنوب كوريا خضعن لعملية تجميل، كما ذكرت المجلة عن رواج عمليات مشابهة لما أطلقوا عليه "التشويه التناسلي" في البرازيل، فها هي العمليات منتشرة في البرازيل وغيرها، فلماذا لا يأتي ذكرها ولا تتعرض لأي هجوم؟! الجدير بالذكر أن عمليات التجميل بأنواعها لم تعد حكراً على نساء يحاربن التجاعيد ويتشبثن بالصِّبا، بل إن العمليات التجميلية أصبح لها رواج كبير بين المراهقات وتتم في عيادات النخب والأثرياء في الغرب دون أدنى حرج ولا نسمع عن حملات مناهضة لها كما ذكرت (دسرت نيوز 12/3/2012)، أليس الأوْلى أن يُتخذ هذا التاريخ كيوم عالمي لمناهضة عمليات التجميل ونموذج المرأة الجميلة ذات المقاييس المحددة الذي قتل ستيلا وغيرها؟!
لقد اتسمت هذه الحملات المناهضة للختان بالتهويل؛ حتى إن التشكيك في الأرقام جاء ممن يدعمون أهدافها إذ إنهم لا يرون هذا الانتشار الكبير في محيطهم، فقد أعلنت اليونيسيف أن مصر هي الأولى في عمليات الختان بأفريقيا والشرق الأوسط، وأن 35% من النساء و27% من الرجال بين 15-49 سنة في مصر يوافقون على وقف ختان الإناث، ووصلت هذه الأرقام حد السخرية حينما ادعى أصحابها أن 140 مليون أنثى متعايشة مع آثار هذه الممارسة وتتعرض لها كل 15 ثانية فتاة في منطقة مختلفة من العالم. (انفوجرافيك رويترز - صحافة البيانات الذي نشرته المؤسسة في إطار الحملة). فكيف وصلت هذه الإحصائية عن بلاد لا يصل قراها في 2014 ماء نظيف وكهرباء تعينهم على قضاء حوائجهم؟! هذه إحصاءات لا يراد منها إلا التهويل وصرف انتباه العالم عن الجرائم الحقيقية التي ترتكب بحق المرأة. ثم ألا تدل كثافة الحملة وارتفاع الإحصاءات (إن صحت) على ضعف تأثير المعالجات السابقة، وأن الشعوب التي تمارس ختان الإناث لم ترتدع بعد أن قامت الحكومات بتجريم الممارسة فبدأت تخاطب الرأي العام في حملات علنية استنكرها الناس كما استغربوا هذه الجرأة على طرح الموضوع وجعله موضوع رأي عام؟ وضعت ملصقات الحملة التي تحمل رموزاً مبهمة أحيانًا وشعارات بذيئة وواضحة أحياناً أخرى في كبريات المدن والقرى. ففي السودان أصبح شعار "كل بنت سودانية تولد سليمة دعوها تنمو سليمة"، وطرحت القضية على منابر حاملي العلم وندوات المثقفين وملأت صفحات الجرائد بينما تساءل الناس من باب من باب السخرية والاستهجان "بالله من تكون سليمة هذه؟".
لعل من عجائب هذه الحملة أنها نشرت صوراً منفرة تكشف عن الأدوات الطبية الملوثة والقابلات غير المؤهلات، مع أن تلك الأدوات نفسها تستخدم في الولادة في الكثير من البلاد الفقيرة، وقد أدت إلى الأمراض والموت. علماً بأن ما تعرفه المرأة الأفريقية عن تلوث أدوات التوليد لم يكن سراً، فلماذا أثارت الهيئات الرأي العام العالمي من أجل قضية (ختان الأنثى) وأغفلت المطالبة بالرعاية الصحية المتكاملة في بلاد يتعرض أطفالها للأمراض المستعصية والموت، في ظل غياب وتخلف الرعاية الصحية؟ ينددون باستخدام الأدوات الملوثة في حين تقدم الرعاية الصحية والأدوات والحقن المعقمة لمدمني المخدرات في الغرب بدلاً من تجريمهم وتركهم للموت، فلماذا تنصاع حكومات جيبوتي والصومال وغيرها لأوامر الهيئات الأممية دون أن ترعى شؤون النساء والفتيات كما ينبغي؟! أيُعقل أن تدير تنزانيا وغيرها ورش العمل في المدن والقرى لتجريم شعبها وتركز على تخلفهم، وتغفل عن تخلف الحكومة عن حماية الفتيات الصغيرات اللواتي يغتصبن في رحلة جلب الماء؟! هل تعجز دول حوض النيل عن أن تروي ظمأ أهلها أو أن تحفظ أعراض فتياتها؟!
حرصاً على حساسية الموضوع تكررت التصريحات بأن ختان الإناث ليس له أي علاقة بالأديان، وبالرغم من ذلك انتشرت صور لمسلمات محجبات، وركزت الحملة جّل اهتمامها على بلاد المسلمين. ولعل هذا التركيز على أن ختان الإناث ليس له علاقة بالأديان يظهر وكأنه دفاع عن الإسلام وأنه بريء مما يطلق عليه "الختان الفرعوني" إلا أن المسمى المعتمد "التشويه التناسلي" لا يفرق بين الختان الفرعوني والخفاض (ختان الإناث) ويجرم كل أنواع الختان. لم تكن هذه التصريحات سوى تفكيك ناعم لحضارة المسلمين وزرع لنقاشات مطولة بين من يتبرأ من ختان الإناث جملة وتفصيلاً ومن يرى أن لا غضاضة فيه بناء على آراء علماء المسلمين فيه. وفي مثل هذا السياق فحقوق الإنسان عند أصحاب الحملة تقدَّم على النصوص الدينية أيا كانت؛ فيوجه الانتباه إلى ضرورة اتخاذ موقف موحد من ممارسة تتجسد فيها فكرة العنف ضد المرأة وتجرمها الاتفاقيات الأممية الخاصة بالمرأة. خرج بعض العلماء في هذا السياق (وكعادتهم في التبعية) وهم يستنكرون ختان الإناث ويعتبرونه من الضرر انصياعاً لضغوطات الحملة، ولم يكن محل جدل أو ترويج بل اتخذ كقضية رأي عام لمآرب ظاهرة، بالرغم من أن الإسلام لم يحرم ختان الإناث والعلماء اختلفوا فيه بين الإباحة والندب.
الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبحث الأحكام الشرعية بمعزل عن السياق الشرعي والتأصيل أمر عبثي يجعل المسلم يدور في حلقة مفرغة تجتذبه الرياح بدلاً من أن يكون راسخاً في أرضية صلبة. هذا الطرح المفرغ من النصوص يجعل الحكم الشرعي في نظر المسلم ثوباً يُوَّسَع ويُضَيَّق فيخلع لباس التقوى ويتستر بشكل فاضح كاشف. إن من رحمة الله عز وجل علينا حفظ الدين بأن لم يعط الإنسان صلاحية تنظيم السلوك البشري، فحفظ الضعفاء من أهواء وتقلبات الإنسان الذي يخضع لموروثه الثقافي ونظراته المتحيزة، والإسلام جعل ضبط السلوك البشري خاصاً بالخالق البارئ المصور المنزَّه عن كل خطأ ونقص، المتصف بالكمال، فجاءت أحكامه جل وعلا بلسماً شافياً سواء رأى فيها المسلم نفعاً أم لم ير لأنه ناقص.
إن الإشكالية الكبرى في هذه الحملات هي أنها حسمت النقاش عبر تبني مسمى "التشويه التناسلي" فلم يُترك مجالٌ لمسلم أن يتبنى رأياً يجيز الختان بناء على نص شرعي صَحَّ لديه وأن يرفض التشويه في ذات الوقت، فحصرت الحملة النظرة: إما أن تختار العنف ضد المرأة أو تختار الشرع، وهذا منسجم مع اللغة العقيمة السائدة في النظام العالمي الحالي وإعلامه المسيس. إن الغرض من عنوان الحملة وأسلوب طرحها هو تحجيم الآراء ومنع الخلاف فتحولت الحملة لإرهاب فكري واحتكار للرأي دون حجة واضحة ممن يدَّعون الليبرالية والتعددية الفكرية. وورش العمل والمؤتمرات لم تبحث في القضية من الأساس بل بحثت في آليات التنفيذ وجداول العمل والأساليب، وهذا النهج لا يستغربه من بحث في تاريخ الاستعمار ونظرته للشعوب.
ولعل أقبح ما في هذه الحملات هو استغلال فتيات للحديث بشكل علني عن تجربتهن مع الختان لتعيد للذاكرة مشاهد غرام الإعلام الغربي مع أمثال أيان حرسي وغيرها ممن اتخذن هذا الموضوع كوسيلة للهجوم على الإسلام وبث أحقادهم على الإسلام وأهله. تكررت هذه النماذج الغريبة التي يراد بها حسم النقاش عن الإسلام بأن لا مكان لهذا الدين ولا لمثل هذه الممارسات التي ترفضها "الفطرة"، فأصبح هذا الفهم للفطرة يكشف عوار دعواتهم للتعددية الثقافية. وبالرغم من تجريم ختان الإناث في بلادهم وفي الاتفاقات الدولية الخاصة بالمرأة إلا أن النقاش لم ينته لأن الغرب وجد في هذه القضية ضالته ليدّعي تفوقه الحضاري وهمجية الآخر (حسب وجهة نظره)، فاتسمت لغة الحملات بطرح مشاعري ونشر لصور تظهر تخلف وبدائية الممارسة ومقاطع فيديو لصراخ الفتيات. وتناسى النشطاء أن أغلبية المسلمين تركوا الختان الفرعوني بعد الصحوة الإسلامية المباركة لما فيه من أذى وضرر وحرمة واتباع لعادات فرعونية تخالف شرع الله، وأنّ وَقْعَ الدليل الشرعي على المسلمين أقوى من ألف ألف حملة أممية.
لم تراع الحملة أي خصوصية ثقافية بل أصرت على افتراض نية الأذى، وأظهرت أسر الفتيات كذئاب بشرية ينقصها الفهم ورقي المشاعر التي يحملها الغرب لأطفالهم، بالرغم من الإحصاءات الموثقة عن معدلات مخيفة لحالات الاعتداء على الأطفال وحوادث تملأ الصحف اليومية عن ضرورة حماية الأطفال في الغرب من ظلم وإهمال الأهل.
لقد أخفت الحملة أهدافها وراء مسمى يحمل دلالات معينة ويحسم النقاش دون أن تبين وجهة النظر التي تحدد كون العملية تشويهًا أم لا، وتستر وراءها الجميع بمن فيهم من يرفض الختان ابتداءً ويرى أن أي مساس بالجسم يعد تشويهاً سواءً للذكر أو للأنثى، فلماذا لم يعلنوا صراحة أنهم يعتبرون ختان الذكور "تشويه تناسلي" بدلاً من تجزئة القضايا والتسلق على أكتاف المرأة وقضاياها؟.. هم يرفضونه لأنهم يرفضون الإسلام.. يرفضونه لأنه من عند الرحمن، ولو كان من عند أنفسهم لقالوا سمعنا وأطعنا.
إن تجربة المسلمين مع ما يسمى بقضية ختان الإناث تثبت صمود المسلمين أمام التشكيك في دينهم؛ فالغرض من هذا الطرح ليس هو حماية الإنسان الذي أُهدرت كرامته واستُخف بحياته ونُهبت ثرواته وسُلب حقوقَه.. بل إن الغرض من هذه الهجمات الإعلامية الخبيثة هو محاولة زحزحة المسلم عن يقينه بأن الإسلام هو الحق.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
*أم يحيى بنت محمد ، عضو بالمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الإسلامي
* المصادر: الإسلاميون / صحيفة المثقف