الثلاثاء، 01 شعبان 1447هـ| 2026/01/20م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
عدم التّماثل بين المساعدات والتّجارة في ميزان الجشع

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

عدم التّماثل بين المساعدات والتّجارة في ميزان الجشع

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

في 12 كانون الثاني/يناير 2026، ذكرت وكالة رويترز أنّ شركة الشّحن العالمية ميرسك تواصل إعادة تقديم تدريجية وحذرة للخدمات عبر طريق البحر الأحمر/السويس، حيث يقلّل وقف إطلاق النار في غزة من مخاطر الشحن الإقليمية.

 

التعليق:

 

لقد كشف وقف إطلاق النار في غزة عن التسلسل الهرمي الساخر للقيم في الغرب: فما يهمّ التجارة العالمية يُصلَح أولاً، بينما يبقى ما يحتاجه الفلسطينيون للبقاء على قيد الحياة مشروطاً. وتُظهر عودة شركة ميرسك إلى ممر البحر الأحمر/السويس مدى سرعة تحرك النظام عندما يكون الهدف هو استعادة حركة البضائع. يجب على خطوط الشحن انتظار تغير حسابات المخاطر قبل استئناف أعمالها، واستئناف الأعمال هو كل ما تعنيه غزة للغرب، وهذا كل ما كان مطلوباً من وقف إطلاق النار المزعوم في غزة. هكذا يبدو "الاستقرار" عندما يكون أصحاب المصلحة هم شركات التأمين وشركات النقل والدول التي تنتعش اقتصاداتها بفضل التجارة المستمرة. أما داخل غزّة، فقد تمّ تعريف "الاستقرار" بشكل مختلف ليس على أنه إزالة للقيود، بل على أنه تشديد للرقابة تحت سطح ظاهري أكثر هدوءا. انتشرت تقارير واسعة النّطاق تفيدُ بأنّ شروط وقف إطلاق النار تتطلب 600 شاحنة مساعدات يومياً، إلاّ أنّ تحليلاً أجرته وكالة أسوشيتدبرس للأرقام التي نشرتها قوات الاحتلال كشف عن دخول 459 شاحنة يومياً في المتوسّط ​​إلى غزة بين 12 تشرين الأول/أكتوبر و7 كانون الأول/ديسمبر 2025. والخلاصة أنّ اتفاقاً يُصوَّر على أنّه إعادة ضبط للأوضاع الإنسانية يعمل بالفعل بأقل بكثير مما تم تحديده علناً. ولا يُعدُّ هذا النقص مجرّد مسألة شكلية، في حين تعيش عائلات تحت أغطية بلاستيكية خلال أمطار الشتاء، وفي حين لا تزال مواد الإصلاح الأساسية والوقود والإمدادات الطبية تمر عبر متاهة إدارية.

 

إنّ ما يُسمى بوقف إطلاق النار ليس إلا انخفاضاً في عدد القتلى. فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشّؤون الإنسانية (أوتشا) في 14 كانون الثاني/يناير 2026 أن وزارة الصحة في غزّة سجلت مقتل 449 فلسطينياً وإصابة 1246 آخرين منذ بدء وقف إطلاق النار. ولا تزال الحماية المتاحة للسكان المدنيين ضئيلة للغاية؛ ومع ذلك، تحت مسمى الهدنة وعناوين الصحف التي تُعلن الهدوء، قد تعود التجارة الدولية عبر البحر الأحمر إلى طبيعتها. لكن الوضع ليس كذلك في غزة. فحتى في الأماكن التي تدخل فيها المساعدات، يكمن الصراع الحاسم داخل غزة: هل تصل الإمدادات بالفعل إلى الناس، وهل يُترجم التدفق الإنساني إلى مأوى ومياه نظيفة وكهرباء ومستشفيات عاملة بدل منصات نقالة مكدسة وقوافل متوقفة؟ وتُظهر التقارير التشغيلية لمكتب أوتشا كيف يتم تقنين الوصول. ففي منتصف كانون الثاني/يناير، أفادت الأمم المتحدة بتفريغ وجمع آلاف المنصات النقالة عند المعابر، ومع ذلك ظلّت الحركة داخل غزة معتمدة على التنسيق مع سلطة الإبادة الجماعية. وتكمنُ أهمية هذه النسبة تحديداً في أنها ليست حصاراً تاماً. إنه نظام حكم يسمح بتدفُق المساعدات بالقدر الكافي فقط حتى لا يعطل التجارة الدولية.

 

لهذا السبب، يُعدُّ تشبيه قطاع الشّحن توضيحاً سياسياً. حيث تُعامل الممرات التجارية كضرورة عالمية، لذا يُعاد فتحها حالماً تسمح الظروف بذلك. أمّا غزة، فتُعامل كاستثناء، فحتى في ظلّ وقف إطلاق النار، يُدارُ بقاء السكان عبر تصاريح، حيث يصبح الأمن المبرّر الشامل لتقييد الحركة، والحدّ من المواد، وفرض ضوابط على إعادة الإعمار. هذه الضّوابط متأصلة في مفهوم الاستخدام المزدوج وفي السلطة العملية لتحديد المواد الخطيرة جداً على المدنيين ليس فقط المدخلات العسكرية الواضحة، بل أيضاً المعدات والمواد اللازمة لإعادة بناء المنازل وشبكات المياه والكهرباء. والنتيجة هي أنّ إعادة الإعمار الموعودة منفصلة باستمرار عن الوسائل اللازمة لذلك.

 

إلى جانب الاحتياجات الفورية للبقاء، تأتي إعادة الإعمار طويلة الأمد التي بدونها تبقى حياة أهل غزة عذاباً. إن حجم ما يجب إعادة بنائه يجعل هذا الفصل كارثياً. فقد قدّرت تقييمات مرتبطة بالأمم المتحدة احتياجات غزة من التعافي وإعادة الإعمار بعشرات المليارات من الدولارات، مع أرقام علنية تُقارب 70 مليار دولار. لكن المال لا يعيد بناء أرض مدمرة بشكل مجرد؛ فإعادة البناء عملية معقدة تتضمن الإسمنت، وقضبان التّسليح، والمولدات، والأنابيب، والآلات الثقيلة، وقطع الغيار، والمهندسين المدربين، والوقت اللازم للعمل الميداني. وعندما تبقى هذه المدخلات خاضعة لقيود تقديرية، يصبح الاستثمار مجرّد مسرح للوعود تُنفذ على أرض محرومة من الموارد.

 

هناك أيضاً اقتصاد أخلاقي قائم: ليس فقط ما يُسمح بنقله، بل أيضاً من تُعامل كرامته على أنها أولوية قصوى. فقد أفادت رويترز في كانون الأول/ديسمبر أن جثة الأسير ران غفيلي لا تزال في غزة، باعتبارها آخر رهينة لم يتم العثور عليها. وتعتبر سياسات كيان يهود والدول المجرمة التي تدعمه إعادة هذه الجثة مطلباً أساسياً ملزماً. ولكن، وفي الوقت نفسه، لا تزال جثث الشهداء محتجزة كسياسة مُتبعة. فقد أفادت رويترز في تشرين الأول/أكتوبر 2025 أن كيان يهود لا يزال يحتجز جثث مئات الفلسطينيين. وقدّرت حملة لاستعادة الجثث الفلسطينية، نقلتها وسائل إعلام من بينها وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) وموقع ميدل إيست آي، عدد الجثث الفلسطينية المحتجزة في مقابر الأرقام والمشارح بـ735 جثة. في العام الماضي، أشاد ترامب بتعاطف اليهود الشديد واهتمامهم العميق باستعادة قتلاهم في الحرب، تماماً كما يهتمون باستعادة الأحياء. ألا يتألم المسلمون أيضاً؟ في الواقع، إنّ دفن موتانا بسرعة حقٌ لنا. بالطبع، يدرك كيان يهود ذلك، ولهذا السّبب يمارس منذ سنوات حجز جثامين الشهداء.

 

حتى في الموت، يواجه الفلسطينيون جهازاً يحجب الجثث على نطاق واسع، بينما لا يكترثُ الغرب المتشائم، بل يحشد جهوده بشدة لإعادة جثة يهودي واحد.

 

هذه هي مجموعة المقارنات الأوسع التي تفرضها قصة السّويس حتماً. يعرف العالم كيف يعيد التدفق عندما يكون الهدف هو التجارة. تُظهر غزة ما يحدث عندما يكون الهدف هو السيطرة: يُسمح بالإغاثة ولكنها تُقنّن، ويُوعد بإعادة الإعمار ولكنها تُعرقل، ويصبح وقف إطلاق النار نظام إدارة تبقى فيه حياة الفلسطينيين مشروطة.

 

إنّ هذا الخلل الساخر هو بمثابة جرس إنذار آخر للأمة الإسلامية التي عانت من التمزّق وتدمير الأرواح والممتلكات والكرامة دون رادع لمدة 105 سنوات منذ هدم الخلافة على يد بريطانيا الاستعمارية والخونة الذين يتآمرون جيلاً بعد جيل مع أعداء الإسلام ضدّ عودة العدل الحقيقي إلى الساحة السياسية من خلال إقامة الخلافة.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. عبد الله روبين

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع