الأحد، 30 ذو القعدة 1447هـ| 2026/05/17م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
جامعة سنجور بالإسكندرية مصنع لأتباع فرنسا

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

جامعة سنجور بالإسكندرية مصنع لأتباع فرنسا

 

 

الخبر:

 

أعلن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية عن الافتتاح الرسمي للمقر الدائم الجديد لجامعة سنجور الدولية بمدينة برج العرب في الإسكندرية، بمشاركة رفيعة المستوى ضمت الرئيس المصري ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في أيار/مايو 2026. وقد قامت مصر بتمويل إنشاء هذا الصرح الضخم بتكلفة تجاوزت 60 مليون يورو، ليمتد على مساحة 10 أفدنة، ويضم منشآت أكاديمية وسكنية ورياضية متكاملة. وتُعد الجامعة الذراع العلمية للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وتستهدف حصرياً تدريب الكوادر الأفريقية العليا ومنحهم درجات الماجستير في تخصصات الإدارة والسياسة والصحة والبيئة. (البيانات الرسمية للرئاسة ووزارة التعليم العالي وموقع الجامعة الرسمي).

 

التعليق:

 

لعل السائل في الشارع المصري يتساءل: ما هي جامعة سنجور؟ ولماذا تدفع مصر ملايين اليوروهات لبناء فرعها الجديد في برج العرب وهي لا تخدم الطالب المصري بالأساس؟ وللإجابة، يجب العلم أن هذه الجامعة، التي تأسست عام 1989، هي مؤسسة دولية ناطقة بالفرنسية، لا تخضع لنظام التعليم المصري بل لسياسات المنظمة الدولية للفرنكوفونية (باريس). وهي جامعة للنخبة مخصصة للدراسات العليا، حيث تستقطب الموظفين والمسؤولين من 43 دولة أفريقية لتدريبهم في الإسكندرية. وبالنسبة لفرنسا، فهذه الجامعة هي مصنع للأتباع، حيث يتم عجن وصياغة عقول هؤلاء المسؤولين وصناعتهم كأتباع لفرنسا ليعودوا إلى بلادهم حراساً لمصالحها وتوجهاتها الثقافية والاقتصادية، بعيداً عن أعين شعوبهم.

 

إن حضور إيمانويل ماكرون شخصياً لافتتاح هذا المقر الجديد في وقت تطرد فيه الشعوب الأفريقية جيوشه من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يمثل رهان فرنسا الأخير. فبينما يخرج الجندي الفرنسي من الباب، يريد ماكرون العودة من الشباك عبر الخبير الأكاديمي! ويستغل ماكرون في ذلك حالة التخبط والمأزق الوجودي التي تعيشها أمريكا حالياً؛ حيث انحشرت في صراعات استنزافية مع إيران وتوابعها، وانشغلت بترميم هيبتها المتآكلة، ما خلق فراغاً رقابياً في القارة الأفريقية. في هذه اللحظة من الارتباك الأمريكي، تسلل ماكرون عبر البوابة المصرية ليعيد بناء شبكة نفوذه على نار هادئة، مراهناً على أن هؤلاء الخريجين سيكونون هم البديل الجاهز لإدارة أفريقيا بمواصفات فرنسية حينما تهدأ العواصف الدولية.

 

أما الموقف المصري في هذه المعادلة، فيكشف عن حالة من الارتهان السياسي الصارخ؛ فأن تقوم دولة تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة بضخ أكثر من 60 مليون يورو لبناء مقر تعليمي لغير أبنائها، هو في حقيقته رشوة سياسية يقدمها النظام المصري لفرنسا مقابل شرعية دولية ودعم استراتيجي وقروض تضمن بقاءه، حتى لو كان الثمن تحويل الإسكندرية إلى منطقة نفوذ فرنسية آمنة بعيدة عن الصدام المباشر مع أمريكا.

 

وتكتمل فصول المأساة عند التنبه إلى هذه المفارقة؛ فبينما يستميت ماكرون لفرض لغته الفرنسية كأداة سيادة، نجد في دولنا استعماراً طوعياً يتمثل في بناء مدن كاملة بأسماء هجينة لا تمت للغتنا ولا لديننا بصِلة. هذا المسخ العمراني هو تمهيد نفسي لقبول التبعية؛ فمن لا يستطيع تسمية شارعه بلغته، لن يجرؤ على اتخاذ قرار سيادي بكرامته! إنها عملية تغريب مبرمج تجعل من خريج جامعة سنجور وغيرها من جامعات النخبة يشعر بأن الحبل السري الذي يربطه بالحضارة الغربية لا يمكن قطعه طالما أن حتى لافتات المدن في بلده تخاطبه بلغتها!

 

إن ما سماه ماكرون وعياً مفاجئاً في أفريقيا، هو في حقيقته وعي مصطنع تقف خلفه واشنطن لغرض الاستبدال لا التحرير. إن أمريكا تستخدم أدواتها لتحريك الشارع ضد القبعات الفرنسية، لكن ماكرون يراهن على طول النفس؛ فهو يعتقد أن الشعارات تذهب ويبقى التكنوقراط. لذا، هو يبني في جامعة سنجور جيشاً من الخبراء الذين سيحتاجهم أي نظام سياسي قادم في أفريقيا، ليعيد من خلالهم هندسة التبعية لباريس بعد هدوء العواصف التي تثيرها أمريكا.

 

إن مواجهة هذا الاستثمار الناعم في العقول لا تكون بمجرد الانجرار خلف شعارات قومية أو حركات احتجاجية قد تكون هي الأخرى صنيعة قوى استعمارية جديدة. إن الوعي الحقيقي هو الذي يستمد نوره من فكر مستنير يفضح هذه الممارسات الخفية، ويدرك أن الصراع هو صراع على السيادة والقرار.

 

إن الشعوب الأفريقية، وفي مقدمتها الشعوب المسلمة التي ترزح تحت وطأة حراس الاستعمار الجدد من الحكام العملاء، مدعوة لاسترداد فاعليتها. وإن التحرر الحقيقي لا يكتمل إلا بالانتقال من كينونة المفعول به في مختبرات الجامعات الغربية، إلى كينونة الفاعل المستقل بعقيدته وهويته.

 

إن المخرج من هذه التبعية المهينة يكمن في بناء وعي شعبي مبني على عقيدة الإسلام، يرى في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة مشروعاً جامعاً، يخرج الناس من ضيق التبعية للمشاريع الغربية، أمريكية كانت أم فرنسية، إلى سعة القوة الذاتية والعزة. إن الوعي الحقيقي هو الذي يدرك أن "المعارف" التي تمنحها فرنسا في سنجور هي السم في العسل، وأن العلم الحقيقي هو ما يحقق النهضة والسيادة دون التفريط في العقيدة أو الأرض.

 

إن العودة إلى الدولة الجامعة (الخلافة) تعني بالضرورة تطهير اللسان والمكان، أي أن تكون اللغة العربية هي لغة العلم والإدارة والعمارة، وأن تعود الأسماء لتعبر عن تاريخ الأمة وعقيدتها، لا عن رغبات الممولين أو عقد النقص لدى المخططين. ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع