السبت، 13 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
شمال أفريقيا.. بين الحدود المصطنعة والمؤامرات المتجددة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

شمال أفريقيا.. بين الحدود المصطنعة والمؤامرات المتجددة

 

 

الخبر:

 

أكد الكاتب الصحفي أحمد التايب، في مداخلة هاتفية لراديو إكسترا نيوز، أن العلاقات الثنائية بين مصر والجزائر شهدت تطوراً كبيراً، خاصة على الصعيد الاقتصادي والاستثماري، حيث تعد مصر شريكاً تجارياً رئيسياً وأحد أبرز ثلاثة مستثمرين في الجزائر، مشيراً إلى العلاقات التاريخية التي تجمع الشعبين. وفي سياق متصل، أوضح التايب أن العلاقات بين مصر وتونس تشهد أيضاً طفرة على كل الأصعدة سياسياً واقتصادياً، مشيراً إلى أن لقاء الرئيس السيسي مع وزير خارجية تونس، أكد على أهمية تنفيذ مخرجات الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المشتركة التي انعقدت في القاهرة خلال أيلول/سبتمبر 2025، والتي تضمنت عدة تفاهمات مهمة بشأن التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين.

 

التعليق:

 

إن القراءة الفاحصة للبروتوكولات والمخرجات الاقتصادية المنبثقة عن اللجان العليا المشتركة بين القاهرة وتونس والجزائر، تتجاوز مجرد الرصد التجاري العابر لتكشف عن عمق الترابط بين الاتفاقيات البينية والمخططات الدولية التي تُعيد هندسة النفوذ في شمال أفريقيا. فخلف السعي الرسمي الحثيث لتفعيل آليات الاعتراف المتبادل بالسلع وتعزيز التبادل التجاري، تختبئ شبكة معقدة من التفاعلات الجيوسياسية التي تديرها قوى دولية كبرى، حيث تتحول المنطقة إلى ساحة صراع صامت وتنافس محموم بين أقطاب الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا) من جهة، وأدوات الاستعمار الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة من جهة أخرى، رغم المداهنة الدبلوماسية بين هذه الأطراف.

 

ويتجلى هذا التنافس بوضوح عند تفكيك الخيوط الخفية للتحركات الأخيرة في القارة. ففرنسا كقوة استعمارية تقليدية، تلقت ضربات استراتيجية موجعة في معاقلها التاريخية في دول ساحل أفريقيا (مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو)، وهو ما دفعها إلى محاولة إنقاذ ما تبقى من نفوذها عبر تغيير أدواتها التقليدية الفجة والاعتماد على القوة الناعمة والاختراق الثقافي والاقتصادي كبديل. في هذا السياق، يأتي الالتفات الفرنسي المفاجئ نحو تونس والجزائر، وزيارة ماكرون للإسكندرية لافتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور التي تمثل الذراع الفكرية والثقافية الكبرى للفرنكفونية في أفريقيا كاستثمار استراتيجي يهدف إلى صياغة عقول نخب جديدة تضمن بقاء التبعية لها تحت غطاء التحديث والتطوير.

 

بالمقابل، لا تقف أمريكا بوصفها قائدة الاستعمار الجديد موقف المتفرج؛ بل تتحرك بذكاء وبأدوات معولمة عابرة للحدود لتطويق النفوذ الأوروبي وإحلال نفوذها مكانه، مستغلة في الوقت نفسه المخاوف المشتركة من التمدد الروسي والصيني في القارة. هذا التنافس الغربي-الغربي يظهر بوضوح في تنظيم قمة (أفريقيا إلى الأمام) في نيروبي؛ فبينما يداهن الطرفان بعضهما تحت لافتة "الاستثمارات الخضراء وإصلاح النظام المالي العالمي"، تسعى أمريكا عبر مؤسساتها المالية الدولية والقطاع الخاص إلى سحب البساط من تحت نفوذ فرنسا الأنجلوفوني والفرنكفوني على حد سواء، وإعادة ربط القارة بمنظومة ليبرالية رأسمالية تخضع لها بشكل مباشر.

 

وهنا تبرز بريطانيا، القطب الآخر للاستعمار القديم، والتي تحاول حجز مقعد لها في صياغة مستقبل المنطقة عبر ذراعها الدبلوماسية المتمثلة في رئيس وزرائها الأسبق توني بلير ومعهده للتغيير العالمي، الممول لوجستياً ومالياً من الإمارات. إن بلير يعمل كمهندس اقتصادي وسياسي لصالح أجندة تدمج بين تطلعات بريطانيا التاريخية للحفاظ على موطئ قدم، والرغبة الأمريكية في خصخصة السيادة داخل الدول النامية. هذه الاستراتيجية تسعى إلى تحويل الدول إلى مجرد مناطق لوجستية وموانئ مفتوحة مستباحة لرأس المال الأجنبي والصناديق السيادية الإقليمية، ما يسهل عملية إخضاعها سياسياً واقتصادياً.

 

إن التوجيهات الحالية بتسريع الاتفاقيات الاقتصادية بين مصر ودول المغرب العربي، والمطالبات المستمرة بتجاوز العقبات البيروقراطية والحمائية، تأتي في حقيقتها كاستجابة غير مباشرة لهذا الضغط الرأسمالي الدولي المشترك. فالولايات المتحدة تبارك هذا الانفتاح وتدفع بمصر كوكيل إقليمي مدعوم بالتدفقات المالية الخليجية، لدمج أسواق شمال أفريقيا وتفكيك حمائيتها، بهدف حسم الصراع لصالح المنظومة الغربية وقطع الطريق أمام مشروع الحزام والطريق الصيني والقواعد الروسية في ليبيا والساحل. وفي الوقت ذاته، تتقاطع هذه الرؤية مع حاجة واشنطن لتأمين استقرار سياسي واقتصادي تام في القاهرة لتمرير مشاريع إقليمية حساسة أخرى، وعلى رأسها الترتيبات الأمنية والسياسية المتعلقة بإدارة قطاع غزة عبر "مجلس السلام" الذي يشارك توني بلير في صياغة خططه.

 

أمام هذا المشهد الذي تتداخل فيه طموحات الاستعمار القديم المترنح مع أدوات الاستعمار الجديد المهيمن، يتضح أن النظم السياسية الحالية في بلاد المسلمين قد رهنَت قرارها السياسي والاقتصادي لإملاءات الخارج، وقبلت بأن تكون أدوات وظيفية لتثبيت النفوذ الرأسمالي الدولي على حساب مقدرات شعوبها ومستقبل أجيالها.

 

إن الحل الجذري والشامل لوقف هذا التكالب الدولي والتنافس الاستعماري على بلادنا، لا يمكن أن يتحقق عبر ترقيع القوانين أو تعديل بنود التبادل التجاري السطحية، بل يكمن في الانعتاق الكامل من المنظومة الدولية الرأسمالية وتشريعاتها الوضعية. إن العلاج الحقيقي يبدأ بقلع أدوات التبعية السياسية والاقتصادية، وإزالة الحدود المصطنعة التي خلّفها المستعمر لتمزيق الأمة، وصهر ثروات ومقدرات مصر وتونس والجزائر وليبيا وباقي الحواضر الإسلامية في كيان سياسي واحد؛ دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، الكفيلة بإلغاء النظام الربوي والتبعية النقدية، وإعادة الثروات الطبيعية لملكيتها العامة، وقطع يد التدخلات الأمريكية والفرنسية والبريطانية بشكل نهائي.

 

ختاما إن هذا الخطاب ليس موجها لمن استمرأ التبعية، بل موجه مباشرة وبأعلى درجات المسؤولية الشرعية إلى أهل القوة والمنعة المخلصين في مصر وتونس والجزائر.

 

إنكم أنتم من تملكون أدوات التغيير الحقيقي والقوة الميدانية لحسم هذا الصراع التاريخي والجيوسياسي. إن الواجب يحتم عليكم الانحياز الفوري لإرادة أمتكم وعقيدتها، وسحب بساط الحماية من تحت أقدام الحكام العملاء، وتسليم الحكم لمن يقود البلاد بكتاب الله وسنة رسوله لإقامة الحق وإعزاز الأمة. فتحركوا قبل فوات الأوان، واقطعوا خطوط التآمر الدولي، واجعلوا نصرة دينكم وإعلاء كلمته غايتكم السامية. ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع