- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
واجب الحاكم رعاية شؤون الرعية
(مترجم)
الخبر:
في شهر آب/أغسطس 2026 صدرت تصريحاتٌ عدة عن مسؤولين عموميين أثارت جدلاً واسعاً. فقد صرّح الرئيس برابوو سوبيانتو في 13 آب/أغسطس 2026 بأن كثيراً من أبناء الشعب الإندونيسي ما زالوا يعيشون في فقر، وقال: "إن أشدّ أبناء شعبنا فقراً ما زال قادراً على الابتسام". ثم وصف وجود فئةٍ من الناس لا يملكون إلا بدلةً واحدةً من الثياب، ويسكنون بيوتاً جدرانها من الخيزران المضفور، بل إن طعامهم غير مضمون". (الأمانة العامة لرئاسة الدولة). وقبل ذلك، قال وزير الزراعة أندي عمران سليمان: "استبدلوها برجل، ولتنتقل هي إلى وزارة الزراعة في قسمٍ فيه شيءٌ من الدلال". وقد استرعى هذا التصريح انتباه اللجنة الوطنية لشؤون المرأة لما رأت فيه من إمكانية فهمه تنميطاً للمرأة. (اللجنة الوطنية لشؤون المرأة) وفي غضون ذلك، قال عضو مجلس النواب بيني ك. هارمان رداً على سؤالٍ وجّهه إليه أحد الصحفيين: "هل لديك عقل؟" وقد استنكر تجمّعُ صحفيي البرلمان هذا القول، ثم اعتذر بيني بعد ذلك. (ديتيك نيوز)
التعليق:
تكشف هذه الوقائع عن خللٍ جسيمٍ في نظرة بعض المسؤولين إلى الشعب. فليست المشكلة مجرد سوء اختيارٍ للألفاظ؛ إذ إن الكلمة التي تخرج من فم المرء إنما تعبّر عادةً عن التصوّر الكامن في عقله. وحين يُتحدَّث عن معاناة الناس بألفاظٍ توحي بالاستخفاف، وتُربَط المرأة بعملٍ مُدلَّل، ويُسأل الصحفي وهو يؤدي واجبه: "هل لديك عقل أم لا؟"، فإن ما يظهر ليس مجرد إشكالٍ في التواصل مع الرأي العام، بل ثمة هوّةٌ تفصل بين الحاكم ورعيته. أما قول الرئيس إن الفقراء ما زالوا قادرين على الابتسام فقد يُقصد به وصف صبر الشعب وجَلَده. غير أن ابتسامة الناس لا تعني أن حياتهم على ما يرام؛ فقد يبتسمون صبراً، أو حفاظاً على كرامتهم، أو لأنهم لا يملكون خياراً آخر. والمطلوب ليس الإعجاب بقدرة الشعب على الصمود في الفقر، بل جدّية الحاكم في إزالة الأسباب التي تُبقيهم فيه.
ينبغي أن يكون الحاكم أرهفَ حسّاً من عامة الناس. ذلك أن كلام المسؤول ليس كلاماً شخصياً محضاً، بل يحمل رمزية السلطة. فحين يتكلم المسؤول يرى الناس فيه الرئيسَ أو الوزيرَ أو عضوَ مجلس النواب. ولهذا، كلما علا منصب المرء وجب أن يعظُم تحرّزه في القول. قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وقد كان رسول الله ﷺ نبياً ورئيسَ دولةٍ في آنٍ واحد، ومع ذلك نبّهه الله سبحانه إلى أهمية اللين في التعامل مع الناس. ودعا رسول الله ﷺ فقال: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ» رواه مسلم. ويدل هذا الحديث على أن المنصب ليس امتيازاً يستعلي به صاحبه على الرعية، وإنما هو أمانةٌ لرعاية شؤونهم. فمقياس نجاح الحاكم ليس مقدار ما يحتمله الشعب من المعاناة، بل مقدار ما يزيله الحاكم من تلك المعاناة.
إن صدور مثل هذه الأقوال يكشف عن مشكلةٍ أعمق، هي تبدّل العلاقة بين الحاكم والرعية. ففي النظام الديمقراطي يُمتدَح الشعب وقت الانتخابات، ويُقصَد في دياره، وتُطلَب أصواته. لكن بعد الظفر بالسلطة قد يتحول الشعب إلى مجرد موضوعٍ للسياسات. وحين ترتفع الأسعار يُطلَب من الناس تفهُّم الأوضاع العالمية، أما حين يحاسب الناسُ السلطةَ على سياساتها أو يطلب الصحفيون التوضيح، فإن الاستجابة تأتي أحياناً دفاعيةً بل مُهينة. وإذا استمر هذا النمط، فلم تعد المسألة مجرد زلّة لسان، بل صارت ثقافةَ سلطةٍ قائمة.
يبني الإسلام العلاقة بين الحاكم والرعية على تصوّرٍ مختلف. فالحاكم ليس سيداً للرعية، وإنما هو راعٍ يرعى شؤونهم ويحفظهم. وقد أخبر رسول الله ﷺ أن الإمام راعٍ وأنه مسؤولٌ عن رعيته. ومعنى ذلك أن الرعية ليست عبئاً على الدولة، بل إن وجود الحاكم أصلاً إنما هو لرعاية شؤون الرعية. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. فالمنصب إذن ليس حظوةً ولا خصوصية، بل هو أمانة. وكلما عظمت سلطة المرء عظمت مسؤوليته تجاه الرعية، وثقُلت محاسبته بين يدي الله سبحانه وتعالى.
وخلاصة القول إن تصريحات المسؤولين المختلفة في هذا الشهر ينبغي أن تكون مرآةً يُنظَر فيها. فما دامت السياسة تُبنى على الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، فإن المنصب يسهل أن يتحول إلى امتيازٍ خاص؛ فيشعر الحاكم أنه في الأعلى وأن الرعية في الأسفل. فحين يحتاج إلى الأصوات يتقرب إلى الناس، وحين تستقر السلطة في يده يطلَب منهم أن يتفهّموه! والإسلام يقلب هذه النظرة رأساً على عقب؛ فالسلطة ليست وسيلةً للاستعلاء على الرعية، بل هي وسيلةٌ لخدمتهم ورعاية شؤونهم وفق أحكام الله سبحانه وتعالى. وكلما علا مقام المرء ثقُلت مسؤوليته. وبناءً على ذلك، فإن المشكلة ليست قاصرةً على ألسنة المسؤولين التي تجرح مشاعر الشعب، بل المشكلة الأعمق هي التصوّر عن السلطة الذي يجعل الحاكم يزداد بُعداً عن رعيته. والإسلام يعيد السلطة إلى حقيقتها: فهي ليست تسلّطاً على الرعية، وإنما هي رعايةٌ لشؤونهم طاعة لله سبحانه وتعالى.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد رحمة كورنيا – إندونيسيا



