- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
صندوق الحج الماليزي: أزمة تتجاوزُ الاستثمارات السيئة
(مترجم)
الخبر:
لسنوات، ظلّت نتائج التّحقيق بعيدة عن أنظار العامة. والآن، صدر أخيراً تقرير اللجنة الملكية للتحقيق في صندوق الحج الماليزي، وجاءت نتائجه مقلقة. فقد حدّدت اللجنة، التي فحصت إدارة وعمليات الصندوق بين عامي 2014 و2020، نقاط ضعف خطيرة في الحوكمة وصنع القرار الاستثماري، بما في ذلك التدخل السياسي. وأُبلغ البرلمان لاحقاً أنّ سبعة من أصل 14 استثماراً متعثراً تكبدت خسائر فادحة، بينما تمّ استيعاب مليارات الرينغيت في نهاية المطاف من خلال إعادة الهيكلة وتخفيض قيمة الأصول. أُنجز التقرير وعُرض في عام 2022، ولكن لم تُرفع عنه السّرية ويُنشر علناً إلا في 29 تموز/يوليو 2026. وقد أعاد نشره الآن فتح التساؤلات حول كيفية إدارة مؤسسة أُنيطت بها مدخرات ملايين المسلمين. ولكن ربما هناك سؤال أكثر جوهرية: هل كانت هذه مجرد قصة استثمارات فاشلة، أم ينبغي علينا أيضاً طرح أسئلة أكثر جوهرية، مثل ما يعنيه "الاستثمار الإسلامي" في الواقع؟
التعليق:
تُثير هذه الاكتشافات غضباً بطبيعة الحال. من وافق على هذه الاستثمارات؟ هل تأثرت القرارات سياسياً؟ أين كانت الضمانات؟ من يتحمل المسؤولية؟ هذه أسئلة مشروعة، ويجب الإجابة عليها. لكن إذا اقتصر استنتاجنا على أنّ صندوق الحج قام باستثمارات سيئة، فإننا نخاطر بإغفال قضية أعمق بكثير؛ ما الذي يُعتبر استثماراً من منظور إسلامي؟
هذا السؤال مهم لأن التمويل الإسلامي الحديث يعمل في الغالب ضمن بيئة اقتصادية لم تُبنَ على أحكام إسلامية. ولذلك، ركّز جزء كبير من تطوره على جعل الأنشطة ضمن هذا النظام القائم "متوافقة مع الشريعة".
وهنا تبرز أهمية المسائل التعاقدية - ليس باعتبارها المشكلة بأكملها، بل كمؤشر عليها.
للإسلام قواعده الخاصّة بالعقود والملكية والتجارة والمخاطر والمسؤولية والحقّ في الرّبح. ومع ذلك، يبدأ التمويل الإسلامي الحديث أحياناً بنشاط مالي مألوف للنظام الرأسمالي، ثم يتساءل عن كيفية هيكلة عقود مثل المرابحة والإجارة والوكالة والشركة وغيرها حوله لجعل المعاملة "متوافقة مع الشريعة"! توجد بالفعل دراسات واسعة النطاق حول التمويل الإسلامي المعاصر، ويجب احترام الاختلافات الحقيقية في الآراء الفقهية. لا يتعلق الأمر بمجرد إعلان هذه الترتيبات غير إسلامية، بل يتعلق بتحديد التوجُّه. هل نبدأ بالإسلام ونجعل أحكامه تُحدد شكل الاستثمار؟ أم نبدأ بالمفهوم الرأسمالي الحديث للاستثمار ثم نحاول جعله "إسلامياً"؟ هذا التمييز جوهري.
إذا بقيت افتراضاتنا الأساسية حول رأس المال والاستثمار والملكية والعوائد والنشاط الاقتصادي دون تغيير يُذكر، فقد تعمل حتى العقود "المتوافقة مع الشريعة" والمتطوّرة للغاية في نهاية المطاف ضمن منطق اقتصادي لم ينشأ من الإسلام. ولهذا السبب تحديداً، ينبغي أن تقودنا قضية صندوق الحج إلى بحث أعمق.
صندوق الحج ليس مجرد شركة استثمارية أخرى، بل هو مؤسسة أُنشئت لخدمة المسلمين في أداء أحد أركان الإسلام. لذلك، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على ما إذا كانت استثماراته مربحة، أو مُدارة باحترافية، أو "متوافقة مع الشريعة" من الناحية الفنية. ينبغي لنا أيضاً أن نتساءل عما إذا كان فهمنا للاستثمار يعكس المفهوم الاقتصادي الإسلامي في جوهره.
يمكن لمؤسّسة الاستثمار الإسلامية أن تُطلعنا على الكثير مما حدث من خلل: إخفاقات في الحوكمة، وتأثيرات سياسية، وقرارات مشكوك فيها، وخسائر مالية. لكن تصحيح هذه الإخفاقات دون دراسة الإطار الاقتصادي الأساسي قد يُنتج ببساطة نسخة مُحسّنة الإدارة من النظام نفسه.
لعلّ الدّرس الحقيقي المستفاد من صندوق الحج أوسع من صندوق الحج نفسه. ربما حان الوقت لمواجهة سيناريو أكثر صعوبة - وهو تحرير أنفسنا من قيود النظام الاقتصادي الرأسمالي - ليس بالتساؤل الدائم عن كيفية جعله أكثر "إسلامية"، بل بالعودة إلى سؤال أكثر جوهرية: ما الذي يتطلبه الإسلام نفسه من الاقتصاد، وهل نحن مستعدون لبناء مؤسساتنا وفقاً له؟
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. محمد – ماليزيا



