الإثنين، 25 ربيع الأول 1448هـ| 2026/09/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
حرائق الجزائر.. من سؤال "من أشعل النار؟" إلى سؤال "من يتحمل مسؤولية الكارثة؟"

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حرائق الجزائر.. من سؤال "من أشعل النار؟" إلى سؤال "من يتحمل مسؤولية الكارثة؟"

 

 

الخبر:

 

أصبحت الجزائر على موعد سنوي مع حرائق الغابات صيفا، التي ازدادت حدتها هذا العام، وخلفت مشاهد مروعة وأعدادا غير مسبوقة من الجرحى والمصابين. (الجزيرة نت)

 

التعليق:

 

كل صيف تقريباً، تعود الحرائق إلى المشهد الجزائري، وكأن الغابات الشمالية، خصوصاً في جيجل وبجاية وتيزي وزو، تدخل في موعد سنوي مع النار. ترتفع درجات الحرارة، ويجف الغطاء النباتي، وتهب الرياح، ثم تبدأ ألسنة اللهب في الانتشار، لتتحول في ساعات قليلة من حادث بيئي إلى كارثة إنسانية واقتصادية وأمنية.

 

ومع تكرار المشهد، يظهر سؤال آخر أكثر حساسية: هل يكفي تفسير هذه الحرائق بالحرارة والجفاف والإهمال البشري؟ أم أن تكرارها في المناطق نفسها يستدعي البحث في مسؤولية الدولة عن الوقاية والاستعداد وإدارة الغابات؟

 

وفي المقابل، تنتشر منذ سنوات روايات تتهم السلطة بالوقوف وراء إشعال بعض الحرائق، خصوصاً في المناطق الجبلية ذات الحساسية السياسية والتاريخية، بهدف كشف الغطاء الغابي وتوسيع السيطرة الأمنية والإدارية على المجال الجبلي.

 

لكن التعامل الجاد مع هذه الفرضية يقتضي عدم تحويل الشك إلى حقيقة. فلا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تثبت أن الدولة الجزائرية تتعمد إشعال الحرائق لهذا الغرض. غير أن رفض نظرية المؤامرة لا يعني إعفاء الدولة من المسؤولية، لأن هناك سؤالاً آخر أكثر أهمية: ماذا تفعل الدولة عندما تعرف أن الكارثة تتكرر؟

 

من السهل سياسياً أن ينحصر النقاش في البحث عن اليد التي أشعلت النار. فإذا كان الحريق متعمداً، فالمطلوب القبض على الفاعل ومعاقبته. وإذا كان سببه إهمالاً بشرياً، فالمطلوب محاسبة المقصرين.

 

لكن مسؤولية الدولة أوسع من ذلك؛ فالدولة التي تعرف أن منطقة معينة معرضة للحرائق بصورة متكررة، لا يمكن أن تبدأ مسؤوليتها لحظة اشتعال الغابة، فمسؤوليتها تبدأ قبل ذلك بكثير: في تنظيف الغابات، وإزالة المواد القابلة للاشتعال، وإنشاء الممرات والخطوط العازلة، وصيانة الطرق الجبلية، وتأمين مصادر المياه، وتوفير وسائل الرصد والإنذار المبكر، وتجهيز فرق الإطفاء، وتنظيم البناء والنشاط البشري في المناطق الحساسة. وبعبارة أخرى، قد يكون الحريق قدراً طبيعياً أو فعلاً بشرياً، لكن تحوّل الحريق إلى كارثة واسعة النطاق هو، في جانب منه، قضية إدارة وحوكمة.

 

وينبغي أن نسأل أيضاً: لماذا أصبحت النار قادرة على التهام هذا القدر من الأرض والسكان والممتلكات؟

 

لا يمكن تجاهل العامل المناخي. فالحرارة المرتفعة، والجفاف، وانخفاض الرطوبة، والرياح، كلها تجعل الغابات أكثر قابلية للاشتعال، وتساعد على انتشار النار بسرعة. فالحرارة لا تشعل بالضرورة كل حريق، والجفاف لا يحدد وحده مكان اندلاع النيران. هناك العامل البشري، سواء أكان في صورة إهمال، أو حرق مخلفات، أو نشاط زراعي غير منضبط، أو شرارة عابرة. وهناك أيضاً احتمال الإشعال المتعمد في بعض الحالات، وهو احتمال لا يجوز استبعاده قبل انتهاء التحقيقات.

 

لكن حتى لو ثبت أن معظم الحرائق ناتجة عن أفعال بشرية فردية أو جماعية، فإن ذلك لا يلغي السؤال السياسي عن قدرة الدولة على منع تكرار الكارثة.

 

الغابة الكثيفة التي كانت تعيق الحركة تصبح أرضاً مكشوفة، والطرق والمسالك التي كانت صعبة تصبح أكثر قابلية للوصول. وتظهر الحاجة إلى إعادة الإعمار، وإعادة التشجير، وشق الطرق، وإقامة شبكات الخدمات، وربما إعادة تنظيم استخدام الأراضي. فقد لا تكون الدولة قد أشعلت الحريق، لكنها تستطيع، بعد وقوعه، أن تستخدم الظروف الجديدة لإعادة تنظيم المجال الإداري أو التنموي أو الأمني.

 

وتكتسب جيجل وبجاية وتيزي وزو أهمية خاصة بسبب طبيعتها الجغرافية. فالجبال والغابات والقرى المتناثرة تجعل الوصول والإدارة والمراقبة أكثر تعقيداً من المناطق السهلية. ولهذا فإن السيطرة على المجال الجبلي ليست قضية بيئية فقط، وإنما لها أبعاد أمنية وإدارية وتنموية. فالغابة الكثيفة قد تجعل بعض المناطق صعبة الوصول والمراقبة، بينما يؤدي احتراقها إلى كشف أجزاء من التضاريس وفتح المجال أمام طرق ومسالك جديدة. لكن تحويل هذه الحقيقة الجغرافية إلى اتهام سياسي يحتاج إلى دليل.

أما إذا ظهر، عبر سنوات من البيانات، نمط متكرر من الحرائق، ثم تغيير في تصنيف الأرض، ثم ظهور مشاريع أو استعمالات جديدة، فإن ذلك يستحق تحقيقاً صحفياً وقانونياً جاداً.

 

إذا كانت الدولة تعرف أن مناطق معينة تحترق بصورة متكررة، وتعرف طبيعة المناخ والتضاريس، ثم لم تطور وسائل الوقاية والاستجابة بما يتناسب مع حجم الخطر، فإن السؤال عن الإهمال يصبح مشروعاً. فالسياسة العامة لا تُقاس فقط بحجم الأموال التي تُنفق بعد الكارثة، وإنما أيضاً بحجم الأموال والإجراءات التي كان يمكن أن تمنعها أو تحد من آثارها قبل وقوعها.

 

الدولة التي تصل بعد اشتعال النار، وتُخلي السكان، وتكافح الحرائق، ثم تعيد الإعمار، تمارس إدارة للكارثة. أما الدولة التي تعرف أن النار ستأتي، فتراقب الغابات، وتنظفها، وتفتح مسالكها، وتراقب المناطق الخطرة، وتستثمر في الإنذار المبكر، وتضع خطط الإخلاء، وتحاسب من يثبت تعمده إشعالها، فهي تمارس إدارة للمخاطر.

 

والفارق بين النموذجين هو فارق في مفهوم رعاية شؤون الناس. فرعاية الشؤون ليست إطفاء الحريق فقط. الدولة مسؤولة عن حماية الإنسان وممتلكاته وموارده الطبيعية. ومن هذه الزاوية، فإن مسؤولية الدولة لا تبدأ عندما تصل سيارات الإطفاء، بل قبل ذلك بكثير. فإذا كان الحريق متوقعاً، فإن الوقاية واجبة، وإذا اندلع، فإن سرعة الاستجابة واجبة. ولهذا فإن تكرار الكارثة من دون معالجة جذورها يمكن أن يتحول من مجرد مشكلة بيئية إلى مشكلة في كفاية الحكم وإدارة الموارد العامة.

 

إن كل الطرق تؤدي إلى حقيقة رعاية الشؤون: كيف يتولون أمرنا، ثم يغفلون عن مثل هذه المخاطر؟

 

إن الرعاية في الإسلام لا تستقيم مع أعمال هؤلاء الحكام، ولا مع أنظمة لا تجعل حماية الناس وصيانة مصالحهم في مقدمة مسؤولياتها. قال رسول الله ﷺ، فيما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نيبل عبد الكريم

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع