- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
عندما يصبح الوقود أداة ضغط.. المصالح تكشف حدود السوق المفتوحة
الخبر:
أفادت ثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات بأن إدارة ترامب طلبت من ألمانيا وفرنسا خفض مخزونات الديزل الطارئة للمساعدة في تخفيف ارتفاع أسعار الوقود العالمية وإلا ستواجهان حظراً محتملاً على صادرات الديزل الأمريكية.
يمثل هذا التحذير تصعيداً للضغط على أوروبا، حيث يدرس ترامب فرض حظر محتمل للمساعدة في خفض أسعار الوقود في أمريكا قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. (رويترز)
التعليق:
قد تبدو المسألة في ظاهرها أزمة ديزل وارتفاع أسعار، إلا أن ما يجري يكشف شيئاً أعمق في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين الدول حين تضيق الموارد وتصبح المصالح مهددة.
فالصين، التي كان بإمكان مصافيها الاستمرار في تصدير المنتجات النفطية، أوقفت صادراتها خلال تشرين الأول/أكتوبر حفاظاً على مخزونها الداخلي، بينما تضغط أمريكا على حليفتيها ألمانيا وفرنسا للسحب من احتياطيات أُنشئت أساساً لحالات الطوارئ، بل تلوّح بإمكانية تقييد صادراتها من الديزل إذا لم تتعاونا معها.
وهنا تظهر الحقيقة بعيداً عن الشعارات؛ فحرية السوق والتجارة المفتوحة تبقيان مقيدتين بمصالح الدول الكبرى، فإذا تعارض تدفق السلع والطاقة مع أمن الدولة ومصلحتها تدخلت لحماية مخزونها وإنتاجها وتأمين احتياجاتها.
وهذا ما يجعل أزمة الديزل أبعد من مجرد ارتفاع في سعر الوقود؛ فالديزل يحرك النقل والزراعة والصناعة، وبالتالي فإن نقصه يرفع كلفة نقل السلع والإنتاج، ثم تنتقل آثاره إلى الأسعار وحياة الناس. لذلك لا تنظر الدول إلى مخزوناته وقت الأزمات باعتبارها براميل تنتظر البيع، بل باعتبارها جزءاً من أمنها وقدرتها على مواجهة الاضطراب.
واللافت هنا أن الخلاف لا يجري بين أعداء، وإنما بين دول تربطها تحالفات سياسية واقتصادية عميقة. فأمريكا تريد زيادة المعروض لخفض الأسعار، وأوروبا مطالبة بالتخلي عن جزء من مخزونها، بينما الصين تعطي الأولوية لحاجتها الداخلية. وكل طرف يتحرك من زاوية مصلحته.
وبذلك يكشف الاعتماد الاقتصادي المتبادل وجهاً آخر؛ فهو يسهّل حركة التجارة في الظروف الطبيعية، لكنه قد يتحول وقت الأزمات إلى نقطة ضعف ووسيلة ضغط. فمن يعتمد على الخارج في سلعة حيوية قد يكتشف أن امتلاك المال وحده لا يكفي للحصول عليها عندما يقرر المنتج الاحتفاظ بها، أو عندما تستخدمها دولة أخرى لتحقيق غاية سياسية أو اقتصادية.
ومن هنا بدأ يتغير السؤال لدى الدول في القطاعات الحساسة. فلم يعد السؤال فقط: من يوفر السلعة بأقل كلفة؟ بل أصبح أيضاً: من يضمن وصولها عندما تقع الأزمة؟
وهذا التحول يفسر اتجاه الدول إلى حماية مخزوناتها وتأمين مصادر الطاقة وإعادة بعض الصناعات الحيوية إلى الداخل، حتى لو كان ذلك أعلى كلفة. فالمصلحة الاستراتيجية باتت تزاحم حسابات الربح والكلفة التي حكمت مرحلة طويلة من الانفتاح الاقتصادي.
ولكن هذه الأزمات، على شدتها، لا تعني أن النظام الرأسمالي سيسقط تلقائياً. فقد أثبتت الدول الرأسمالية، وفي مقدمتها أمريكا، قدرتها على تطوير أدوات جديدة والتدخل عندما تتعرض مصالحها للخطر وإعادة ترتيب سياساتها بما يحافظ على نفوذها. ولذلك فإن اضطراب النظام القائم شيء، ووجود البديل القادر على إزاحته شيء آخر.
وهنا تكمن المسألة الأهم؛ فالعالم لا يعيش فقط أزمة طاقة، بل مرحلة تتنافس فيها القوى الكبرى على الموارد والصناعة والتكنولوجيا والمال، وكل دولة تبحث عن الأدوات التي تحفظ بها موقعها ونفوذها.
فأين الأمة الإسلامية من هذا كله، وهي تملك من النفط والغاز والثروات والمواقع الاستراتيجية ما يجعلها قادرة، لو اجتمعت إرادتها السياسية، على أن تكون هي القوة المؤثرة لا ساحةً تتدافع فوقها مصالح الآخرين؟
إن ثروات الأمة ليست قليلة، وإنما قوتها مبعثرة وقرارها مجزأ. وما نراه من الدول وهي تحمي مخزوناتها وتؤمّن مواردها وتستخدم ما تملكه لتحقيق مصالحها يجب ألا يجعل المسلمين ينتظرون انهيار النظام الرأسمالي من تلقاء نفسه، بل يدفعهم إلى إدراك أن المبدأ لا يزاحمه إلا مبدأ إذا وجدت أمة تحمله ودولة تطبقه.
فلا يكفي أن نشهد أزمات الرأسمالية ونحصي تناقضاتها، بل الواجب أن تتحول هذه الأحداث إلى وعي وعمل، وأن تستعيد الأمة ثقتها بمبدئها وتسعى لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فتجمع ثرواتها وطاقاتها وقرارها السياسي، وتحمل الإسلام إلى العالم نظاماً يحرر الإنسان من سلطان الربا والجشع وصراع المصالح.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
دارين الشنطي



