الخميس، 19 رجب 1447هـ| 2026/01/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السكون الأخلاقي في زمن الجريمة الصامتة

مآسي الأسرى شاهد لا يكذب

 

في زمن كثرت فيه الكلمات، وسكتت الأخلاق، وازداد فيه الضجيج الإعلامي، فغابت الإنسانية... نعيش عصر الجريمة الصامتة، ليس لأن الجرائم أقل، بل لأن الشعور بها مات، والقلوب ألفت مشاهد القهر، حتى أصبح المعتقل المظلوم رقماً في نشرة، أو مجرد اسم يتكرر دون رجفة في الصدر أو وجع في العين.

 

أسرى في سجون الاحتلال والأنظمة، رجال ونساء يعذبون، يحرمون من نور الشمس، من الأهل، من الحياة... ويظل الساكت عنهم في أمنه يأكل ويشرب، وربما يبتسم تحت صورهم، مغيّب في دهاليز الشهوات لدنيا زائلة!

 

فالأسير عبد الله البرغوثي، صاحب أعلى حكم في تاريخ البشرية، 67 مؤبدا (5420 سنة!)، لم ينكسر، بل بقي في زنزانته الانفرادية يؤلف الكتب، يعلّم الأسرى، ويرفع هممهم برسائله رغم 17 سنة في العزل. كتب مرة: "هنا، في هذا القبر الصغير، كل شيء ضدي إلا يقيني بالله".

 

والأسير الطبيب محمد القيق، الذي خاض إضرابا أسطوريا عن الطعام حتى حافة الموت، قال: "كنت أقاتل عن كرامتي وحريتي بجسدي، لأن لا سلاح لي إلا الإرادة".

 

والله لا أدري أيهما السجين حقا! الساكت أم الأسير؟!

 

إننا لا نعيش فقط أزمة ظلم، بل أزمة مشاعر! لا أحد يطالب، لا أحد يغضب، لا أحد يصرخ... وكأن الأسرى بلا أهل، بلا أمة!

 

وفي سوريا الجريحة حيث لا صوت يعلو فوق صوت البطش، يقبع شباب حزب التحرير في سجون حكومة جديدة جاءت على أنقاض من طالبوا بتحكيم شرع الله، فإذ بها تفرج عمن تلطخت أيديهم بالدماء، وتسجن من قالوا: ربنا الله، وطالبوا بتحكيم شرع الله، فاتُّهموا بـ"تهديد الأمن القومي"! سجنوا لأنهم لم يحملوا السلاح، بل حملوا فكرا، وأرادوا للأمة نهضة على أساس الإسلام، زمن أصبح فيه الفكر أخطر من سفك الدماء!

 

وفي غزة ذلك الجرح النازف، والبطولة المستمرة حيث لا وقت للبكاء، ولا فسحة للراحة، عاش أهلها حربا لم تكن فقط نيرانا وقنابل، بل حرب استنزاف متواصلة، حرباً على الصبر، على الكرامة، على أنفاس الحياة.

 

وبعد الحرب، بدأت حرب أخرى: حرب البقاء؛ لا ماء، لا كهرباء، لا دواء، لا مأوى...

 

شهداء بلا أسماء، أجساد بلا أكفان، عائلات بأكملها محيت من السجلات وبقيت فقط في الصور!

 

الناس تنشر صورهم للترند، أو تجمع باسمهم تبرعات لا تصلهم!

 

بينما الجريح هناك لا يجد من يضمد نزفه، ولا الأم الثكلى من يمسح دمعها.

 

الشهداء صاروا أرقاما، والحياة في غزة أصبحت مقاومة يومية، حتى الطفل هناك يولد وفي قلبه نداء: "يا رب خفف عنا البلاء".

 

ووسط هذا سكون أخلاقي عالمي وعربي، مطبق بالصمت، قاتل بالخذلان.

 

فهل صرنا نتعامل مع مآسي إخواننا كقصص على الشاشات؟ هل فقدنا الشعور؟!

 

السكوت على الظلم جريمة، والتغافل عن أنات الجوعى خيانة إنسانية، وغض البصر عن خيانة التبرعات والسرقات التي ترتكب باسمهم عار على كل من سكت.

 

غزة لا تحتاج تعاطفا موسميا، بل وفاء يوميا، ودعما صادقا، ونصرة تليق بحجم وجعها.

 

كن مع المظلوم لا لأجل الصورة، بل لأجل الله.

 

بكل صدق ووجع نروى قصة السودان؛ فهو اليوم ليس مجرد بلد منكوب، بل مرآة لحقيقة أن الدم العربي إذا لم يسل بيد العدو، سفك بسلاح الأخ، وتحت صمت الجميع!

 

ما حدث ويحدث في السودان هو جريمة موثقة، لكن بلا مجرم يحاسَب؛ حرب عبثية مزقت شعبا مسلما؛ قسمت العائلات، وهجرت الملايين، وشوارع تحولت إلى مقابر، وبيوت إلى ركام، وأحلام إلى فتات.

 

السودان اليوم يذبحه الصراع على الكرسي، وأدوات الذبح ليست فقط الرصاص والدبابات، بل أيضا التآمر الدولي، والتجاهل العربي، وخيانة بعض قادته الذين باعوا البلاد مقابل دعم سياسي أو فتات دولارات.

 

أصبح الإنسان في السودان رهينة الخوف والجوع والتشريد، فمن لا يموت برصاصة، يموت بالمرض أو القهر أو في طابور الخبز!

 

والأشد مرارة أننا لا نرى السودان في الشاشات إلا حين يُستثمر في نشرات الأخبار، أو يستغل لجمع التعاطف. أما أهل السودان الحقيقيون فهم منسيون إلا من رب لا ينسى.

 

ما وصلنا إليه من تلبد شعوري، وعدم مبالاة جماعية، وتبلد في الإحساس تجاه المآسي، هو نتيجة تراكمات متشابكة أهمها غياب الدين الحقيقي (العمل لا الشعارات)؛ فغياب التربية على الإيمان بالله، واليوم الآخر والحساب، جعل كثيرا من القلوب خاوية، تتلقى المصائب كأخبار لا تخصهم! فضعف الوازع الديني جعل الناس يتفاعلون مع الدماء وكأنها مشاهد لا تعنيهم!

 

نعم إنه حب الدنيا وكراهية الموت كما أخبر النبي ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». هذا الوهن يجعل الإنسان يعيش لنفسه فقط، يخشى فقْد المكاسب، ويهرب من كل ما يذكّره بالمصير أو التضحية.

 

أما أخطرها فهو الغزو الفكري والإعلامي الممنهج: طوال 100 عام وأكثر، بنيت عقولنا عبر أفلام الرعب، والدمار... فالدم صار مشهدا "درامياً"، لا إنسانيا! بل إن البعض يرى مشاهد المجازر الحقيقية، ويتابعها ببرود، وكأنها مشهد في مسلسل!

 

وأكثرها تأثيرا هي التربية الحديثة المفرغة من المعنى: جيل تربى على "افعل ما يسعدك" بدل "افعل ما يرضي الله". و"أنت مركز الكون" بدل "أنت عبد لله"، فصارت الأنا معبوداً، والوجع الجماعي لا يعنيه إلا إن مسّه شخصيا.

 

فكانت النتيجة المؤلمة تغييب الأمة عن قضاياها.

 

فما أصاب الأمة من تبلد، وضياع، وانهيار أخلاقي ونفسي، لا يعالج بحملات توعية موسمية، ولا بخطابات عاطفية تنتهي مع انطفاء الحدث، بل يبدأ الحل من العودة إلى الأصل: قيادة راشدة تقود الناس بحكم الإسلام لا بهوى الحكام... قيادة على نهج النبوة، لا تفرط ولا تساوم، تعيد بوصلة الأمة نحو الآخرة، وتربط حياتها كلها بالإسلام: في الإعلام، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة...

 

نحن لا نحتاج من يرقق قلوبنا فحسب، بل من يربطها بالله، ويقودها بإيمان حي، نحتاج إماما يتقي الله فينا، لا يرى في دمائنا أرقاما، ولا في قضايانا أوراق مساومة. نحتاج خلافة راشدة تسحق المشروع الغربي الذي لعب بعقولنا، وزرع فينا حب الحياة والفردية وعدم المبالاة، وتعيد بناء أمة تعرف أن الله خلقها لتقود لا لتقاد، ولتعيش بعقيدة تحيي القلوب، لا تقتلها بالخوف والضعف.

 

فاللهم عجل لنا بفرجك، وبإمام حق، يعيد للأمة دينها، وكرامتها، وحياتها.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع