الأحد، 06 شعبان 1447هـ| 2026/01/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التحولات الديمغرافية في المغرب شؤم آخر للرأسمالية العفنة

 

نشرت المندوبية السامية للتخطيط في كانون الأول/ديسمبر 2025 دراسة بعنوان "الأشخاص المسنون في المغرب، دراسة مستخلصة من نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024"، أوردت فيها إحصائيات قيمة عن تطور الهرم السكاني في المغرب والتحولات الديمغرافية العميقة التي يشهدها المغرب واتجاهه نحو شيخوخة سكانية متسارعة ما سيغيّر بعمق توازن المجتمع والاقتصاد في أفق 2050.

 

بحسب الورقة فقد بلغت نسبة من هم في سن 60 سنة فما فوق 13,8٪ سنة 2024 (تجاوز العدد 5 ملايين نسمة)، وقد ترتفع هذه النسبة إلى 22,9٪ سنة 2050، متجاوزة لأول مرة نسبة الأطفال دون 15 سنة المقدّرة بـ19%، وتضيف أن عدد كبار السن قد يصل إلى حوالي 6 ملايين عام 2030 ثم يقارب 9,7 ملايين عام 2050، أي ما يقارب ضِعف العدد الحالي. وعليه سيرتفع مؤشر الشيخوخة (عدد المسنين لكل 100 طفل) من 52 عام 2024 إلى 120 عام 2050 خلال 25 سنة فقط.

 

يعود هذا التحول إلى الانخفاض المستمر في معدلات الخصوبة، التي تراجعت من 7.2 طفل لكل امرأة عام 1962 إلى 1.97 طفل عام 2024، وهو مستوى أقل من عتبة إحلال الأجيال (2.1)، ما يعني أن ساكنة المغرب تتناقص مع الزمن ولا تزداد، بالمقابل، ارتفع أمل الحياة عند الولادة بشكل ملحوظ ليصل إلى 77.2 سنة 2024 مقارنة بـ47 سنة 1962، ما أدى إلى تغيير التركيبة العمرية وزيادة نسب الشيخوخة.

 

تخلص الدراسة إلى أن هذه التحولات ستثقل كاهل المالية العامة، خصوصاً أنظمة التقاعد والصحة والسياسات الاجتماعية، كما ستفرض تكييف البنيات التحتية في المدن والقرى مع حاجات كبار السن، وتشدد على ضرورة مقاربة استباقية تشمل الاعتراف بحقوق واستقلالية المسنين، وإصلاح أنظمة التقاعد، وتوسيع الحماية المجتمعية، وتقوية البنية الصحية، ودعم الأسر، بما يحول هذا التحدي إلى فرصة لبناء مجتمع أكثر تضامناً وعدالة بين الأجيال.

 

الغريب في الدراسة أنها مع عزوها لظاهرة تزايد الشيخوخة السكانية إلى انخفاض معدلات الخصوبة إلا أنها لم تقترح ضمن ما اقترحته من حلول، تشجيع الناس على المزيد من إنجاب الأطفال، مع أنه الحل البديهي الذي يقفز إلى الذهن، وإنما اكتفت بالدعوة إلى التكيف مع الشيخوخة القادمة!

 

لقد كان هذا المآل واضحاً منذ عقود، فانخفاض معدلات الخصوبة مستمرٌّ منذ مدة، وهو نتيجة مباشرة لمجموعة من الأمور يعلمها بسطاء الناس فضلاً عن المهتمين وهي:


1. ارتفاع سن الزواج بسبب ازدياد تكاليف المعيشة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن متوسط سن الزواج الأول للنساء ارتفع من 17.5 سنة في عام 1960 إلى 24.6 سنة في عام 2024، وللرجال من 24 سنة إلى 32.4 سنة.


2. انخفاض نسبة المواليد في العائلة الواحدة نتيجة تنامي استخدام وسائل منع الحمل (ارتفع معدل انتشارها إلى 71% عام 2018) وارتفاع تكاليف المعيشة وبالذات تعليم الأطفال، حيث أصبح الطفل مكلِفاً للأغنياء فضلاً عن الفقراء.


3. ارتفاع نسب الطلاق نتيجة تسمم العلاقة بين الرجال والنساء.


4. تغلغل المفاهيم الغربية عن الحياة، وما يسمى الحريات والفردانية، وخصوصا الحريات الجنسية.

 

لقد بقي مشكل انخفاض الولادات حكراً على المجتمعات الغربية لعقود، وكانت بلادنا الإسلامية في مأمنٍ منه، لكن سياسات الحكام الظالمة التي أفقرت الناس وبثت فيهم أفكار الغرب الفاسدة وجعلت الأبناء حملاً مادياً لا يطاق، حولتنا إلى نسخة مشوهة من هذه المجتمعات الغربية، لا هي تتنعم بالدنيا ولا هي تتنعم بأبنائها وتجعلهم ذخراً لها في كبرها.

 

لقد أوصانا رسول الله ﷺ بالتكاثر وكثرة الإنجاب، فقال: «تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا، فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أبو داود وابن حبان، وأوضح ربنا أنه هو الرازق ونهانا عن قتل الأولاد خشية الفقر، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وكانت العرب تقول "إنما العزة للكاثر" أي المكثر من الأبناء، وظل المسلمون لقرون ينجبون ويتكاثرون، يعولون أبناءهم ويحسنون إليهم، ثم يحسن الأبناء إلى آبائهم ويبرُّونهم حين يبلغون الكبر، لا يضيق الكبير بالصغير ولا الصغر بالكبير، يؤجر الكبير بإعالة الصغير، ويؤجر الصغير بالبِرِّ بالكبير، لكن الغرب الذي تجرد من الفطرة واتبع الشهوات، وجد أن الأبناء يحولون بينه وبين الانطلاق في إشباع المتع الجسدية، كما أن الإنجاب لا يعود عليه بأي منفعة لأن الأبناء متى ما كبروا تنكروا لآبائهم، فمفهوم البر بالوالدين غائب عندهم، فلم الإنجاب إذن؟ وقد استمات السياسيون في الغرب لحض الأزواج على الإنجاب وجعلوا لهم الأعطيات والمنح على ذلك، لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وبدل أن يعترفوا بخطأ نظرتهم للحياة، ويراجعوا سيرهم، عملوا على تصدير مشكلتهم إلينا وانشغلوا بمحاربة النسل في بلادنا، ولسان حالهم يقول: إذا عجزنا نحن عن الإنجاب فيجب أن نمنع الباقين منه حتى لا يسبقونا، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، وساير حكامُنا الغربَ كعادتهم في ذلك، فبثوا أفكاره العفنة عن علاقة الرجل بالمرأة، ويسّروا الاختلاط والتبرج، وشجعوا الزنا وزينوه فسموه حرية وانطلاقاً وعلاقات رضائية، وبموازاة ذلك جعلوا الضنك في معايش الناس ليُثنوهم عن الإنجاب، وسَنُّوا من القوانين ما يصرف الناس عن الزواج كرفع السن الأدنى للنساء ومنع التعدد، وبثوا الأفكار السامة بين الرجال والنساء وأدخلوهم في حروب طاحنة جعلت الرجل ينظر إلى المرأة كأنها ثعلب ماكر يتحين الفرصة لاستغلاله ونهب ماله، وجعلت المرأة تنظر إلى الزوج كذئب مستهتر سيفترسها ثم يلقي بها مع أبنائها على قارعة الطريق، فكثرت المشاكل الزوجية وبلغت معدلات الطلاق نسباً غير مسبوقة وصلت إلى 57% سنة 2024.

 

من نافلة القول إنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فسيضطر المغرب قريباً إلى استيراد يد عاملة لسد النقص، وسيتحول من مصدر لليد العاملة إلى الخارج إلى مستورد لها، مع كل ما سيترتب على ذلك من آثار على بنية المجتمع خصوصاً إن كانت هذه اليد العاملة المستوردة من غير المسلمين.

 

إن الرأسمالية وفكرها وأنظمتها شؤمٌ كلها، شؤمٌ على الناس أينما كانوا، وشؤمٌ عليهم في كل أمورهم، وكلما طال زمنها انتشر سُمُّها وعفنُها كالسرطان ليتغلغل في كل مناحي الحياة فلا يسلم منها قطاع ولا بشر. لذا فقد آن الأوان للبشرية وليس للمسلمين فقط أن تلفظها وتلتفت إلى شريعة ربها، ففيها العلاج والبلسم الشافي الموافق للفطرة دون عناء.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد عبد الله

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع