- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
عملاق الإسلام ورمز العدل، فهل من مقتدٍ؟
ستظل مواقف الفاروق منارةً لكل مسلم في إعزاز الدين، وإقامة العدل، والزهد في الدنيا، واليقظة لشؤون الأمة.
اسمه ولقبه وصفاته:
هو أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي (40 ق.هـ - 23هـ / 584م - 644م). لقب بالفاروق؛ لأن الله فرق بإسلامه بين الحق والباطل، ولقبه النبي ﷺ بأبي حفص، وكان أول من سُمي بـأمير المؤمنين.
اشتهر عمر في الجاهلية برباطة الجأش، والشدة، والذكاء، وكان من القلائل الذين تعلموا القراءة والكتابة، كما كان سفيراً لقريش في الجاهلية؛ فإذا وقعت حرب بين قريش وغيرهم، أو فاخرهم أحد، بعثوه منافحاً ومفاخراً.
كان عمر رجلاً مهيباً، طويل القامة، قوي البنية، أبيض البشرة تخالطها حمرة. وصفه المؤرخون بأنه كان ذا عدل مطلق، وحزم لا يلين، وتواضع جمّ، وزهد في الدنيا رغم أن كنوز كسرى وقيصر صُبت تحت قدميه. قال عنه ابن مسعود رضي الله عنه: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر".
إسلامه وسابقته:
كان إسلام عمر رضي الله عنه تحولاً تاريخياً في مسيرة الدعوة. دعا النبي ﷺ قائلاً: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، فكان عمر هو المستجاب فيه الدعوة.
أسلم عمر في السنة السادسة من البعثة بعد قصة مشهورة حين قرأ آيات من سورة طه في بيت أخته فاطمة، فدخل الإيمان قلبه وسأل عن مكان النبي ﷺ. وعندما أسلم، لم يرضَ بالخفاء، بل قال للنبي ﷺ: "ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟" قال: «بَلَى»، فقال عمر: "ففيمَ الاختفاء؟". فخرج المسلمون في صفين؛ أحدهما يقوده عمر والآخر حمزة، ودخلوا المسجد الحرام جهاراً، فلم تستطع قريش أن تنال منهم.
الهجرة وجرأته في الحق:
بينما هاجر المسلمون سراً خوفاً من قريش، هاجر عمر علانية. تقلد سيفه ومضى إلى الكعبة، وطاف بها، ثم وقف أمام صناديد قريش وقال قولته الشهيرة: "من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي"، فلم يجرؤ أحد على اعتراضه.
عمر رجل المواقف الملهمة:
كان عمر رضي الله عنه مُحَدَّثاً مُلهماً، فقد وافقه القرآن الكريم في مواقف عدة قبل نزول الوحي بها، مثل رأيه في أسرى بدر، واتخاذ مقام إبراهيم مصلى، والحجاب.
كان رفيق النبي ﷺ ووزيره الثاني بعد أبي بكر، شهد المشاهد كلها، وبذل ماله ونفسه. وفي يوم تبوك، جاء بنصف ماله ليتصدق به، وظن أنه سيسبق أبا بكر، ولكن أبا بكر جاء بماله كله، فقال عمر: "والله لا أسابقك إلى شيء أبداً".
الفاروق خليفة للمسلمين:
تولى عمر الخلافة بعد وفاة الصديق عام 13هـ، واستمرت خلافته نحو عشر سنوات ونصف، كانت من أزهى عصور الإسلام.
خطبته عند التولي:
رسم فيها معالم حكمه فقال: "أيها الناس، إنما أنا رجل منكم، ولولا أني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما توليت أمركم.. اللهم إني غليظ فلينّي، وإني ضعيف فقوِّني، وإني بخيل فسهِّني".
إدارة الدولة والفتوحات:
أدار عمر الدولة بعقلية مؤسسية فذة، فهو أول من وضع نظام الدواوين كديوان الجند والخراج، وأول من اتخذ التاريخ الهجري، وأول من طاف بالأسواق والبيوت ليلاً (العسّ) ليتفقد الرعية بنفسه.
في عهده، سقطت إمبراطورية الفرس بالكامل، وتحررت بلاد الشام وفلسطين ومصر من الروم. وعندما فتحت القدس، رحل إليها بنفسه ليتسلم مفاتيحها، وكتب لأهلها العهدة العمرية.
مواقف العدل والرحمة:
اشتهر عمر بلقب "عادل الأرض"، ومن قصصه أنه كان يحمل الدقيق على ظهره لامرأة عجوز وأطفالها الجوعى، ورفض أن يحمله عنه خادمه قائلاً: "أأنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟". وهو القائل: "لو تعثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لِمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟".
استشهاده ووفاته:
توفي عمر رضي الله عنه شهيداً وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، حيث طعنه أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر مسموم. وفي لحظاته الأخيرة، كان هَمّه الصلاة وحق المسلمين، وسأل عن قاتله، فلما علم أنه مجوسي لم يسجد لله سجدة، قال: "الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام".
دفن رضي الله عنه بجانب صاحبيه؛ الرسول ﷺ وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، في الغرفة النبوية، بعد أن استأذن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
رحم الله الفاروق عمر، فقد كان سدّاً منيعاً أمام الفتن، وبموته انكسر الباب، وبقيت سيرته حجة على كل حاكم، ونبراساً لكل مسلم في الجمع بين القوة والرحمة، وبين الدنيا والآخرة.
لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدرسة في القيادة والزهد، أقام دولة العدل التي لا تفرق بين قوي وضعيف، فاستحق أن يظل اسمه محفوراً في ذاكرة الزمن كأعظم عادل عرفته البشرية.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ماهر الدبعي – ولاية اليمن



