- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
كيف صنع القرآن الرعيل الأول؟
ما بالُ القرآن الذي هزَّ الدنيا بالأمس، لا يهزُّ القلوب اليوم إلا قليلاً؟ وما بالُ تلك الآيات التي صنعت من رعاة الإبل سادةَ الأمم، تمرُّ الآن على الأسماع كما يمرُّ النسيم على الصخر، فلا تحرِّك فيه حياةً، ولا تُنشئ أثراً؟
إن القرآن هو القرآن، لم تتغير منه آية، ولم تسقط منه كلمة، ولم يخبُ فيه ذلك النور الذي أضاء للإنسانية ليلها الحالك الطويل. ولكن الذي تغير هو الإنسان، فهناك فرق بين قلب يتلقى القرآن ليحيا به، وقلب يتلقاه ليتمتم به عادةً من عاداته.
لقد نزل القرآن أول ما نزل على قوم كانت أرواحهم عطشى إلى الحقيقة، فلامستها آيات السماء، فتفجرت فيها ينابيع الحياة، وانبعثت منها قوة جديدة لم يعرفها التاريخ من قبل.
قوم كانوا إذا سمعوا الآية أحسوا أنها نداء من الله إلى أرواحهم، وأنها أمر يجب أن يتحول إلى عمل، ومعنى يجب أن يتحول إلى حياة.
أما نحن اليوم، فكثيراً ما جعلنا بيننا وبين القرآن حجاباً من الألفة، نقرؤه حتى اعتادت الآذان ألفاظه، ولكن القلوب لم تعد ترتجف لمعانيه. نحسن ترديد الحروف، ولكننا لا نقف طويلاً عند الأسرار التي تحملها تلك الحروف، فكان القرآن عندنا كتاباً يُقرأ، وكان عندهم حياةً تُعاش.
لقد كان الصحابي يخرج من الآية التي قرأها إنساناً غير الذي دخل إليها، فإذا سمع أمراً أطاع، وإذا سمع نهياً انتهى، وإذا سمع وعداً طمع، وإذا سمع وعيداً خاف وارتجف.
أما كثير من الناس اليوم، فيخرجون من القرآن كما دخلوا إليه؛ لأن الكلمات التي مرت على الألسن لم تنفذ إلى أعماق القلوب.
القرآن لم ينزل ليكون زينةً للمجالس، ولا أنغاماً عذبةً تتردد في المحاريب، وإنما نزل لينشئ الإنسان الجديد. فإذا تحول من كتاب في اليد إلى خلق في النفس، ومن آيات في المصحف إلى مبادئ في السلوك، عاد ليصنع العجائب.
ولهذا استطاع المسلمون الأوائل أن يغيروا وجه التاريخ؛ لأن القرآن لم يكن محفوظاً في صدورهم فحسب، بل كان جارياً في دمائهم، ناطقاً بألسنتهم، ظاهراً في أخلاقهم وأعمالهم.
لذلك، لما رأى الناس العدل يمشي بينهم، والرحمة ترفرف على قلوبهم، والصدق يشرق من وجوههم، آمنوا برسالة تجسدت في الناس قبل أن تُكتب في كتاب.
وهكذا فتح المسلمون القلوب قبل أن يفتحوا البلدان، وغيروا العالم.
وهكذا لم يغير المسلمون الأوائل العالم بكثرة عددهم، ولا بعظيم عدتهم، بل لأن القرآن تحول فيهم من كلمات تتلى إلى قيم تُعاش، حتى انتشر نور الإسلام؛ لأن الناس رأوا القرآن حياً في سلوكهم قبل أن يسمعوه من ألسنتهم.
فما غيَّر العالم يومئذ لم يكن مجرد قراءة القرآن، بل تحول الإنسان نفسه إلى ترجمة عملية لآياته.
فالقرآن في جوهره ليس كتاب معلومات، بل كتاب هداية، وليس هدفه أن يختبرك كم تعرف، بل أن يسألك: من أنت؟ وإلى أين تمضي؟ وما القيمة التي تحملها وأنت تعبر هذا العالم الفاني؟
إن الأزمة اليوم ليست في غياب القرآن عن حياتنا، فهو حاضر في بيوتنا ومساجدنا وهواتفنا، وإنما الأزمة في غياب الاستعداد الداخلي لاستقباله. فالشمس لا تبخل بالنور، لكن النوافذ المغلقة لا تستقبل الضوء، والقرآن لا يبخل بالهداية، ولكن القلوب الممتلئة بضجيج الدنيا لا تسمع النداء.
لقد نزل القرآن على قوم كانوا كغيرهم من البشر، يأكلون ويشربون، ويتخاصمون ويخطئون، لكنه ما إن لامس أرواحهم حتى حدث شيء يشبه المعجزة. لم تتغير الكلمات، بل تغير الإنسان، ولم تتبدل الأرض، بل تبدلت النفوس.
الوحي لم ينزل ليضيف إلى العالم كتاباً جديداً، بل لينشئ نمطاً جديداً من البشر.
لذا كان الصحابي إذا سمع آية شعر أنها تنظر إليه مباشرة، لا إلى الناس جميعاً. كان يسمع الأمر فيرى نفسه مسؤولاً عنه، ويسمع النهي فيرى نفسه مخاطباً به. لم يكن القرآن عنده موضوعاً للتلاوة فحسب، بل مشروعاً للتحول. لذلك خرج من بين دفتي المصحف ليصبح أخلاقاً في الأسواق، ودستوراً في الحكم، ورحمةً في البيوت، وشجاعةً في المواقف.
إن ما يعيشه المسلمون اليوم من ضعف وتفرق وتسلط الأعداء ليس أمراً عارضاً، بل هو نتيجة طبيعية للابتعاد عن كتاب الله، وتعطيل أحكامه، واستبدال مناهج البشر بها. وقد وعد الله تعالى النصر والتمكين والعزة لمن أطاعه، كما حذر من الشقاء والضنك لمن أعرض عن ذكره. فلا سبيل إلى استعادة القوة والوحدة والتمكين إلا بالرجوع الصادق إلى كتاب الله، واستئناف الحياة الإسلامية وفق منهج الله، وتحكيم شرعه في شؤون الحياة أفراداً ومجتمعات، عندها يتحقق وعد الله بالنصر والتمكين: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



