- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ظلام الخرطوم تضيئه دولة الرعاية
أصبحت الخرطوم غارقة في ظلام دامس مع انقطاع التيار الكهربائي لأطول فترات في تاريخ البلاد، وأصبح استمرار التيار الكهربائي لثماني ساعات حلماً يراود الأسر المنهكة المتعرقة في صفيح النهار.
إن ملاحقة الرزق اليومي مع غلاء الأسعار المتزايد ثم العودة لظلام البيت لهو أشبه بسجن اختياري. إن وجود مريض واحد، أو كبير سن في جوف البيت مع هذا التيار النادر كأنه إعدام لطيف!
ما الذي يجعل الشركة السودانية للكهرباء تشرع في زيادة ساعات الانقطاع يوما بعد يوم دون إخطار؟ ولماذا لا تتحرك وزارة الطاقة حتى ولو ببيان واحد، تخبرنا فيه بفوائد الصبر والطاقة الشمسية؟
تعالوا معي نسلط الضوء على أزمة الكهرباء في السودان وأفق الحل الجذري حتى ننهض من ظلامنا إلى نور لا ينقطع بحلول جذرية من لدن خبير عليم.
لقد بات تفاقم الأزمات يشكل جزءاً من حياة أهل السودان، حتى ترسخت لديهم قناعة بأن حياتهم لن تتحسن، بل ستزداد صعوبة في ظل هذه الأنظمة الرأسمالية، فوق ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وعدم الأمن، تضاف إلى ذلك معضلة الكهرباء.
إن انقطاع التيار الكهربائي يشكل معضلة كبرى لقطاع الرعاية الصحية واعتمادها الكلي على الكهرباء حيث تعاني المستشفيات من كارثة حقيقية حيث تتوقف الأجهزة الطبية التي تشكل عصباً أساسياً في عملية التشخيص للمرضى، مثل غرف الأشعة وماكينات غسيل الكلى.
كما تضررت قطاعات حيوية بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، مثل خدمات الجمهور، وعدد من القطاعات التجارية والصناعية، التي تعد الكهرباء عمودها الفقري! ما انعكس على السوق بقلة الإنتاج وارتفاع الأسعار.
دخلت الكهرباء السودان عام 1908م، وأنشئت خزانات مثل خشم القربة وسنار والرصيرص وسد مروي، وكمية الإنتاج الكهربائي لخزان سنار 150 ألف كيلو واط في الساعة، كأقدم سدود السودان وأكثرها إنتاجاً.
يصل إنتاج سعات التوليد الحراري والمائي الحالية إلى 2700 ميغاواط، حسب أقرب إحصائية. ويستورد السودان الكهرباء من مصر وإثيوبيا بالعملة الصعبة، فيما يحصل 40% من السكان فقط على خدمات الكهرباء بينما تعتمد النسبة الباقية على مولدات الديزل، في الوقت الذي تتوفر فيه الموارد المشجعة لتوفير الكهرباء؛ من الطاقة البديلة، حيث يعد السودان من أنسب الدول لإنتاج الطاقة النووية والطاقات المتجددة، أو ما يسمى بالطاقة المستدامة لا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المياه وطاقة الكتلة الحيوية وطاقة حرارة باطن الأرض، حيث يتمتع السودان بإشعاع شمسي عالٍ يقدر بعشر ساعات في اليوم، كما يمتلك السودان الرمال التي تتوفر فيها مادة السيليكون التي تصنع منها الخلية الشمسية. ووفقاً لدراسات المركز القومي لأبحاث الطاقة فإن متوسط مدة إشراق الشمس من 5-7 كيلو واط في الساعة في المتر المربع، وهناك طاقة رياح سرعتها تصل إلى أربعة أمتار في الثانية وأول محطة لتوربين الرياح بارتفاع 63 مترا في الولاية الشمالية بسعة 1400 ميغاواط، بتمويل الحكومة ودعم الأمم المتحدة، لكنه تدهور بسبب الإهمال الحكومي في عهد الإنقاذ. وتوجد في السودان مناطق ملائمة لاستغلال طاقة باطن الأرض؛ منها جبل مرة وجبال البحر الأحمر. أما الموارد المائية فنهر النيل؛ أطول نهر في العالم، فتقدر المواقع المناسبة لتشغيل توربين مائي على امتداده بـ450 موقعاً. إن بلداً يمتلك كل هذه المصادر المتنوعة لإنتاج الكهرباء لماذا لم يستفد منها؟ ولماذا لم تستغل على النحو الأمثل؟
إن كل مشاكل السودان تحل بصورة آنية وتسبب مشكلة أكبر في المستقبل فنرمي أنفسنا في مزبلة صندوق النقد والبنك الدوليين، والأمم المتحدة، فيأكلنا الأخطبوط الرأسمالي بمساعدة الحكومات المتعاقبة في السودان، وحتى لا يكون الكلام عبثياً فالسنوات الماضية هي خير دليل، ففي 28 حزيران/يونيو 2010م، أصدر مجلس الوزراء قراراً قضى بموجبه إلغاء الهيئة القومية للكهرباء، وأنشئت مجموعة شركات تؤول إليها كل حقوق والتزامات الهيئة القومية للكهرباء. وفي العام 2017م، أنشئت الشركة القابضة للكهرباء، حيث تتبع لها شركات التوليد والنقل والتوزيع، وادعت الحكومة أن هذا التحول من أجل تطوير قطاع الكهرباء واستدامة نموه، ولكن الواقع عكس ذلك فالأزمة الأخيرة في انقطاع التيار الكهربائي التي تصل من 10 إلى 12 ساعة خلال اليوم، تبين مدى تردي مستوى تقديم الخدمات، وتعكس حرص الحكومة على تحكّم الرأسماليين بموارد الأمة، فبينما الشارع متذمر من الأزمة الأخيرة، ويسأل عن الحلول والمعالجات لمعضلة عدم استقرار التيار الكهربائي، تتحدث الحكومة الحالية عن رفع الدعم عن الكهرباء، ولكن يصعب تطبيقها بسبب (الحرب)، بعد أن نفذتها في الوقود والخبز، ووزير المالية جبريل إبراهيم الذي أغرق البلاد بالأزمات مثل وزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي (فالرجلان بالعقلية الرأسمالية نفسها)، قال إبراهيم البدوي: "رفع الدعم عن الوقود والدقيق والكهرباء يوفر 104 مليار جنيه لدعم خزينة الدولة" (موقع النيلين)، وما ذلك إلا استمرار في تنفيذ روشتات صندوق النقد الدولي، الذي ينص أحد تقاريره على: (إعادة النظر في إصلاح قطاع الكهرباء في العالم النامي)، وذلك بإنشاء هيئات تنظيمية مستقلة، إلى جانب خصخصة أجزاء من صناعة الكهرباء، والتوجه إلى السوق والسماح بالمنافسة، وهو ما طبقته الأنظمة الحاكمة بحذافيره، ويشرف البنك الدولي على الهيئات التنظيمية، التي أوكلت إليها مسألة تحديد الأسعار، ومراقبة جودة الخدمة، ويظهر ذلك من خلال الورش التي ينظمها البنك الدولي لتدريب الكوادر الذين بدورهم ينفذون توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين؛ ففي تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2019م نظمت الشركة القابضة للكهرباء مع خبراء البنك الدولي ورشة بعنوان: "مشروعات التوليد المستقل بالسودان" بالخرطوم، وقال المهندس علي عبد الرحمن، مدير الإدارة العامة للسياسات والتخطيط بالشركة القابضة: "إن التوليد المستقل يعنى بمشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنى التحتية في مجال الكهرباء حيث تعد العقود التي تبرم في هذا القطاع طويلة الأجل إذ تمتد لأكثر من 20 عاماً، وأضاف بأن الورشة بحضور شركات الكهرباء وخبراء في مجال الطاقات المتجددة، ووزارة المالية، ووزارة الطاقة والتعدين، ومؤسسات القطاع الخاص" (وكالة السودان للأنباء، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2019م).
كما ذكر صندوق النقد الدولي، أن فريقاً تابعاً له عقد اجتماعات افتراضية مع السلطات السودانية، لبحث حزمة الإصلاحات التي قدمها، والتي من بينها إصلاح دعم الطاقة، وقال دانيال كاندا قائد فريق صندوق النقد الدولي: "إنهم توصلوا مع السلطات السودانية إلى اتفاق بشأن السياسات والإصلاحات، التي يمكن أن تدعم برنامجاً يراقبه الصندوق" (الشرق الأوسط، 25 حزيران/يونيو 2020م).
انصياعاً وخضوعاً لروشتات صندوق النقد الدولي تعاقدت الحكومة مع عدة شركات خاصة من أجل مدها بالكهرباء ما أوقع الدولة في مصيدة الدين، "هددت شركة تركية مسؤولة عن إمداد مدن غرب السودان، نهاية الشهر الجاري بقطع الإمداد الكهربائي عن المدن الغربية بسبب مستحقات مالية لم تدفعها الحكومة، وقبل أسابيع توقفت باخرة تركية بالبحر الأحمر كانت تزود السودان بالكهرباء" (شبكة عين، 15 آذار/مارس 2020م).
ويصرح وزير الطاقة في البلاد أن مشكلة الكهرباء سببها الحرب ونحتاج لـ9 مليار لحلها، بينما تسعى حكومة الأمل بتمويل مباني حكومية تاريخية، تضررت في الحرب وصيانتها بمبلغ 371 مليار!! (قناة الحدث والعربية، 15 تموز/يوليو 2026م)، فأي أمل تنتظرون منها سوى تجرع الأزمات وضنك العيش؟!
ولكي لا نلدغ من جحر النظام الغربي مرتين علينا لفت النظر وشد الانتباه للآتي:
إن صندوق النقد والبنك الدوليين هما من أدوات الاستعمار، بل من أكثر الأدوات فعالية، والأنظمة المتعاقبة على حكم السودان، بتآمرها مع المستعمرين، ترتكب جرائم في حق أهل السودان؛ بمنعهم الاستفادة من الموارد التي حباها الله لهذا البلد، وإعطائها للمستعمر باسم الاستثمار، وكذلك تمنع تلك الأنظمة الإنتاج، فلا زراعة كافية ولا صناعة حقيقية، كل ذلك من أجل أن يظل هذا البلد خاضعاً تحت سيطرة المستعمرين.
وتخطيط البلاد وجعل الخرطوم تكتوي بنار الفتنة والغلاء فكيف نضيئها بعد كل دمار الحرب وظلام النظام الرأسمالي؟! إن الكهرباء هي من الملكيات العامة، التي جعل الشرع حق الانتفاع بها للناس كافة، يقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ؛ فِي الْكَلَأِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ».
فما دام النظام الرأسمالي يتحكم في مفاصل الحياة، فلن يعيش المسلمون، ولا البشرية كافة بسعادة؛ فأسّ المشكلة هي في هذا النظام الرأسمالي الذي يفصل الدين عن الحياة، ويؤسس لحياة ظالمة، عن طريق جعل كل موارد البلاد بيد حفنة من الرأسماليين الجشعين، ولا يمكن للبشرية أن تعيش حياة آمنة مطمئنة إلا بتطبيق نظام الإسلام، الذي يعدل بين الناس كافة في توزيع هذه الثروات، وذلك عن طريق إقامة دولته دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. فلنعمل مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، حينها تصبح الخرطوم سراجاً ونقطة ارتكاز بإعلانها العاصمة لدولة الخلافة التي لاحت في الأفق وحينها يفرح المؤمنون بنصر الله.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منذر عبد الرؤوف (أبو غفران) – ولاية السودان



