الأحد، 17 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

المال والتضخم والدين أصبحوا يهددون الاقتصاد العالمي؟

 

 

لم يعد الخطر الذي يواجه الاقتصاد العالمي يتمثل في أزمة مالية مفاجئة، أو انهيار مصرف واحد، أو ارتفاع مؤقت في أسعار سلعة معينة، بل أصبح أكثر عمقاً وتعقيداً: نظام مالي تتشابك فيه النقود مع الدين والتضخم إلى درجة يصعب معها معالجة أحدها من دون التأثير في الاثنين الآخرين. فالمال هو الأداة التي تقوم عليها حركة الاقتصاد، والدين هو أحد أهم وسائل تمويل الاستثمار والإنفاق، والتضخم هو أحد أهم المؤشرات على اختلال العلاقة بين النقود والسلع والخدمات. غير أن هذه الأدوات، عندما تتوسع بلا حدود أو تنفصل عن الاقتصاد الحقيقي، يمكن أن تتحول من أدوات للنمو إلى مصادر لعدم الاستقرار.

 

والشواهد الدولية الحديثة تؤكد أن هذه المخاطر لم تعد نظرية. فوفقا لصندوق النقد الدولي في تقريره للرقابة المالية الصادر في نيسان/أبريل 2026 فإن الدين العام العالمي ارتفع إلى ما يقارب 93.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وأنه مرشح للوصول إلى 100% من الناتج العالمي بحلول عام 2029 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

 

وفي الوقت نفسه، حذر بنك التسويات الدولية، في تقريره الاقتصادي السنوي لعام 2026، من أن ارتفاع الدين العام إلى مستويات تقترب من أعلى مستويات ما بعد الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع توسع دور المؤسسات المالية غير المصرفية، خلق علاقة جديدة بين الاستدامة المالية والاستقرار المالي، يمكن أن تجعل انتقال الصدمات أسرع وأوسع.

 

أولاً: المال من وسيلة للتبادل إلى قوة قادرة على إعادة توزيع الثروة

 

المال، في أبسط تعريفاته، هو وسيلة للتبادل، ووحدة لقياس القيمة، ومخزن للقيمة. ووجود المال ضرورة لأي اقتصاد حديث؛ فمن دونه تصبح عملية تبادل السلع والخدمات شديدة التعقيد.

 

لكن المال الحديث يختلف جذرياً عن مفهوم المال السلعي القديم. فمعظم النقود المتداولة اليوم ليست ذهباً أو فضة، وإنما نقود ورقية إلزامية؛ أي أوراق تصدرها الأنظمة، وتكون لها صفة قانونية كوسيلة رئيسية للوفاء بالالتزامات، من دون أن تكون قابلة لاستبدال الذهب أو الفضة بها، ومن دون أن يضمنها احتياطي من المعدنين. كما تشمل النقود الحديثة الأوراق المصرفية "البنكنوت" والنقود المصرفية التي تنشأ بدرجة كبيرة من خلال عمليات الائتمان المصرفي. وهنا تظهر المسألة الأساسية: متى يصبح نمو المال أكبر من قدرة الاقتصاد الحقيقي على إنتاج السلع والخدمات؟

 

إذا ارتفعت القدرة الشرائية النقدية بسرعة، بينما بقي الإنتاج محدوداً، فقد يبدأ المال في ملاحقة كمية محدودة من السلع والخدمات، فتظهر ضغوط على الأسعار. ولذلك لا ينبغي اختزال التضخم في عبارة "طباعة النقود" فقط؛ فالتضخم يمكن أن ينتج أيضاً عن صدمات الطاقة والغذاء، واضطرابات سلاسل الإمداد، وانخفاض قيمة العملة، وزيادة الطلب، واختلالات سوق العمل، وغيرها من العوامل. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح التوسع النقدي والائتماني مستمراً ومنفصلاً عن نمو الإنتاجية.

 

ثانياً: التضخم الضريبة التي لا تظهر في قانون الضرائب

 

التضخم هو ارتفاع واسع ومستمر في المستوى العام للأسعار، وبالتالي انخفاض القوة الشرائية للنقود. وهذا يعني أن التضخم لا يقتصر تأثيره على ارتفاع الأسعار في المتاجر، بل يعيد توزيع الثروة داخل المجتمع. فالشخص الذي يحتفظ بجزء كبير من ثروته نقداً أو في أصول ذات عائد منخفض قد يخسر جزءاً من قوته الشرائية، بينما قد يستفيد مالك بعض الأصول الحقيقية من ارتفاع قيمتها الاسمية. وهنا يظهر أحد أخطر آثار التضخم وهو تآكل الثقة بالنقود. فعندما يعتقد الأفراد والشركات أن العملة ستفقد جزءاً متزايداً من قيمتها، يبدأون بتغيير سلوكهم؛ فيسعون إلى شراء العقارات أو الذهب أو العملات الأجنبية أو الأسهم أو السلع، بدلاً من الاحتفاظ بالنقد. وقد يتحول هذا السلوك نفسه إلى عامل يزيد الضغوط على العملة والأسعار.

 

والأخطر أن التضخم قد يتحول إلى دائرة متكررة: ارتفاع الأسعار، ارتفاع مطالب الأجور، ارتفاع تكاليف الإنتاج، ارتفاع الأسعار مجدداً، ارتفاع توقعات التضخم، مزيد من السلوكيات الدفاعية، مزيد من الضغوط السعرية.

 

ولهذا جعلت البنوك المركزية الكبرى استقرار الأسعار هدفاً أساسياً للسياسة النقدية.

 

وقد حذر بنك التسويات الدولية، في تقريره لعام 2026، من مخاطر عودة التضخم واستمراره، مشيراً إلى أن صدمات العرض الكبيرة يمكن أن تجعل مهمة السياسة النقدية أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تدخل الاقتصادات الأزمات وهي تملك حيزاً مالياً محدوداً.

 

ثالثاً: عندما يتحول الاقتراض من وسيلة للنمو إلى آلية للبقاء

 

الدين ليس مشكلة في ذاته. فالاقتصاد الحديث لا يستطيع الاستغناء عن الائتمان. فشركة تقترض لبناء مصنع قد تحقق من خلال القرض إنتاجاً وأرباحاً جديدة. ودولة تقترض لبناء شبكة كهرباء أو ميناء أو طريق قد تزيد قدرتها الإنتاجية وتولد إيرادات مستقبلية.

 

المشكلة تظهر عندما يستخدم الدين لتمويل العجز المتكرر والاستهلاك الجاري بدل الاستثمار المنتج. عندها تبدأ المعادلة الخطرة: عجز مالي، اقتراض، دين أكبر، فوائد أكبر، عجز أكبر، اقتراض جديد.

 

وهكذا يتحول الدين من أداة إلى دائرة مغلقة. وليس هذا مجرد افتراض نظري؛ فقد أعلن صندوق النقد الدولي في نيسان/أبريل 2026 أن الدين العام العالمي بلغ قرابة 94% من الناتج في عام 2025، وأنه قد يصل إلى 100% بحلول عام 2029. كما أشار إلى أن ارتفاع أعباء الربا والإنفاق على الاحتياجات المجتمعية والدفاع والاستقلال الاستراتيجي يزيد الضغط على الموازنات العامة.

 

والأكثر أهمية أن المشكلة لا تقتصر على الدول الضعيفة؛ إذ أشار صندوق النقد إلى أن تراكم الدين تقوده بدرجة كبيرة الاقتصادات الكبرى.

 

رابعاً: لماذا أصبح الدين تهديداً عالمياً؟

 

لأن الدين العام لم يعد شأناً داخلياً. فالسندات الحكومية التي تصدرها دولة ما قد تكون موجودة في محافظ بنوك، وصناديق تقاعد، وشركات تأمين، ومستثمرين أجانب، وصناديق تحوط، ومؤسسات مالية في دول أخرى. وبالتالي، فإن أزمة الدين في دولة كبيرة يمكن أن تنتقل إلى النظام المالي العالمي. وهنا تكمن خطورة ارتفاع أسعار الربا. فإذا ارتفعت تكلفة الاقتراض، فإن الدولة التي لديها دين ضخم ستحتاج إلى دفع ربا أكبر. وإذا كانت مضطرة إلى إعادة تمويل جزء كبير من دينها باستمرار، فإن الربا الجديد قد يصبح عبئاً متزايداً على الميزانية. وهكذا يصبح لدينا: دين مرتفع + ربا مرتفع = خدمة دين أكبر. ثم: خدمة دين أكبر + عجز مستمر = اقتراض جديد. ثم: اقتراض جديد = دين أكبر.

 

وهذه هي الحلقة التي يخشاها الاقتصاديون.

 

وقد حذر بنك التسويات الدولية، في تقريره لعام 2026، من أن ارتفاع الدين العام وتغير هيكل أسواق السندات الحكومية يمكن أن يجعلا إعادة تسعير السندات أكثر حدة، وأن الصدمات قد تنتقل بسرعة عبر أسواق التمويل وعبر الحدود، وبين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية.

 

خامساً: الأزمة الأخطر تبدأ عندما يجتمع الدين مع المال والتضخم

 

هنا نصل إلى قلب المشكلة. تخيل دولة لديها عجز كبير ودين متزايد، ولديها ثلاثة خيارات رئيسية: خفض الإنفاق، زيادة الضرائب، الاقتراض والاستمرار في تمويل العجز.

 

لكن إذا استمرت في الاقتراض، فإن حجم الدين يرتفع. وإذا أصبحت خدمة الدين ثقيلة، تظهر ضغوط سياسية واقتصادية لإبقاء تكلفة الاقتراض منخفضة. وفي بيئات معينة، قد يؤدي التوسع النقدي والمالي إلى زيادة الضغوط التضخمية.

 

وهكذا تتكون حلقة: العجز، الدين، ارتفاع خدمة الدين، ضغوط على السياسة النقدية، مخاطر تضخم، ارتفاع توقعات التضخم، ارتفاع أسعار الربا، زيادة خدمة الدين.

 

وليست هذه الحلقة حتمية في كل دولة، لكنها تصبح أكثر خطورة كلما كان الدين مرتفعاً، والنمو ضعيفاً، والثقة بالسياسة الاقتصادية منخفضة. ولهذا حذر بنك التسويات الدولية من أن ارتفاع الدين العام يمكن أن يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر صعوبة، لأن السياسة النقدية تصبح مضطرة إلى التعامل في الوقت نفسه مع التضخم وأسواق السندات والاستقرار المالي.

 

فالاقتصاد المستقر ليس هو الاقتصاد الذي يخلو من الدين، ولا الاقتصاد الذي يملك أكبر كمية من النقود، وإنما الاقتصاد هو الذي تكون فيه النقود والدين والائتمان في خدمة الإنتاج، لا بديلاً عنه.

 

سادساً: نحو معالجة جذرية للأزمة

 

من هنا يبدأ الحل الحقيقي؛ إنهاء الربا بشكل نهائي غير قابل للعودة، وإعادة بناء الثقة في المال، وإعادة الانضباط إلى الدين، وإعادة الاقتصاد المالي إلى خدمة الاقتصاد الحقيقي، وعودة الذهب والفضة ليكونا عملة بذاتهما، أو أوراقاً نائبة عنهما، أو وثيقة تمثل نسبة معينة من المعدنين. ومن هذا المنظور، لن يستطيع أحد الإقدام على هذه الخطوة، سوى دولة الخلافة القادمة؛ لأن التعامل بالذهب والفضة أمر حتمي لا مفر منه، باعتباره حكماً شرعياً واجب التنفيذ، فضلاً عن أن كثيراً من أدوات النظام الرأسمالي، محرمة شرعاً (كالربا والاحتكار والغرر وغيرها).

 

وعليه، يجب العمل على إقامة دولة الخلافة؛ فإقامتها واجب شرعي في عنق كل مسلم حتى تقام، فهي التي ستخرج الأمة من هذه الظلمات إلى عدل ونور الإسلام.

 

أيها المسلمون، يجب أن نطبق الإسلام كاملاً، وأن يكون نمط عيشنا قائماً عليه؛ فنحن ملزمون بتطبيقه، ولا تبرأ ذمتنا إلا بأن يكون الإسلام أساس حياتنا.

 

قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع