- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا تحترق الأسواق في أوزبيكستان بشكل جماعي؟
لم يكن عام 2026 عاماً عادياً بالنسبة للأسواق الشعبية في أوزبيكستان. ففي الفترة ما بين شهري كانون الثاني/يناير وآب/أغسطس، سُجّلت سلسلة من الحرائق في الأسواق والمراكز التجارية في كل من طشقند، وولايتها، وأنديجان، وبخارى، وسورخانداريا، ونمنكان. وفي بعض الحالات، لم يحترق السوق بأكمله، بل تضررت المحلات والمناضد الواقعة في نطاقه؛ فعلى سبيل المثال، طالت الحرائق مساحة 70 متراً مربعاً في "قيزيريك"، و150 متراً مربعاً في أوريكزار، بينما امتد حريق سوق بيشكورغون ليعمّ مساحة تُقدّر بـ8000 متر مربع تقريبا. ولا تتوفر أدلة حتى الآن لربط هذه الحوادث بسبَبٍ واحد، غير أن تزامنها مع عمليات الخصخصة والتحول الرقمي وإعادة تنظيم الأسواق يطرح أسئلة جادة.
ففي جانب هناك حرائق وتحقيقات؛ وفي جانب ثانٍ التحول الرقمي للأسواق؛ وفي الجانب الثالث خصخصة الأصول الحكومية وجلب رؤوس الأموال الأجنبية. فهل هذه مجرد مصادفة عابرة، أم تقاطع لمصالح اقتصادية محددة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتطلب إطلاق أحكام مرسلة بلا أدلة، بل المقارنة بين الحقائق. أما السؤال الأساسي فهو: لحساب من يُعاد بناء السوق الأوزبيكي، وما الذي سيجنيه الشعب من ذلك؟
في أواخر عام 2024، عُرض المجمع العقاري لسوق أسكيا في طشقند مع قطعة أرض بمساحة 1.83 هكتار للمزاد العلني. وفي كانون الثاني/يناير 2025، فازت شركة "Sheng Ke-International" الصينية بالمزاد بعرض بلغت قيمته 225.59 مليار سوم.
إن السوق ليس مجرد دكان؛ إذ تُحدَّد قيمته بأرضه وموقعه وبنيته التحتية وتدفق المشترين الجاهزين فيه. وهذا يعني أن السوق بالنسبة للمستثمر الخاص ليس مجرد بناء عادي، بل هو أصل اقتصادي كفيل بإدرار أرباح طائلة.
وفي عام 2025 اتسعت رقعة الخصخصة. وتزامناً مع ذلك، جرى إشراك شركة "Franklin Templeton" الأمريكية لإدارة أصول صندوق الاستثمار الوطني الأوزبيكي. أي أن جزءاً من المؤسسات والأصول الحكومية يتحول الآن إلى موضوع استثماري يمكن للمستثمرين الأجانب الاكتتاب فيه أو شراء أسهمه.
التحول الرقمي في عام 2026: هل هو مجرد شفافية؟
يهدف قرار مجلس الوزراء رقم 358 الصادر في 2 تموز/يوليو 2026 إلى رقمنة الأسواق والمجمعات التجارية، والتسجيل الإلكتروني لأماكن البيع، والحد من الفساد الصغير، والهدف الرسمي المعلن هو تعزيز الشفافية والرقابة.
غير أن التحول الرقمي يتيح للدولة أيضاً رؤية واضحة لحجم التجار وأماكن البيع والإيرادات والقدرات الاقتصادية للأسواق. وبذلك تكون الرقمنة، إلى جانب كونها تقنية، أداة جديدة لإحصاء الأسواق وإدارتها؛ تماماً كما كان الغرض من إصدار جوازات السفر للحيوانات وتسجيلها اعتباراً من 7 آب/أغسطس هو تقصي حجم الثروة الحيوانية المملوكة للشعب.
وفي تموز/يوليو 2026، أُعلن عن طرح 35 من أكبر الأسواق والمجمعات التجارية في طشقند للمزاد بغرض الخصخصة، والهدف الرسمي هو تحديثها. لكن الأسئلة الجوهرية لدى الرأي العام تبقى مفتوحة: كم تبلغ قيمة الأرض؟ وكم ستأخذ الدولة؟ وكم سيستثمر المستثمر؟ وإلى أين سيُهجّر التجار؟ وكم ستكون قيمة الإيجار الجديد؟ وهل سيتمكن التجار القدامى من العودة؟ ومن سيعوض المتضررين من الحرائق؟
إن السوق هو مصدر الرزق اليومي للشعب. وإذا احترق السوق أو هُدم، فلن يبقى مكانه فارغاً؛ بل قد يظهر في موقعه مركز تجاري جديد، أو "هايبرماركت"، أو مركز متعدد الوظائف. والسؤال الأكثر إثارة للدهشة: ألم يكن أمام الدولة خيار لتنفيذ هذه الخطة سوى احتراق الأسواق؟!
إن المسألة الاقتصادية الرئيسية هنا هي: في يد من سيؤول تدفق المشترين الجاهزين؟ فبينما كان آلاف التجار الصغار يكسبون أرزاقهم بشكل متفرق في الأسواق القديمة، يُتوقع أن ينتقل هذا التدفق التجاري في المراكز الجديدة إلى سيطرة مالك واحد أو عدد محدد من كبار المالكين. ونتيجة لذلك، تتمركز التجارة وتتجمع الأرباح الرئيسية في يد المستثمر، بينما تستفيد الدولة من أموال البيع والضرائب أو المدفوعات المنصوص عليها في العقود. وما يدعونا للوصول إلى هذا الاستنتاج هو أن هذه الأحداث تقع في فترة تشهد نشاطاً مكثفاً للشركات الأجنبية الوافدة إلى أوزبيكستان. ولهذا السبب، تختفي وراء عبارة "تحديث الأسواق" خطة حكومية "خفية" لكنها باتت جلية للجميع؛ حيث تكون المصلحة هنا للمستثمرين الأجانب وللحكومة، لا للشعب.
لقد تحولت بضائع آلاف التجار ومعداتهم ورؤوس أموالهم التشغيلية الضخمة إلى رماد في ليلة واحدة، ودون أن يكون لدى معظمهم تأمين. والدولة على علم تام بذلك، بل إن رئيس الدولة نفسه تحدث في كلمة ألقاها بمناسبة عيد (الاستقلال) عن إدخال نظام التأمين الشامل إلى جميع الأسرة مستقبلاً.
الخلاصة: إن واجب الدولة لا يقتصر على بيع الأصول، أو رقمنة الأسواق، أو جلب المستثمرين؛ بل يجب عليها بالمقام الأول حماية ممتلكات الشعب وأرزاقه ومصالحه الاقتصادية. غير أن الدولة سلكت طريقاً معاكساً وانحازت إلى جانب كبار المستثمرين؛ وذلك لظنها أن إدخال الشعب في نظام التأمين الجماعي سيخلق سوق أرباح ضخمة لشركات التأمين الغربية، وستجني الدولة الضرائب منها. ولكن عليها ألا تنسى أنه بقدر ما يتمتع هؤلاء المستثمرون بالحيلة في إدخال رؤوس أموالهم، فإنهم يمتلكون مهارة فائقة في إخراجها مع أرباحها! يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
إسلام أبو خليل – أوزبيكستان



