- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
حين يصبح القرآن رسالةً لك
ربما أعظم ما ينبغي أن نعيد اكتشافه في علاقتنا بالقرآن، أن نتوقف عن التعامل معه بوصفه كتاباً نقرؤه، وعلينا أن نبدأ بالتعامل معه بوصفه رسالةً يقرؤها الله تعالى لنا قبل أن نقرأها نحن.
كل آية تمر أمام عينيك ليست مجرد كلمات تُتلى، بل خطاب يصل إليك من رب العالمين؛ فيها أمر قد يكون موجَّهاً إليك، ونهي قد يكون إنقاذاً لك، ووعد يطمئن قلبك، ووعيد يوقظ غفلتك، وقصة تكشف لك نفسك قبل أن تكشف لك تاريخ الآخرين.
حين يقول ربنا تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فليست القضية أن أُعجب بجمال الآية، بل أن أنهض إلى الصلاة كما أرادها الله لي؛ صلاةً تنهى عن الفحشاء والمنكر.
المشكلة أننا أحياناً نقرأ القرآن بعين الباحث عن المخاطَب، لا بعين المخاطَب نفسه. نبحث عن الآية التي تدين غيرنا، وننسى الآية التي تديننا نحن. نقرأ قصص الأمم السابقة ونفتش عن أخطائهم، وننسى أنفسنا وأخطاءنا.
القرآن لا يريد منا فقط أن نكون قرّاء بارعين فحسب؛ فما قيمة أن يمر القرآن على اللسان ولا يمر على القلب؟!
علينا أن نقرأ القرآن وكأن الرسالة وصلت إلينا؛ فإذا وجدنا أمراً، فلنقل: ماذا يريد ربُّنا منا؟ وإذا وجدنا نهياً، فلنقل: ماذا يريد ربُّنا أن نترك؟ وإذا وجدنا وصفاً للمؤمنين، فلنقل: كم نصيبنا من هذه الصفات؟ وإذا وجدنا وصفاً للمنافقين والظالمين، فلا نتعجل في البحث عن الآخرين، بل لنفتش في أنفسنا أولاً. عند ذلك يصبح القرآن شيئاً آخر.
وعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ينبغي ألا نمر عليها مرور القارئ الذي يبحث عن الثواب فقط، بل مرور الإنسان الذي يشعر أن الآية تسأله هو: لمن الحكم اليوم؟ هل هو لله، أم هو للطاغوت؟
من الذي يحدد لي: أفعل أو لا أفعل؟ من الذي أرجع إليه حين تتعارض مصلحتي مع أمر الله؟ من الذي أقدّم حكمه عندما يقول القرآن شيئاً، وتقول أهواؤنا أو أعرافنا أو مصالحنا شيئاً آخر؟
المسألة ليست أن أؤمن بأن الله هو الحاكم نظريّاً، ثم أبحث في الواقع عمّن يحكم حياتي فعليّاً! إنها مواجهة صريحة بين ما نقوله عقيدةً، وما نعيشه سلوكاً.
وعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فالأولى أن نقف طويلاً أمام أنفسنا: أين أنا من حكم الله؟ هل أقبل حكمه حين يوافق رغبتي، وأرفضه أو أؤوّله حين يصطدم بمصلحتي؟ وهل أطلب من القرآن أن يغيّرني، أم أطلب منه أن يبرر ما أريد؟
إن القرآن حين يتحدث عن الحكم والتشريع، فهو لا يقدم لنا مادةً للتلاوة فحسب، بل يضع أمامنا اختياراً حقيقيّاً للعبودية. فالعبودية ليست أن تقول: الله ربي، ثم تجعل هواك حكماً، ومصلحتك ميزاناً، والعرف مرجعاً أعلى من أمر الله. العبودية الحقّة أن تعرف أن الله أمر، ثم تسأل بصدق: كيف أستجيب؟
وهنا يصبح القرآن مرآةً خطيرة؛ لأنه لا يكشف لنا ما نعرفه فقط، بل يكشف لنا التناقض بين إيماننا المعلن وحياتنا الفعلية.
الرحلة الحقيقية مع القرآن أن ننتقل من الإيمان بأن الله صاحب الحكم، إلى أن نجعل حكمه مرجعاً نهائيّاً في حياتنا، وأن نتعلم أحكامه بفهم صحيح، ونلتزم بها، ونطبقها في حياتنا، في القضاء والسلطة، وإقامة الحدود، والأحكام العامة جميعها.
علينا ألا نقف أمام كتاب الله بوصفه كتاباً مقدساً فحسب، نريد أن ننهي صفحاته، بينما الحقيقة الأعمق أننا نقف أمام رسائل ربانية موجّهة إلينا؛ رسائل فيها أمر ونهي وتشريع وتوجيه، وميزان للعدل، وضابط للمجتمع، ومنهج للعلاقة مع الله ومع الناس ومع النفس.
فلا تجعل مشروعك أن تكون ممن ختموا القرآن أكثر، بل اجعل مشروعك أن تكون ممن ظهرت آثار القرآن عليهم في جميع نواحي الحياة. فالقرآن لم ينزل ليكون صوتاً جميلاً يطرب آذاننا، ولا كلمات محفوظة في صدورنا، بل نزل هدىً يُتَّبع، وأمراً يُطاع، ونهياً يُجتنب، وعدلاً يُقام، وأخلاقاً تُعاش. فربما كانت الآية التي ستقرؤها غداً هي الرسالة التي طال انتظارك لها.
اقرأ ثم استجب، وتدبّر ثم غيّر، واعرف مراد الله، ثم اجعل الحياة شاهداً على استجابتك. فليس السؤال يوم القيامة: كم مرة ختمت القرآن؟ بل السؤال الأشد وقعاً: ماذا صنعت بكلام الله حين بلغك؟!
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



