الأربعاء، 04 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/16م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الرزق من الله سبحانه وتعالى والسعي في طلبه واجب شرعي

 

 

في عصر الاستهلاكية المادية، تبرز تساؤلات كثيرة حول الموازنة بين بذل الجهد في طلب الكسب وبين الواجبات الشرعية الأخرى، مثل حمل الدعوة إلى الإسلام. فكيف ينظر الإسلام إلى معاملاتنا الاقتصادية؟ وهل ستشغلنا عن غايتنا في ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى؟ وفي هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، هل نُغضب الله سبحانه وتعالى عندما نعمل لتأمين متطلبات المعيشة؟ نحن نتعرض للضغط نحو المعصية في معاملاتنا، فما الحل الذي يقدمه الإسلام؟ ولماذا نعمل بجد ما دام الرزق مكتوباً ومقدراً من الله سبحانه وتعالى؟ فلنتأمل ما يلي:

 

أولاً: المعاملات الاقتصادية لابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى: كما أن غاية العبادات، مثل الصلاة، هي مرضاة الله سبحانه وتعالى، فإن غاية المعاملات، ومنها المعاملات الاقتصادية، هي أيضاً مرضاة الله سبحانه وتعالى. وننال مرضاته سبحانه بتطبيق أوامره، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بتشكيلات الشركات، والإجارة، وإحياء الأرض الميتة للزراعة. فالإسلام ليس ديناً علمانياً يحصر مرضاة الله سبحانه وتعالى في شعائر العبادة الفردية فقط.

 

ثانياً: القيمة المادية تشمل الربح والأجر: إضافة إلى غاية ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، فقد جعل الإسلام في أحكام المعاملات الاقتصادية طلب القيمة المادية، سواء أكانت ربحاً مادياً أم أجراً. فالإسلام ليس دين رهبانية يدعو المسلمين إلى الإعراض عن الواجب الشرعي في طلب الكسب والسعي.

 

ثالثاً: الإجارة تكون لأجل القيمة المادية، وهي الأجر: فعند الاستئجار، يأمرنا الإسلام بالاتفاق على الأجر. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا اسْتَأْجَرْتَ أَجِيراً فَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ». رواه النسائي. فالإجارة ليست بلا غاية أو عبثاً. ويجب أن يُعطى العامل أجره المستحق، وإلا كان الله سبحانه وتعالى خصمه. قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ». رواه البخاري.

 

رابعاً: إحياء الأرض الميتة لتحقيق القيمة المادية، وهي ملكية ما يُزرع فيها: في الزراعة، يمنح الإسلام قيمة مادية تتمثل في كسب الأرض الميتة من خلال إحيائها وزراعتها. قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ». رواه أبو داود. وعليه، ففي دولة الخلافة، يصبح من يحيي أرضاً ميتة مالكاً لها ما دام يزرعها. كما ستساعد الخلافة على إحيائها من خلال المنح والعطايا أيضاً.

 

خامساً: القيمة المادية في التجارة هي الربح: في الصناعة والتجارة، أباح الإسلام إنشاء الشركات، ليحقق المسلمون ضمن هذا العمل القيمة المادية المتمثلة في الربح. وتشمل تشكيلات الشركات: شركة العِنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة المفاوضة. وفي شأن شركة المضاربة، روى عبد الرزاق في "الجامع" أن الإمام علياً رضي الله عنه قال: "الْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ". فالمسلم الشريك في الشركة يتطلع إلى تحصيل الربح وأخذ نصيبه وفق ما تم الاتفاق عليه، وهذه أيضاً هي القيمة المادية.

 

سادساً: الرزق من الله سبحانه وتعالى، أمّا السعي في طلب الكسب فهو واجب شرعي: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فالرزق من الله سبحانه وتعالى. وهذه حقيقة مطمئنة تضمن ألّا نرتكب الحرام سعياً وراء الرزق. فنلتزم بأحكام الإسلام التزاماً تاماً أثناء سعينا إلى الرزق. وفي الوقت نفسه، فإننا عندما ننخرط في المعاملات الاقتصادية، نحرص على تحصيل القيمة المادية ولا نكون مهملين. فلا نقوم بالأعمال عبثاً، ولا نكون كسالى متثاقلين بحجة أن الرزق من الله سبحانه وتعالى. نعم، إن الرزق من الله سبحانه وتعالى وحده، لكن السعي في طلب الكسب أمر من الله سبحانه وتعالى لا يجوز إهماله.

 

فلنفهم جميعاً الأمر بطلب الكسب في ضوء فهم حقيقة الرزق ذاته. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.

 

سابعاً: المسلمون منتجون، ومجتمعهم منتج كذلك: إن تحصيل القيمة المادية مع الالتزام بما يرضي الله سبحانه وتعالى يجعل شخصية المسلم شخصية منتجة. فهو يجتهد في توفير حاجات أسرته وكمالياتها، ابتغاء مرضاة ربه سبحانه وتعالى. وليس هو ذلك الشخص الكسول المتثاقل الذي يأخذ القروض بلا مبالاة، ويطلب الصدقة من غير نظر وتدبر. وهذا الاهتمام بالقيمة المادية يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً فيه ثراء ورخاء وقدرة، تُقضى فيه حاجات الفقراء والمحتاجين والغارمين بسهولة. ولقد كانت بلاد الإسلام في عصر الخلافة موضع إعجاب لما بلغته من تقدم مادي كبير.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع