- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
إعفاف الزوج: حقٌّ زوجي وواجب شرعي
في ظلِّ هيمنة الحضارة الغربية على العالم، وتأثّر الأمة الإسلامية بأفكارها المنحرفة، وُجدت أمراضٌ اجتماعية بين المسلمين، وانتشرت الانحرافات في سلوك الناس، والعزوف عن التقيّد بالأحكام الشرعية، وتبنّي وجهة النظر الغربية في الحياة الاجتماعية وفي علاقة الرجل بالمرأة. ومن ذلك تبنّي حرمة التعدد في الزواج، وإنْ استنكر الناس ذلك بالكلام دون الأفعال، لعدم تجرؤ عامة المسلمين على ردّ هذا الحكم صريح النص ومتواتره.
ومن هذه الأفكار الغربية المستوردة من الفكر الغربي المنحرف مفهومُ إعفاف الزوجة زوجَها، وإعفاف الزوج زوجتَه، حيث ينظر الغرب إلى هذه الفكرة باعتبارها مصلحة شخصية يجب أن يدفع الطرف الآخر ثمنها، مادياً في كثير من الأحيان، أو باعتبارها منّةً من أحد الطرفين على الآخر. وللأسف، انتشر بين المسلمين هذا المفهوم، وتمت ممارسته باعتباره حقاً لصاحبه لا واجباً عليه؛ لذلك وجب التنبيه إلى ما جاء في دين الله الحنيف في هذا الشأن المهم، مع التذكير بأنه لا حياء في الدين.
أولاً: جعل الإسلام الحياة الزوجية قائمةً على السكن والمودة والرحمة، وجعل لكلٍّ من الزوجين حقوقاً وواجبات تحفظ هذا الميثاق، وتعين على استقرار الأسرة. ومن الحقوق التي أكدها الشرع حقُّ الزوج في أن تعفَّه زوجته، وأن تستجيب له في حاجته المشروعة، وأن تسعى إلى إدخال السرور عليه، وحفظه من أسباب الفتنة والانحراف. فإعفاف الزوج ليس أمراً هامشياً في الحياة الزوجية، ولا تفضلاً من الزوجة، بل هو من مقتضيات حسن التبعّل، ومن صور المعاشرة بالمعروف. وقد أكدت النصوص الشرعية أن من واجب الزوجة ألّا تمنع زوجها نفسها، وأن تعمل بجدٍّ في طلب رضاه ضمن ما أوجبه الشرع من حقوق الزوجية، وإن كان ذلك ثقيلا على نفسها أحيانا. عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». رواه البخاري ومسلم
ثانياً: لا يقف الأمر عند أداء الواجب فحسب، بل إن الزوجة التي تحسن التبعّل لزوجها، وتحرص على مرضاته، تنال أجراً عظيماً. فقد جاء في الحديث عن الصحابية أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها، حين جاءت ممثلةً للنساء تسأل النبي ﷺ عن أجرهن مقارنةً بما يقوم به الرجال من الجمعة والجماعات والجهاد ونحو ذلك، أن قال لها ﷺ: «انْصَرِفِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا، وَطَلَبَهَا مَرْضَاتَهُ، وَاتِّبَاعَهَا مُوَافَقَتَهُ، يَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ». ومن هنا، فإن الزوجة المؤمنة لا تنظر إلى إعفاف زوجها بوصفه عبئاً أو تنازلاً، بل تراه باباً من أبواب التقرب إلى الله، وعملاً صالحاً يسهم في حفظ نفسها وزوجها وبيتها. وكلما أدّت هذا الحق برضا ولطف ومودة، كان ذلك أتمّ لمعنى المعروف وأعظم لأجرها. وفي المقابل، فإن امتناعها عن إعفاف زوجها من غير عذر شرعي، أو إهمالها هذا الحق وعدم سعيها إلى أدائه على وجهه الذي يحقق الرضا والطمأنينة عند الزوج، يُعدّ تقصيراً في واجب زوجي عظيم. ويعتبر الشرع هذا الأمر من صور النشوز.
ثالثا: لا يقتصر أثر هذا التقصير على الزوج وحده، بل يمتد إلى العلاقة الزوجية كلها؛ إذ قد يولّد الجفاء والنفور، ويهيّئ أسباب الخصام، ويضعف المودة التي جعلها الله أساساً للحياة بين الزوجين. وهو سبب لا يذكره الأزواج عند الخصومة أو الطلاق، ويظن الناظر أن سبب الخلاف هو غير هذا السبب، وأنه الظاهر من الكلام الذي يتداول بين الوسطاء أو القاضي، ولذلك شدد الشرع على أن حفظ هذا الحق باعتبار أنه من أسباب صيانة الأسرة، ومن وسائل إغلاق أبواب الفتنة المنتشرة والمتوفرة أسبابها في العالم، وما نجم عنها من انتشار للطلاق.
رابعاً: مع تأكيد حق الزوج في الإعفاف، فإن العلاقة الزوجية لا تُبنى على مطالبة طرف بحقوقه وإهماله لحقوق الطرف الآخر. فالزوج مأمور بالنفقة والكسوة والإسكان والرعاية والحماية، ومأمور كذلك بحسن المعاشرة، ولين الجانب، والرحمة بزوجته. فالبيت المسلم لا يستقيم بالإكراه أو الجفاء، وإنما يستقيم حين يتسابق الزوجان إلى أداء ما عليهما، وحين يجعل كل واحد منهما سعادة الآخر ورضاه من أبواب الطاعة لله تعالى. وبذلك تتحول الحياة الزوجية إلى سكن ورحمة ومودة، ويكون إعفاف كلٍّ من الزوجين للآخر حصناً للأسرة وطريقاً للأجر والثواب.
وأخيراً: ربما يظن البعض أن الحديث في هذا الشأن فيه خروج عن الحياء، ولكن، كما ذكرت آنفاً، لا حياء في الدين، خصوصاً إن كان في الأمر هدمٌ للأسرة، وإثم عظيم يصيب أحد الطرفين. وذلك في ضوء انتشار السفور والرذيلة والمواقع الإباحية، ما يجعل مفهوم إعفاف الرجل زوجته، وإعفاف المرأة زوجها، أعظم وجوباً، ولا يجوز التقصير فيه؛ ففي ذلك إثم عظيم، إذ يؤدي التقصير فيه إلى وقوع الزوج أو الزوجة في الرذيلة، فتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويأثم الطرفان، وتنحل الأسرة... إلخ. لذلك وجب أخذ المسألة على محمل الجد، لا السخرية أو الاستخفاف بها، والظن أنها مسألة جانبية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بلال المهاجر – ولاية باكستان



