- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
حوادث الطّرقات وضحاياها
شتّان بين ما تتعهّد به شركات التّأمين وما جاء في الإسلام من أحكام!
حسب تقرير للأمم المتّحدة بتاريخ 12 أيار/مايو 2025 فإنّه "سنويا، يفقد نحو 1.2 مليون شخص حياتهم على الطّرق، وأكثر من ربع هذا العدد يموتون أثناء السّير أو ركوب الدّرّاجات"، و"تُعدّ إصابات حوادث الطّرق السّبب الرّئيسيّ لوفاة الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عاما".
وعلى سبيل الذّكر نجد أنّ 37% من القتلى في تونس - مثلا - هم من الشّباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 19 و39 سنة، وأنّه عن كلّ 1000 قتيل نجد 630 من سائقي الدّرّاجات النّاريّة ومن المترجّلين. ومن أهمّ أسباب الحوادث عدم التّركيز والسّرعة.
هذا وقد سجّل المرصد الوطنيّ لسلامة المرور منذ بداية 2025 وحتّى تشرين الثاني/نوفمبر من السّنة نفسها 1107 قتلى بمعدّل 3 قتلى يوميّا.
كثرت حوادث الطّرقات وازداد عدد ضحاياها، وأمام هذا العدد المرعب من القتلى نتساءل هل يعي مرتكبو هذه الحوادث خطورتها؟ هل يعلمون ما عليهم من كفّارة؟ كيف لمسلم أن يقتل مسلما في حادث طريق ولا يبحث عن حكم ذلك وكفّارته؟ لماذا صار يلقي بخطئه على شركات التّأمين ويتملّص منه بحجّة أنّها قد ضمنت له تسديد التّعويض لأهل الضّحيّة؟
مبحث سنحاول ملامسة حيثيّاته ونقف على بعض نقاطه علّنا بذلك نساهم ولو بما تيسّر لنا في توضيح ما غمض منه وما كان خفيّا حتّى نفهم حكم هذا الفعل فنعمل به كما يحبّ ربّنا ويرضى. وتقبّل الله منّا ومنكم ما في أعمالنا صالحها وأخلصها.
إنّه لمن المؤلم أن يعيش المسلمون اليوم دون شرع الله وأحكامه! يعيشون في واقع تحكمهم فيه قوانين النّظام الرّأسماليّ الوضعيّة التي تفرض عليهم الانخراط في نظام شركات التّأمين والعمل به. فعلى كلّ من يمتلك سيّارة أن يؤمّن عليها، فشهادة التّأمين هي إحدى الوثائق اللّازمة لتكون السّيّارة صالحة للجولان قانونيّا وبدون هذه الشّهادة يعتبر السّائق مخالفا مرتكبا لجنحة!
فما هو واقع هذه الشّركات؟ وهل يجوز للمسلم أن يتعامل معها؟ وهل يسقط عليه حكم القتل الخطأ في حادث مرور مثلا إن تكفّلت هذه الشركات بدفع أموال لأهل القتيل وضمنت ذلك؟
جاء في جواب سؤال بعنوان الضّمان والتّأمين والاحتكار بتاريخ 26 من رمــضان المبارك 1439هـ الموافق 11 حزيران/يونيو 2018م: "لصحّة الضّمان وانعقاده نصّ الشّرع على عدّة شروط. ولكن حين البتّ في التّأمين نجده خاليا من هذه الشّروط فليس فيه ضمّ ذمّة إلى ذمّة مطلقا... فشركة التّأمين لم تضمن أيّ حقّ ماليّ ولم تضمّ ذمّتها إلى ذمّة أحد وهذا غير الضّمان شرعا الذي يعرّف بأنّه "ضمّ ذمّة إلى ذمّة في التزام حقٍّ ثابت". كما أنّ "ما التزمته الشّركة من التّعويض أو دفع المال لم يجب للمضمون له عند عقد التّأمين تجاه آخرين لا حالا ولا مآلا حتّى يصحّ ضمانه... هذا علاوة على أنّ التّأمين لا يوجد فيه مضمون عنه لأنّ شركة التّأمين لم تضمن عن أحد استحقّ عليه حقّ حتّى يسمّى ضمانا، فيكون عقد التّأمين قد خلا من عنصر أساسيّ من عناصر الضّمان اللّازمة شرعا وهو وجود مضمون عنه،... كما أنّ شركة التّأمين حين تعهّدت بدفع مال عند حصول الحادث، قد التزمت هذا الدفع مقابل مبلغ من المال فهو التزام بمعاوضة، وهو لا يصحّ لأنّ شرط صحّة الضّمان أن يكون بدون معاوضة...
وبهذا يظهر مقدار خلوّ تعهّد التّأمين من شروط الضّمان التي نصّ عليها الشّرع، وعدم استيفائه لشروط انعقاد الضّمان وشروط صحّته... فيكون التّأمين كلّه باطلا شرعا.
وعلى هذا فإنّ التّأمين كلّه حرام شرعا ووجه حرمته أنّ عقده عقد باطل شرعا. وأنّ التعهد الذي تعطيه شركة التأمين بموجب العقد تعهّد باطل شرعا. فكان أخذ المال بحسب هذا العقد وهذا التعهّد حراما، وهو أكل مال بالباطل، ويدخل في مال السّحت...".
وحوادث الطرقات - التي يذهب ضحيّتها الآلاف وتتكفّل بسداد خطاياها شركات التّأمين - في ازدياد كلّ يوم جرّاء تهوّر السائقين ويقينهم بأنّهم لن يتحمّلوا عواقب أفعالهم وأنّ شركات التّأمين ستدفع للمتضررين ولأهالي الضّحايا تعويضات... ولكنّ الأمر خطير لكون التّعامل مع هذه الشّركات حرام والتّعاقد معها غير جائز شرعا.
ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ الأمر في الواقع يختلف بين من يرتكب هذا الخطأ فيقتل مسلما نتيجة سرعته المفرطة وتهوّره أو تحت تأثير حالة كحوليّة، وبين من يقوم بذلك بعفوية ودون إرادة منه كأن تنعطف به السّيارة بسبب انفلاق طوق مطاطيّ فيصطدم بسيارة أخرى ويقتل سائقها أو أحدا من ركّابها. ويختلف الأمر كذلك بين من يقود سيّارة ويدوس إنسانا فيقتله عمدا وبين من يصطدم بإنسان دون إرادة منه فشتّان بين هذا وذاك...
فشركات التّأمين علاوة على حرمة عقدها وتعهّدها فإنّها لا تتولّى حلّ هذه المشاكل إلّا بما يحقّق لها الأرباح الكافية ويضمن لها بقاءها فتتلاعب بالمعطيات وتتشدّد في قبول البراهين والأدلّة التي يقدّمها الطّرفان حتّى تتملّص من تسديد التّعويضات ولا تخسر.
هذا هو ديدن النّظام الرّأسماليّ؛ يكبّل المنضوين فيه ويحكم الخناق عليهم حتّى يستوفي أكثر ما يمكنه من الأرباح والمنافع. ولكنّ الإسلام - دين الله الذي ارتضاه لعباده والرّحمة التي أنزلها لهم - قدّم الحلول الشّافية الكافية لكلّ المشاكل ومنها هذه التي تهمّ حوادث الطّرقات والقتل الخطأ والقتل العمد ووضّحها خير توضيح.
يقول سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾.
فلا يمكن لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلّا خطأ، أمّا إن كان القتل عمدا فإنّ الله يتوعّد فاعله بالخلود في جهنّم وبغضب منه ولعنة وعذاب عظيم ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾.
فالقتل العمد كبيرة من الكبائر ومرتكبها يكون كمن قتل النّاس جميعا ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾، ولهذا أكّد الله سبحانه وتعالى على أنّ المؤمن لا يمكن أن يقتل مؤمنا إلّا خطأ وعليه أن يكفّر عن ذلك بتحرير رقبة ودية تسلّم إلى أهل القتيل إلا أن يصّدّقوا فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. فشتّان بين القتل العمد والقتل الخطأ، وشتّان بين التّكفير عن هذا وذاك. وفعل قتل المؤمن مؤمنا خطأ دون إرادة منه ليس كفعل قتله له بإرادته وبإصرار منه على ذلك.
لقد تجلّى لنا أنّ ما تقوم به شركات التّأمين من ضمانات حرام شرعا وأنّ ما تدفعه من أموال كدية للقتيل لا يسقط عن المذنب ذنبه بل يبقى الإثم متعلّقا بذمّته وعليه أن يدفع الدّيّة حتّى يرضي ربّه.
وقد بيّن الله في كتابه العزيز حكم القتل الخطأ وهو دية مسلّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة، والدّية في الأصل مائة ناقة واختلف العلماء في الذّهب والفضّة هل هما من أصول الدّية أو هما عوض عن الإبل؟ واتّفق الجمهور على أنّهما أصول، ويساوي مقدار الدّيّة من الذّهب 4.25 كيلوغراما عيار 21 من حيث القيمة الناتجة عن نقاء الذّهب فقط، فإنّ غرام عيار 21 يساوي دائماً 1.167 غرام من عيار 18. يعني الدّية من الذّهب عيار 18 تساوي بالغرام 4959.75 فإذا كان الغرام في تونس مثلا عيار 18 يصل إلى 450 دينارا فإنّ قيمة الدّية تصل إلى 2231887.5 دينارا ومن الفضّة اثني عشر ألف درهم، والدّرهم يزن 2.975 غرام، فيكون مقدار الدّيّة من الفضّة (35.700 كيلوغراما). فإذا كان سعر الغرام منها يتراوح بين 5 و6.5 دينارا فتكون قيمة الدّية تقريبا بين 178500 و232050 دينارا.
فلو تأمّلنا قيمة ما على العاقلة دفعه من مال لوجدنا أنّه مبلغ كبير كبر الفعل الذي قام به مرتكب الخطأ فقد قتل نفسا، لندرك بذلك كيف حفظ الله النّفس البشريّة وكرّمها وعاقب من يتعدّى عليها أشدّ العقاب وأقساه فإن كان قد قام بالفعل خطأ ولم يقتلها متعمّدا فإنّ الكفّارة على عاقلته وهذا لحكمة يعلمها الله.
أخرج ابن ماجه في سننه عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ». وجاء في الأمّ للشّافعي: (الْعَقْلُ عَقْلَانِ فَعَقْلُ الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي دُونَ عَاقِلَتِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَعَقْلُ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي قَلَّ ذَلِكَ الْعَقْلُ أَوْ كَثُرَ).
فالدّية في حالة الخطأ ليست عقوبة على فعل القتل بل هي واجبة في أموال العاقلة وهم عصبة الرّجل: إخوته وأعمامه وأولادهم مع أنّهم لم يفعلوا شيئاً أصلاً، وليست واجبة في مال القاتل الذي قَتل خطأً... فلو كانت عقوبة له على فعله لوجبت الدّية في ماله.
هذا حكم القتل الخطأ وكفّارته، أمّا ما انتشر في ظلّ هذا النّظام الرّأسماليّ العالميّ الذي يفرض قوانين وضعيّة لا تمتّ بصلة إلى أحكام الإسلام فهو الضّلال بعينه وحرام اتّباعه، ولئن أكره النّاس على العمل به فلا يسقط عنهم حكم الله فيه، وعلى من يريد تبرئة ذمّته أن يتحرّى عن الحكم ويسعى لتنفيذه.
جاء في السّنن الكبرى للبيهقي: (قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفاً أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ حَدِيثِ الْخَاصَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْخَاصَّةِ).
والخلاصة أنّ الدّية في قتل الخطأ ليست عقوبة للقاتل بمعنى أنه يأثم بسبب قتل الخطأ، وإلا لكانت من ماله وليست من مال العاقلة التي لم تَقْتُل، فقاتل الخطأ لا يأثم على قتل الخطأ أو ما أجري مجرى الخطأ، والحديث الشريف ينطبق عليه.
ولمن يتساءل: لماذا فرض الشّرع الدّية في مال العاقلة في القتل الخطأ والقتل الذي أجري مجرى الخطأ، فلحكمة لم يبيّنها الشرع، والله أعلم وأحكم.
فلمن قتل خطأ في حادث طريق أن يتحرّى ما عليه القيام به حتّى يكفّر عن فعلته تلك وحتّى يرضي ربّه بتطبيق حكمه. عليه التّثبّت من حقيقة الأمر هل كان قتلا خطأ أم عمدا؟ فليس من يقود بسرعة جنونيّة لا يبالي بما سينجرّ عن ذلك أو في حالة كحوليّة (وفي ذلك تعدّ على حدود الله: فشرب الخمر حرام) وقد غاب عقله فيتسبّب في حوادث وضحايا، ليس كمن يسوق عربة كأن يصاب بمرض مفاجئ فتحدث أمور خارجة عن نطاقه وجبرا عنه ويدوس بعربته إنسانا ويقتله!
يزداد عدد ضحايا حوادث الطّرقات كلّ يوم ولا يزال البحث عن الحكم عن الكفّارة عمّن يتسبّب فيها غائبا عن الأذهان بغياب شرعنا عن حياتنا وتغلغل أفكار المنظومة الرّأسماليّة فيها وتثبيت بنود أبجديّاتها لتصرف النّاس عن البحث عن الحكم الشّرعيّ والعمل به وتقيّدهم بمفاهيمها وتحكم الخناق على رقابهم فيتّبعونها كما تتبع الفريسة الضّبّ إلى جحره.
فشتّان بين ما تتعهّد به شركات التّأمين وما ينصّ عليه الشّرع من أحكام. وعلى كلّ مسلم أن يتحرّى الحكم الشّرعيّ ويقوم به ولو في ظلّ هذا الواقع الذي غابت فيه أحكام الشّرع عن حياته إلى أن يأمر الله بنصره وتمكينه ويحقّق وعده ليعود الإسلام وأحكامه منارة يهتدي بها النّاس إلى طريق الحقّ والفلاح.
فحذار من مواصلة السّير في الطّريق المظلم الذي يرسمه هذا النّظام الرّأسماليّ القائم! فإنّ طريق النّجاة والنّور إنّما هو في التّقيّد بأحكام الله والعمل بها في الحياة والعيش في ظلّها.
نسأل الله أن يعجّل بقيام دولة الإسلام ليحكمها إمام عادل ينفّذ شرع الله فيكون جنّة لكلّ المسلمين يعينهم على الالتزام بالأحكام ويقيهم الزّيغ عنها والوقوع فيما لا يرضي الله. اللّهمّ اجعلنا من العاملين لها واكتبنا من المخلصين لدينك فنرفع رايته، واستعملنا ولا تستبدلنا ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
كتبته للمكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير
زينة الصّامت



