- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
تسويغُ تبعيةِ الحاكمِ وقبولِ المنكرات والهوانِ
بذريعة: "لو كنتم مكانه ماذا كنتم ستفعلون؟"!
لا تزال السجالات مستمرة بين العاملين لأجل التغيير الإسلامي، حول حكام النظام الجديد في سوريا بعد إسقاط بشار أسد. فهناك فريق يرى أنهم عملاء يسيرون في ركاب أمريكا وعملائها، وأنهم تنكروا للأهداف الإسلامية التي كانوا يصرحون بها، وانقلبوا على العاملين لأجلها. وفريق آخر، يدافع عن هذا النظام وحكامه، ويسوِّغ سياساتهم بذريعة الضعف وموازين القوى، ويصف مواقفهم بالحكمة، ويتهم الفريق الأول بأنهم خياليون، يحلمون بإقامة الخلافة وتطبيق الإسلام، غافلين عن الموقف الدولي والنظام العالمي المعادي للإسلام، وعن أن سوريا هي اليوم بقايا دولة وليست دولة.
لقد كان فرح المسلمين بسقوط نظام بشار عظيماً ومميزاً، لأنه كان أحد أشد الأنظمة ظلما في العالم وأطغاها. وتوقع كثيرون أن النظام الجديد الذي يقوده أحمد الشرع الذي اشتهر قبل ذلك بتاريخ جهادي ومنهجية إسلامية سلفية، سيطبق الإسلام في سوريا، ويتبني قضايا المسلمين في محيطها كلبنان وغزة. وبخاصة أنّ تصريحاته كانت معروفة بالنعي على ما يُسمى الاعتدال أو الوسطية الإسلامية، وعلى من اتخذ هذا المنهج الذي عدَّه انحرافاً عن الإسلام إرضاءً للغرب المهيمن على المنطقة.
ولكن الأحداث جاءت بعد ذلك لتكشف عن سياسة مخالفة للمعهود عنه في كل الجماعات التي سار فيها أو قادها. وأخذت المفاجآت في مواقفه وسياسة نظامه الجديد تتوالى، وتزداد معها التساؤلات والسجالات بين المؤيدين والمعارضين بسبب مواقف الذل والهوان المتلاحقة، إضافة إلى عدم ظهور أي تأثير للإسلام في مواقفه السياسية. وقد ظهر هذا في مواقف لا تكاد تُحصى، كالصمت المثير حيال اعتداءات قوات كيان يهود المستمرة، والتي تتوغل في سوريا وتستولي على المزيد من أراضيها، وتقيم الحواجز العسكرية فيها، وتقصف العاصمة دمشق وتقتل كما تشاء... إضافة إلى المواقف الضعيفة تجاه طوائف أو قوميات تتمرد وتعتدي وتقتل، في حين يصوِّر أحمد الشرع مواقفه هذه حكمةً. هذا ناهيك عن عدم ظهور أي توجه لتطبيق الإسلام. إضافةً إلى رضاً مميز عنه - حالياً - من ترامب ومبعوثيه، ومن غيره كحكام السعودية وتركيا.
لقد كانت هذه الوقائع وأمثالها سبباً للاختلاف بين المراقبين والمتطلعين لإقامة الدولة الإسلامية، وللتخلص من هيمنة الكفر المستشرس على المسلمين. فمنهم من أصيب بخيبة أمل كبيرة من هذا النظام، فأخذ يتهمه بالمخادعة والانحراف، ومنهم من أخذ يلتمس له الأعذار ويتذرع بالأوضاع الداخلية والخارجية وموازين القوى. ولما كانت الغالبية في الفريقين من الصادقين في تطلعاتهم، وإن اختلفت رؤاهم وأفهامهم للواقع وللشرع، وجب النظر في حجج الفريقين للوقوف على حقيقة المشكلة وموضع الخطأ.
أما حجج الفريق الأول بأن النظام الجديد يسير مع أمريكا وينتهج نهج عملائها المعهود في الخضوع للنظام العالمي وقوانينه، وما إلى ذلك من مظاهر الفسق المتزايدة في الحياة العامة التزاماً بقوانين الأمم المتحدة المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان، ومن الاستعداد للتطبيع مع كيان يهود، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ويعترف به الفريق الثاني المدافع عن النظام ورئيسه.
أما حجج الفريق الثاني بأن سوريا اليوم ضعيفة، بل هي بقايا دولة ولا تستطيع أن تواجه كيان يهود، ولا أن تفرض نفوذها على كامل أرضها بلهَ أن تمد سلطانها إلى محيطها، ولا تستطيع أن تتمرد على النظام الدولي، فهذا أيضاً صحيح ومن المكابرة إنكاره. ويضيف هذا الفريق أن إقامة الخلافة في هذه الأوضاع في سوريا، أو تطبيق الإسلام في سياسات الدولة الداخلية والخارجية أمر غير واقعي، ولا يمكن تحقيقه. وليس ثمَّة مشكلة في هذا الفهم أو القول، ولكن المشكلة بل التيه، هي في الاتكاء على هذا الفهم لاستباحة تطبيق الكفر، وتوهم وجود رخصة شرعية في ذلك، وفي التبعية للدول المتنفذة، وهي أيضاً في تسويغ تطبيق قوانين كفر، بذرائع الضعف والخوف من مفاسد كبيرة، وفيما يؤدي إليه ذلك من مواجهة النظام الجديد في سوريا الدعوة إلى الخلافة وتطبيق الإسلام.
ولمقاربة هذا الاختلاف بشكل سليم، ينبغي قبل كل شيء تقرير الحقائق كما هي. ومن ذلك أن ما يقوم به النظام الجديد في سوريا غير شرعي بتاتاً، فهو يطبق قوانين كفر، ويسير في سياسات كفر، ولا يوجد أي رخصة شرعية تبيح ذلك. وبالمقابل، لا تقوم دولة إسلامية بمعنى الكلمة في سوريا وحدها اليوم. وهنا يقع الفريق المدافع عن هذا النظام في خطئه الكبير في عدم فهم الإسلام وأحكامه في هذا الأمر. وهو أنه إذا لم يكن هناك إمكانية لإقامة دولة إسلامية، فهل هذا عذرٌ أو ذريعة لنقيم دولة كفر؟! وإذا لم يكن الحاكم أو من يريد الاستيلاء على الحكم قادراً على تطبيق الإسلام، فهل هذا سبب رخصة لتطبيق الكفر؟!
لم يقدِّم الفريق المدافع عن هذا النظام أي دليل على هذا الأمر، ولا يستطيع ذلك. لأن نصوص القرآن في وجوب الحكم بالإسلام وتحريم الحكم بغيره كثيرة وقطعية، وليس فيها استثناء أو تخصيص. وكل ما يقدمه هذا الفريق لا يزيد عن أشواق وتأييد لتغيير الحكام الطُغاة والفُجار. وهي أشواق تعبر عن نفسية إسلامية، ولكنها ليست دليلاً على حكم شرعي، ولا على رخصة شرعية. وهذه الأشواق والتأييد لخلع نظام الكفر والانتقام منه هي مشاعر إسلامية وموقف إسلامي يدفع لتأييد الذين أزالوه والدفاع عنهم. لذلك، يتمسك المدافعون عن مواقف هذا النظام برخص يطبقونها في غير موضعها، تدفعهم إليها ميول ورغبات، ولو كانت في غير موضعها كالضرورات، وما كان من قبيلها كالظروف الضاغطة وموازين القوى، وهم يأملون أن تتغير هذه الظروف وأن يسعفهم النظام الجديد بمواقف مشرفة منه ليثبتوا بها صحة موقفهم، وهم يرون أن هذا النظام يسارع في إبعادهم عما يأملونه، كتوجهه نحو التطبيع مع كيان يهود، والتوقيع على اتفاقات أبراهام.
وهنا ينشأ سؤال: إذا كانت إقامة الخلافة أو تطبيق الإسلام كاملاً غير ممكن في سوريا في هذا الواقع، وفي الوقت نفسه لا يجوز الخضوع للكفر ولا الحكم بغير ما أنزل الله، ولا يوجد رخصة في ذلك، فما العمل إذن؟
وهنا يكمن ما يغيب عن كثير من العاملين المخلصين، والذي هو سبب الاندفاع في الحديث عن الضرورات والاستطاعة والوسع والرُّخَص، وفي الاستدلال الخطأ بقواعد عامة في مواضع فيها نصوص خاصة، كالاستدلال بقاعدة درء المفسدة الأكبر بالأصغر، أو بقاعدة أهون الشرين، في مواضع حسمتها النصوص.
إن الحكم الشرعي في هذا الواقع هو ألا يُقدم المسلم على الحكم أو استلام الحكم ما لم يكن قادراً على تجنب الحكم بأنظمة كفر أو بقانون كفر. وإذا قيل: وهل نترك الأمر لفلان الفاجر أو الكافر؟ فالجواب هو أنه لا يجوز القيام بالمنكر كي لا يقوم به أحدٌ آخر لأنه فاجر أو كافر أو حاقد على الإسلام. وإذا أراد هذا الآخر أن يقوم بالمعصية فهو يبوء بإثمه. والواجب هو العمل والكفاح ليصل الإسلام إلى الحكم، وليس ليصل إلى الحكم كفرٌ ولكن بيد عاملٍ محب للإسلام وتطبيقه!
إن الأدلة على هذا الأمر كثيرة، أكتفي ههنا بواحد منها، وهو أنه عندما عرض كفار مكة على النبي ﷺ أن يعبدوا الله مدة سنة ويعبد هو إلههم سنة، أي أن يحكم بالإسلام مدة من الزمن، مقابل أن يخضع وتخضع مكة لحكم الكفر مدة مماثلة، رفض ﷺ هذا العرض رفضاً قاطعاً، ونزل في هذا الأمر خطابٌ لكل كفار العالم، تكرر فيه هذا الرفض ثلاث مرات، وكان إعلاناً عالمياً لكل الناس عن الحكم في الدولة، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتور محمود عبد الهادي



