الأربعاء، 18 رجب 1447هـ| 2026/01/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ليبيا على حافة الفراغ

تداعيات مقتل رئيس الأركان الليبي في تركيا

 

في الدول المستقرة تسقط الطائرات، وتُفتح التحقيقات، ثم تُطوى الصفحة. أمّا في الدول الهشّة، فحتى الحوادث العرضية تتحوّل إلى زلزال سياسي، لأن الأشخاص فيها لا يمثّلون أنفسهم فقط، بل يرمزون إلى توازنات كاملة في توزيع النفوذ.

 

لذلك، لم يكن مقتل رئيس أركان القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة خبراً عابراً في نشرة عاجلة، بل لحظة كاشفة لواقع الدولة الليبية التي ما تزال تعاني من التمزّق الداخلي. فهي دولة بلا جيش موحّد، ولا سيادة مكتملة، ولا مؤسسات قادرة على الصمود. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا يعني غياب محمد الحداد؟ ومن المستفيد من موته؟

 

لقد بدأ الصراع في ليبيا بعد عام 2011 يأخذ طابعاً دولياً، لا سيما بين أمريكا وبريطانيا. فقد سحبت أمريكا البساط من تحت أقدام بريطانيا والأوروبيين في منتدى الحوار السياسي الليبي، حين منح مجلس النواب الليبي، في 10 آذار/مارس 2021، الثقة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بعد حصولها على 132 صوتاً من أصل 188 (بي بي سي، 14/3/2021). وبذلك انتهت عملياً حكومة فايز السراج.

 

وعقب ذلك، أكّد سفير أمريكا لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، دعم أمريكا للمجلس الرئاسي والحكومة الجديدة، مهنئاً المشاركين في الحوار السياسي الليبي والقيادات الليبية.

 

أما التدخل التركي، فقد جاء عبر اتفاقيات مع حكومة السراج السابقة، ولم تتأثر هذه الاتفاقيات بتغير الحكومة، إذ لم تعارض حكومة الدبيبة الجديدة تلك الاتفاقيات ولا الوجود التركي في البلاد، باستثناء طلبها آنذاك إخراج المقاتلين السوريين.

 

في المقابل، كان موقف مصر يقوم على احتواء محمد المنفي وتثبيت حكومة الدبيبة، بينما تبنّت المغرب والجزائر وتونس - وهي دول فاعلة ضمن حسابات بريطانيا - القبول بالأمر الواقع، مع التشديد على ضرورة خروج القوات الأجنبية من ليبيا.

 

وبالعودة إلى واقع ليبيا، يتبيّن أن مقتل محمد الحداد ورفاقه لم يكن حدثاً عادياً، بل شكّل خسارة كبيرة لقدرة المجلس العسكري، وبداية تصدّع جديد في حالة "الاستقرار المعلّق" التي تعيشها البلاد: حكومة قائمة بلا شرعية انتخابية، مؤسسات مالية مخترقة سياسياً، وأمن تديره شبكات مسلحة لا جيش دولة، فضلاً عن انقسام الجيش بين شرق وغرب، ووحدة شكلية بلا قيادة فعلية.

 

صحيح أنه لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على أن ما حدث عملية اغتيال، لكن السياسة لا تنتظر الأدلة لتستثمر الأحداث. فخصوم حكومة الغرب سيستخدمون هذه الحادثة لإثبات فشل مشروع الدولة في طرابلس، وهشاشة حكومة الدبيبة. ويأتي ذلك في سياق زيارة كبير مستشاري رئيس أمريكا ترامب للشؤون العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، ولقائه بحكومة الدبيبة، حيث شملت مطالبه: توسيع التعاون الاقتصادي وفتح شراكة اقتصادية واسعة، مع تقديم عرض استثماري بقيمة 70 مليار دولار للشركات الأمريكية الكبرى. ودعم جهود الاستقرار السياسي والعسكري، وتشجيع العملية السياسية والدفع نحو الانتخابات وبرامج سياسية شاملة. (الجزيرة نت، 24 حزيران/يونيو 2025).

 

وهنا يبرز الخلاف بين عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي، إذ إن لكل منهما مرشحه المفضل لرئاسة التغيير الهيكلي في الجيش الليبي إن حدث. فالدبيبة كان يفضّل الفريق أول محمد علي الحداد، رئيس الأركان التابع لحكومته، في حين يدعم محمد المنفي اللواء أسامة الجويلي، الذي لعب دوراً محورياً في بناء التوازنات المسلحة بعد عام 2011، خصوصاً في غرب ليبيا، وله توترات سابقة مع حكومة الدبيبة بسبب اختلاف التوجهات.

 

ومع غياب الحداد - الذي كان يشكّل عامل كبح أمام أي إعادة خلط جذري للأوراق داخل القيادات العسكرية في غرب ليبيا - سيُطرح اسم أسامة الجويلي بقوة، الأمر الذي سيستفز المليشيات الموالية للدبيبة، والتي قد تعتبر ذلك انقلاباً سياسياً داخل مؤسسات الحكومة، ما قد يعيد الفوضى إلى الشارع الليبي، ويضعف فرص توحيد الجيش، ويعزز منطق الانقسام. وسيجد الشرق في ذلك دليلاً إضافياً على عجز الغرب عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية، ما يعمّق الانقسام، حتى وإن لم يكن الهدف المعلن هو تقسيم البلاد.

 

إن مقتل محمد الحداد - وهو الذي كان يرفض الاقتتال الداخلي، ولا يرغب في مواجهة حفتر، وكان يرى إمكانية جمع المليشيات ضمن هيكلية جيش وطني، ويُعد من أبرز المعارضين لتقسيم ليبيا - لا يعني فقط غياب شخص، بل ضربة لمسار.

 

فالمستفيد الحقيقي من موته ليس أفراداً بعينهم، بل مسارٌ كامل: مسار يدعم منطق المليشيات بدل الجيش، وتعدد مراكز القرار، وتعطيل توحيد المؤسسة العسكرية، واستمرار الحاجة إلى التدخل الخارجي، وإضعاف معسكر حكومة الدبيبة.

 

وعليه، فإن موت محمد الحداد ليس مجرد حدث أمني، ولا مسألة تعيين بديل، بل تعبير صارخ عن عجز الدولة عن التوحّد.

 

هذه الأحداث لا تُقاس بحجمها الظاهري، بل بما تكشفه من حقائق. فمقتل محمد الحداد ورفاقه - سواء أكان حادثاً عرضياً أم واقعة غامضة لم تكتمل فصولها بعد - لم يخلق أزمة جديدة بقدر ما فضح أزمة قديمة: دولة تُدار بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالتوازنات لا بالقانون.

 

المشكلة ليست في من يقود الجيش، بل في غياب الجيش ذاته ككيان وطني موحّد، مستقل عن الحكومات المؤقتة، وعن السلاح المنفلت، وعن الرعايات الخارجية. قد يربح بعض الفاعلين نفوذاً مؤقتاً من هذا الفراغ، وقد تُستغل الحادثة لتعميق الانقسام أو تبديل الأدوار، لكن الخسارة الدائمة هي غياب الدولة الراعية. فالدول لا تنهار بموت قادتها، بل تموت بعجز مؤسساتها.

 

ومن هنا، فإن على الشعب الليبي أن يبحث عن حل جذري يخلّصه من التدخلات الخارجية، ويقيم نظاماً قوياً يدير مؤسساته بمرجعية مستقلة. ولا وجود لنظام أصلح لذلك من نظام الخلافة، الذي يقطع كل يد تمتد للعبث بالبلاد، وهو الوحيد القادر على بناء دولة تتحدى الصعوبات، وتعيد لهذه الأمة عزتها. فمقدرات المسلمين تُهدر اليوم بسبب البعد عن الدين، الذي كان ولا يزال الدرع الواقي للأمة، والمتمثل في دولة الخلافة الراشدة التي بشّر بها رسول الله ﷺ حين قال: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع