الأحد، 22 رجب 1447هـ| 2026/01/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

شهر رجب ووحدة المسلمين

 

(مترجم)

 

 

بالنسبة لكثير من المسلمين اليوم، تبدو كلمة الخلافة غريبة، يربطها البعض بكتب التاريخ، بينما يراها آخرون شيئاً مجرّداً أو غير مألوف. وهذا أمرٌ مفهوم، لا سيما بالنسبة لجيل لم يعش إلا في ظلّ نظام الدولة القومية الحديثة. ومع ذلك، يذكّرنا شهر رجب كل عام بنقطة تحول عميقة في تاريخ المسلمين. ففي رجب عام 1342هـ هُدمت الخلافة. لم يكن هذا مجرد نهاية لحكومة، بل كان فقداناً لإطار عمل نظّم وحدة الأمة الإسلامية لأكثر من ثلاثة عشر قرناً.

 

في صميم الإسلام فكرة أنّ المسلمين أمة واحدة، ومجتمعٌ واحد يجمعه الإيمان والمسؤولية والالتزام الأخلاقي. هذه ليست استعارة أو شعاراً عاطفياً، بل هي مبدأ قرآني واضح. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

 

 ويربط الله أيضاً الوحدة مباشرةً بالهداية والحماية، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.

 

أوضح علماء الفقه الأوائل أنّ حبل الله يشيرُ إلى الإسلام باعتباره منهج حياة متكاملا، يشمل الطاعة الجماعية والسلطة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إنّ حبل الله هو الجماعة أي جماعة المسلمين المتحدين.

 

لذا، لم يكن المقصود من الوحدة في الإسلام الاقتصار على الجانب الروحي الشخصي فحسب، بل كان الهدف منها توجيه كيفية تنظيم المسلمين لحياتهم الجماعية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

 

وعلى مدار معظم التاريخ الإسلامي، تجسّدت هذه الوحدة عملياً. فقد كانت الخلافة بمثابة الإطار السياسي الذي يُدير من خلاله المسلمون العدل والأمن والرفاهية العامة والحماية المتبادلة. ولم تقضِ الخلافة على الثقافات أو اللّغات؛ بل كان التنوّع موجوداً ومقبولاً. وما وحّد المسلمين لم يكن العرق أو الأرض، بل الإسلام نفسه.

 

وقد أكدّ النبي ﷺ على فكرة المسؤولية الجماعية هذه بقوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» صحيح مسلم

 

عندما أُلغيت الخلافة، لم يفقد المسلمون إيمانهم، ولم يصبح الإسلام فجأةً غير عملي. ما تغيّر هو البنية. والأهم من ذلك، أنّ هذه البنية لم يُستبدل بها شيء محايد، بل ظهرت طرق تفكير جديدة أعادت تدريجياً تشكيل فهم المسلمين للهوية والولاء والسّلطة والمسؤولية.

 

كانت القومية من أكثر هذه الأفكار تأثيراً، لكنها لم تكن الوحيدة. فقد علّمت القومية المسلمين إعطاء الأولوية للدولة القومية على الأمة، وللحدود على الأخوة، ولـ"المصلحة الوطنية" على الواجب الأخلاقي!

 

إلى جانب القومية، أعادت مفاهيم أخرى تشكيل الفكر الإسلامي. فقد حصرت العلمانية الدين في الحياة الخاصة. وأعادت الرأسمالية تعريف النجاح من منظور الرّبح والسّلطة. وأضعفت الفردية المسؤولية الجماعية. فأعادت هذه الأفكار مجتمعةً تشكيل الوعي السياسي الإسلامي.

 

يحذرنا الله سبحانه وتعالى فيقول: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.

 

والنتيجة واقعٌ يُدركه كثيرٌ من المسلمين اليوم. ثمة قلقٌ عميقٌ وتضامنٌ عندما يُضّطهد المسلمون، ولكن أيضاً شعورٌ مؤلمٌ بالعجز. ليس هذا لأن المسلمين لا يُبالون، بل لأن الأمة مُشتتة.

 

لاحظ ابن تيمية رحمه الله أنّه كلما انقسم المسلمون، سمح الله لأعدائهم بالتغلب عليهم.

 

إذا فُهمت الخلافة على هذا النحو، فإنها ليست خيالاً أو دعوةً للاضطراب، بل هي محاولةٌ لتنظيم حياة المسلمين حول القيم الإسلامية بمسؤولية، والعدل أساساً.

 

إنّ رجب ليس شهراً للذكرى فحسب، بل هو لحظةٌ للتأمل والصّفاء، إنه يدعو المسلمين إلى التفكير ملياً في الوحدة، لا كشعار، بل كمسؤوليةٍ حيّة. لم يكن تفرق الأمة صدفة، وكذلك ليس التوق إلى التماسك والعدل الذي لا يزال يسكن قلوب المسلمين، كما يُذكرنا الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

 

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسمين مالك

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع