- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
التصعيد الأمريكي ضد إيران: خطاب هيمنة لا منطق حرب
ليست لغةُ التهديد والوعيد التي تعتمدها الولايات المتحدة تجاه إيران طارئةً ولا استثنائية، بل هي جزءٌ بنيويٌّ من السياسة الأمريكية في إدارة العالم، القائمة على فرض الإرادة بالقوة، واستخدام الخوف أداةَ ضبطٍ لا وسيلةَ دفاع.
فتصعيد أمريكا لا يُقرأ في سياق الخطر الإيراني، بقدر ما يُقرأ في سياق حماية النظام الدولي الذي تقوده. ففي العقل السياسي الأمريكي لا تُدار الصراعات بالحلول، بل بإدامة التوتر؛ لأن التهديد المستمر يمنح الولايات المتحدة شرعيةَ التدخل، ويبرر الانتشار العسكري، ويكرّس حق الوصاية على قرارات الدول.
ومن هنا، يصبح الخطاب المتشدد ضد إيران ضرورةً وظيفية؛ فالعدو في منطق أمريكا ليس هدفاً للإزالة، بل أداة للاستخدام.
لم تكن إيران يوماً عدواً وجوديّاً لأمريكا، بل كانت وما زالت عدواً قابلاً للتوظيف. فوجود نظام يرفع شعارات العداء لأمريكا يسمح لها بابتزاز دول الخليج أمنيّاً، ويحول دون تشكّل قوة إقليمية مستقلة، ليبقى الشرق الأوسط في حالة خوف دائم. وعليه، فإن إسقاط النظام الإيراني لا يخدم المشروع الأمريكي؛ لأن سقوط العدو يعني سقوط الذريعة.
ومن هنا يأتي التصعيد بوصفه مرحلةً لازمةً قبل فرض أي اتفاق، ليكون الاتفاق نتيجة ضغط، لا خياراً سياديّاً حرّاً.
أما الحرب، فتعني كسر التوازن الذي تستفيد منه الولايات المتحدة؛ فالدمار قد يُسقط وظيفة إيران بوصفها "فزاعة"، كما أنه يُدخل المنطقة في فوضى لا يمكن التحكم بها. لذلك تعتمد أمريكا سياسة الإنهاك دون إسقاط، والعقاب دون حسم.
إن خطاب أمريكا المتشدد بقدر ما هو موجه لإيران، هو موجَّه أيضاً إلى المنطقة بأسرها، ولا سيما دول الخليج، ليقول لا أمن خارج مظلتها، ولا قرار سيادي دون إذنها، ولا توازن إلا بما يخدم مصالحها. وبهذا يتحول التهديد إلى خطاب تأديبي جماعي.
فتصعيد أمريكا ضد إيران ليس تعبيراً عن خوف، بل عن حرص على استمرار الهيمنة، وليس مقدمة حرب، بل أداة تفاوض قسرية، ووسيلة لإعادة ضبط المنطقة، ورسالة مفادها أن من يخرج عن النظام العالمي المفروض يُعاقَب ولا يُسقَط. فالولايات المتحدة لا تريد إيران قوية ولا ضعيفة، بل إيران مُقيَّدة، كما تريدها هي.
إن أخطر ما في سياسة أمريكا تجاه إيران والمنطقة ليس ما يُقال علناً من تهديد ووعيد، بل ما يُدار في الخفاء من إعادة هندسة للصراعات، بما يضمن بقاء الشرق الأوسط ساحةَ نفوذ لا فاعلاً مستقلّاً. فأمريكا لا تبحث عن أمن المنطقة، بل عن استدامة هشاشتها، ولا تسعى إلى حل الأزمات، بل إلى إبقائها تحت السيطرة.
والانخداع بلغة التصعيد، أو الاطمئنان لخطاب التهدئة، كلاهما خطأ قاتل؛ لأن الوجهين يصدران عن العقلية ذاتها: عقلية الهيمنة. فحين ترتفع نبرة التهديد، تُدفَع المنطقة نحو الارتهان، وحين تُخفَض، تمرَّر الصفقات على حساب السيادة.
من هنا، فإن واجب دول وشعوب المنطقة هو اليقظة السياسية والفكرية، وبناء وعيٍ يدرك أن أمريكا لا تصنع أعداءها إلا لتُديم نفوذها، ولا تعقد اتفاقاتها إلا لتقيِّد إرادة غيرها.
فالتحرير الحقيقي لا يبدأ بإسقاط تهديد هنا أو توقيع اتفاق هناك، بل بكسر معادلة الابتزاز، وإدراك أن أمن المنطقة لا يُستورد، وأن السيادة لا تُمنح، وأن من يُسلِّم قراره للخارج سيظل ورقةً في لعبة الأمم، لا لاعباً فيها.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



