الأربعاء، 02 شعبان 1447هـ| 2026/01/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

حين يصبح التطبيع فرضاً، من يسند ظهر الأمة؟؟

 

 

إعلان خطير: ما يجري أمام أعيننا ليس مجرد تطبيع، إنه إعادة تشكيل للمنطقة بأكملها!

 

هذه مقالة لا بد أن تُقرأ بعين الوعي، لا بعين العادة، فالمستقبل يعاد رسمه الآن، وقد نمحى من خارطته دون أن ندرك.

 

نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم:

 

في زمن تتقن فيه الكلمات الخديعة أكثر من الحقيقة، لا يأتي التطبيع السياسي في صورة اتفاق رسمي فقط، بل في رسائل تقرأ بين السطور، ومواقف تصاغ تحت عناوين براقة تخفي وراءها تنازلات جسيمة. حين تلوح الدول الكبرى بابتسامة السلام، فإن ما وراءها في الغرف المغلقة هو ما يعاد تشكيله في المنطقة على حساب الأمة.

 

هنا، سأكشف خطورة التطبيع والحل الحقيقي له، لكن ليس بطريقة تقليدية، بل عبر طرح مجموعة من الأسئلة العميقة، وإجاباتها التي ستسلط الضوء على ما يخفى، وتقودنا نحو الطريق الصحيح.

 

 أولا: لماذا يدفع التطبيع بهذه الطريقة؟

 

الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لا ينظر للتطبيع كهدف إنساني، بل كأداة توظفها لموازنة نفوذها في المنطقة، ولتثبيت نظام دولي يتماشى مع مصالحها، ويتعامل مع الأطراف العربية باعتبارها بنادق يعاد توزيعها حسب الحاجة.

 

التطبيع ليس مجرد توقيع بروتوكول، أو تبادل علاقات دبلوماسية، إنه إعادة رسم لمنطقة بأكملها، من خلال ترتيب تحالفات، وإعادة تشكيل السيادة، وتغييب الحقوق، وعمل على تبني مفهوم مختلف عن العدو.

 

فالتطبيع السياسي لا يقتصر على تبادل سفارات أو زيارات رسمية، بل يشمل الاعتراف المتبادل بالسيادة، وتعاونا اقتصاديا وأمنيا واستخباراتيا، وهو ما يستفيد منه الطرف الأقوى في موازين القوى.

 

الغرب لا يرى التطبيع هدفا إنسانيا، بل أداة استراتيجية للسيطرة والنفوذ في المنطقة عن طريق إضعاف أي مشروع سياسي يرفض الهيمنة، وإبقاء كيان يهود "شريكا لا يمس"، وضمان مصالح اقتصادية وأمنية لا تتزعزع، كل ذلك يقدَّم على أنه حل واقعي لإنهاء الصراعات، لكن في حقيقة الأمر هو رسائل سياسية أعمق، تظهر أن المصالح تحتل كل اعتبار.

 

ثانيا: كيف يقدم التطبيع بالتدريج ثم يصبح فرضا لا خيارا؟

 

اعتُبر التطبيع الثقافي خطوة أولى، ففي بعض الدول، بدأ التطبيع ثقافيا قبل أن يكون سياسيا، وقد رأينا ذلك باستخدام الإعلام لصور طبيعية مشتركة وتبادل زيارات ثقافية غير رسمية بين الدول وكيان يهود والحديث عن التقارب والحوار الحضاري، بهدف التخفيف من شدة العداء التاريخي، وإعادة تعريف العدو عبر بنى إعلامية، ورسم صورة جديدة عن كيان يهود كطرف مشروع. هذه الأدوات ليست بريئة، بل هي جزء من مخطط كبير لإعادة ترتيب الوعي العام.

 

في سوريا، بعد سنوات الحرب، تمت محاولات لإعادة العلاقات الرسمية مع النظام، وسُمعت دعوات إلى عودته للنظام الدولي رغم استمرار انتهاكاته، وكأن القضية أصبحت مجرد ملف سياسي في مجلس الأمن! وفي الخليج، شهدنا التطبيع العلني مع يهود في إطار اتفاقيات أبراهام، كالإمارات والبحرين والمغرب بإدارة أمريكية واضحة.

 

ثالثا: السؤال المهم هل تطبّع السعودية رسميا قريبا؟

 

السعودية حتى الآن لم تعلن تطبيعا رسميا مع كيان يهود، لكنها فتحت قنوات تعاون غير معلنة، وسمحت بتبادلات اقتصادية غير مباشرة وانخرطت في حوارات أمنية دولية لا تستثني حضور كيان يهود.

 

التطبيع مع سوريا والدول العربية غالبا ما يقدم كحل واقعي للتوترات، لكنّه رسالة سياسية أعمق مفادها أننا أمام عالم لا يقدر السيادة بقدر ما يقدر الاستقرار الأمني، وأن مشاريع القوى الكبرى لا تُبنى على أساس العدل أو الحقوق، بل على أساس المصالح، وأن الشعوب تضحي في كثير من الأحيان لمنح صفقات استراتيجية فرصة للحياة.

 

ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه يجعلنا نرى الكيان الغاصب كطرف مشروع في الحوارات الإقليمية، حتى إن الحديث عن التطبيع معه في سوريا لم يعد محرما في بعض الأوساط السياسية بسبب تهافت الإدارة الجديدة على إرضاء أمريكا.

 

رابعا: ماذا يعني هذا لنا؟

 

التطبيع ليس مجرد توقيع على ورق أو عناق دبلوماسي، إنه إعادة رسم المنطقة بأقل تكلفة للغرب، وبأعلى ثمن للأمة: الاعتراف بالعدو، والتراجع عن الحقوق، وتقديم تنازلات يصعب استرجاعها مستقبلا. إنه، بعبارة أخرى خيانة تقدم في زي دبلوماسي، يروَّج لها كحلول واقعية لإنهاء النزاعات.

 

التطبيع ليس سلاما، بل مرحلة متقدمة من الاستعمار، تفقد بها السيادة بالتدريج، حتى تصبح الدول مجرد وحدات إدارية تدير مصالح الاحتلال بأموال شعوبها وبأيدي أبنائها، فهل هذا إلا استعمار جديد؟!

 

خامسا: هل سيؤثر التطبيع تأثيرا خطيرا ومباشرا في عقيدة الجيل القادم؟

 

طبعا وهنا الطامة الكبرى لأن أخطر ما يهدف إليه التطبيع هو تفريغ العقيدة من جوهرها وفق منهج مدروس يعمل على تشويه مفهوم الولاء والبراء، فيجعل الولاء للحق والمظلوم أمرا سياسيا لا أهمية له فينشأ الجيل على التسامح العقدي، فلا يرى فرقا بين عدو قاتل ومظلوم يقاوم، جيل يرى التطبيع حكمة والمقاومة خرابا! سيؤمن أن الإسلام مجرد عبادات فردية، لا علاقة له بالكرامة أو السيادة أو نصرة المستضعفين فتنقطع صلته بالإسلام كمنهج ويستبدل الترفيه بالعقيدة، ويقدم الانحلال على أنه تقدُّم، ويعاد تعريف الدين ليُناسب قيم الاحتلال والتطبيع.

 

سادسا: هل التطبيع يضر بفلسطين فقط، أم يفتك بالشعوب نفسها؟

 

كثير من الناس يظن أن خطر التطبيع يقتصر على خيانة القضية الفلسطينية، لكن الحقيقة أخطر وأعمق. التطبيع يعيد تشكيل وعي الشعوب، ويغرس فيها أن الاحتلال مقبول إن كان واقعا قويا، وأن كيان يهود طرف طبيعي في المنطقة، والمقاومة إرهاب، والحوار مع المحتل نضج، فالكرامة والهوية يمكن المساومة عليهما مقابل اقتصاد، وسفر، وحفلات، أو مباريات... وهذا خطر وجودي على الشعوب، لأنه ينزع العداء من قلوب الأجيال ويحرم الأمة من مشروع نهضوي موحد ويفتح الباب لهيمنة اقتصادية وثقافية ناعمة ويطفئ جذوة الوعي بقضايا الأمة الكبرى.

 

لهذا، رفض التطبيع ليس تعاطفا مع فلسطين فقط بل هو دفاع عن كرامتك، ومستقبل وعي أولادك، وقيم أمتك كلها.

 

سابعا: هل تقبُّل الشعوب العربية لفكرة التطبيع أو الخضوع للمشاريع الغربية واحد في كل مكان؟

 

تختلف باختلاف الوعي السياسي والتاريخي؛ فمعظم الشعوب العربية التي عايشت الاحتلال أو كانت قريبة من ساحات الصراع، أكثر وعيا وخبرة برفض التطبيع. بينما في دول مثل الإمارات أو المغرب، يصنع الوعي من خلال إعلام موجه ونظام تعليمي بعيد عن القضية الفلسطينية، ما يسهل تمرير التطبيع كتطور عادي.

 

كما تلعب الحرية السياسية دورا في اختلاف ردود فعل الشعوب؛ ففي الدول التي لا تملك شعوبها هامش حرية للتعبير، يُفرض التطبيع قسرا، وتغلّفه السلطة بخطاب إنساني أو اقتصادي، ما يجعل المعارضة نادرة أو مكبوتة.

 

أما في الشعوب الحية، فحتى مع القمع، ترى مظاهرات ورفضا عاما، كما حصل في المغرب رغم الاتفاق الرسمي مع كيان يهود.

 

كما أن للدين والهوية تأثيراً على ردود فعل الشعوب؛ فالشعوب المتجذرة في هويتها الإسلامية ترى في التطبيع تنازلا عن كرامتها الدينية، وتربط المسجد الأقصى بوجودها نفسه. بينما الشعوب التي تم تفريغها ثقافيا أو إدماجها في مشاريع تقدمية غربية، قد تتقبل الفكرة كمصلحة اقتصادية أو سياسية.

 

ثامنا: هل التطبيع سيمر بسلاسة في كل مكان وينجح؟

 

لا، خصوصا في الدول التي عاشت الحروب والدمار، والتي لم تتخدر بعدُ برفاهية مزيفة، حتى مع محاولات الاختراق الثقافي، لا يزال هناك وعي متصاعد، خاصة في المناطق التي عايشت الاحتلال أو رأت خيانات الأنظمة.

 

هناك أمر مهم وهو أن الاحتكاك مع يهود سيولد الصدمة لأنه سيفضح الوجه الحقيقي للصهيوني المتغطرس عندما يختلط مع الشعوب، وسيسقط قناع السلام. سينشأ صراع طبقي وثقافي وشعور بالاستفزاز، ما قد يفجر اضطرابات داخلية في حالة وُوجِهَ التطبيع برفض شعبي واسع، فستواجهه الأنظمة بالقمع تحت مسمى التحريض، وهذا قد يولد فوضى، أو يقظة شعبية أوسع، فالتطبيع قنبلة موقوتة.

 

نستخلص أنه قد تتقبل بعض الشعوب العربية التطبيع شكليا تحت الضغط أو التضليل، لكن في العمق الشعبي يبقى الرفض قويا، وما تراه من صمت لا يعني القبول، بل في كثير من الأحيان هو قهر مكبوت بانتظار من يحركه ويقوده بوعي، وهذا يقودنا إلى:

 

تاسعا: السؤال الأكبر: ماذا لو اندلع بركان شعبي؟

 

قد يعتقد الغرب أنه قادر على احتواء الأزمات أو إدارتها، لكنه لا يملك مفتاح السيطرة على قوة الشعوب المتألمة. فالشعوب التي عانت من الاحتلال ومن قصف لا يتوقف ومن حصار اقتصادي ومن فساد الأنظمة ومن تلاعب القوى الكبرى... هذه الشعوب ليست قابلة للترويض بسهولة، فعندما يصل الغضب لمرحلة عدم الاحتمال، تنفجر الأمور فجأة، وتتغير قواعد اللعبة بالكامل.

 

قانون التاريخ يقول: عندما يشتد الظلم ويضعف الأمل، تنكسر القيود قبل أن تتوقع. وهنا تبرز قوة الوعي الذي لا يقاس بسياسات أو استراتيجيات لحظية.

 

عاشرا: هل يمكن استثمار هذا البركان لإعلان الخلافة؟

 

البركان الشعبي وحده ليس كافيا، لكن إذا توفرت عوامل البناء التالية، فإنه سيكون الدافع الحقيقي لتغيير جذري وهي:

 

توفر الرؤية الواضحة، ليس مجرد رفض للتطبيع أو الانحياز، بل مشروع بديل يستند إلى مبادئ ثابتة تحت قيادة رشيدة، قيادة موحدة، قادرة على صياغة استراتيجية سياسية وفكرية واضحة توجه القوة الشعبية بدقة، من خلال برنامج إصلاحي شامل؛ اقتصاد قوي، تعليم، عدل،... كلها عناصر تقوي مشروع الخلافة كحكم يلامس حاجة الشعوب الحقيقية.

 

والآن مع السؤال الجوهري: لماذا الخلافة هي الحل الوحيد لسند ظهر الأمة؟

 

لأن الخلافة تمثل مشروعا سياسيا قائما على العقيدة الإسلامية، لا على الجغرافيا أو المصلحة القطرية الضيقة، ولأسباب عدة ستكون وحدها القادرة على إسناد ظهر الأمة في مواجهة التطبيع وأخطر تبعاته، فالخلافة توحّد المسلمين في دولة واحدة، وتنهي التجزئة التي سهلت على الغرب تمرير التطبيع، وتحشد الطاقات البشرية والعسكرية والاقتصادية في وجه كيان يهود. وبخلاف الأنظمة المرتبطة تبعيا بالغرب، فإن الخلافة تقطع كل أشكال التبعية، ما يعني كسر اليد التي تحرك ملف التطبيع وتحرسه سياسيا واقتصاديا.

 

إن الخلافة لا تستمد شرعيتها من اعتراف دولي أو من علاقات تطبيعية، بل من بيعة الأمة، ما يجعل قرارها مستقلا، وسيادتها فعلية، تمكنها من التصدي لأي اختراق وتعيد القضية إلى أصلها، أي صراع وجود لا حدود. وهي وحدها من سيحرر فلسطين من يهود.

 

الخلافة ستعيد تشكيل وعي الأمة على أساس الإسلام، وستقضي على التطبيع الثقافي والإعلامي، وتحصن الجيل القادم من الذوبان في مشروع يستهدف عقيدتهم.

 

فالخلافة ليست مجرد نظام حكم، بل هي درع الأمة ورايتها، والمشروع الذي إن قام، لن يترك التطبيع ينخر في جسدها، بل يقتلع جذوره من الأرض والفكر والسياسة.

 

ومن ثم يأتي السؤال الأخير: إلى متى سنبقى هكذا؟ ننتظر الفرج ونحن نغلق أبوابه، ونرفض الحل رغم وضوحه؟!

 

إن الحل أمامنا، لكننا ندير له ظهورنا، ونرضى بالعذاب والذل والتطبيع والخذلان، أليس في تضحية يوم ما يستحق سعادة أمة بأكملها؟ أليس في وجع واحد خلاص من أوجاع ممتدة؟ فلنُقبل على العمل بيقين، بإيمان، بثقة بوعد الله. فلنضع أيدينا مع من صدقوا العهد، مع من يحملون مشروع الأمة حقا، مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بقيادة إمام يعيد للأمة عزتها، وينزعها من التبعية، ويقودها نحو التحرير والوحدة والنهضة.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، فلا نساوم على ديننا، ولا نبيع عزتنا ببضع مصالح دنيوية. ويقول عز وجل: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾، ففي الاستقامة والعودة إلى نهج النبوة، فرج وخير وفتح... فلنبدأ الطريق.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع