الثلاثاء، 08 شعبان 1447هـ| 2026/01/27م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هل نحن أمام معاهدة سايكس بيكو جديدة؟؟

 

أنكر الغرب لسنوات معاهدة سايكس بيكو التي قسمت بلاد المسلمين إلى دويلات بحدود مصطنعة بعد هدمه دولة الخلافة العثمانية، وهندستها على شكل يضمن مصالح الدول الاستعمارية حينها. فقامت تلك الكيانات المصممة على أسس هشة ضمنت فشلها الاقتصادي والسياسي واستمرار النفوذ الغربي في بلادنا بما يرسخ التبعية السياسية للغرب المستعمر، فقسمت بلاد الشام إلى دويلات صغيرة وأنشأت ممالك ودولاً بحدود وأعلام ووطنيات وقوميات تحمل في أحشائها بذور تقسيم جديد على أسس عرقية ومذهبية وطائفية.

 

وقد كانت لتلك المعاهدة آثار كارثية على الأمة الإسلامية، فالحدود والدول الجديدة دفع المسلمون ثمنها دماً وهزائم سياسية وثروات هائلة وآلاماً ونكباتٍ توالت على جسد الأمة حتى كادت تكسر ظهرها.

 

نكبات طالت الأمة، والفشل الذي لحق بتلك الكيانات المسماة دولاً ذاق مرارته كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية على مستواه الشخصي، فالفقر الذي طال جميع المسلمين في سائر بلاد المسلمين كان نتيجة حتمية لذلك التقسيم، إذ لا يمكن لتاجر أن يفكر بتجارة حرة مزدهرة عبر حدود مغلقة، كما لا يمكن لجيوش العاطلين عن العمل في بلاد مقزمة مسيجة بسياج سايكس بيكو أن تفكر بالعمل الحر والوظائف في ظل حدود مغلقة بين الإخوة، تحرسها جنود وممرات ومعابر وتأشيرات سفر وكأنك تسافر من قارة لقارة، وبين أمم مختلفة في مسافات مضحكة يستطيع المسافر فيها أن يصلي الفجر في عاصمة والظهر في أخرى والعصر في ثالثة... فأي دول هذه؟ وما هو الأفق لأي عمل أو استثمار أو نهضة اقتصادية أو إبداع علمي في هكذا سجون مغلقة على أهلها؟!

 

وبالمقابل لك أن تتصور الفرق بين حرية العمل والتجارة ونقل الأموال والثروات في ظل بلاد بلا حدود بين الأردن وسوريا ومصر والعراق والحجاز، وسعة الأفق للتجارة والعمالة والوظائف، والانطلاق حين تزول العقبات أمام العمل والتجارة وساحات الإبداع!

 

هذا ببساطة طبعا، وقبل الحديث عن استغلال الثروات الموجودة فعلا في هذه البلاد التي لا تنقصها الموارد البشرية واليد العاملة، فلك أن تتصور أيضا كيف لكفايات مصر وعمالتها أن تبدع حين تخرج من سجن سايكس بيكو اللعين بدون تأشيرات مذلة مضحكة مبكية لتذهب باتجاه السودان أو الشام أو الحجاز، ولك أن تتخيل التغيير الذي سيحدث إن تحرك تجار الشام، وكفايات فلسطين والأردن وغيرها من بلاد المسلمين الزاخرة بالشباب والعلماء باتجاه الحجاز والعراق واليمن وليبيا لينطلقوا في رحلة إبداع تفجر الطاقات وتنشر الازدهار والرفاه كما كان زمن الأجداد الفاتحين المحررين الدعاة العلماء!

 

لك أن تتخيل بحسرة تكاد تفقدك صوابك كيف ستغير عائدات النفط والغاز في البنى التحتية والمشاريع والاستثمارات في مصر والأردن وسوريا وتركيا والمغرب والجزائر؟! بل كيف سيتغير واقع حياة الملايين من فقراء الأمة الذين يعيشون في الخيام أو في القبور؟! وهذا كله دون الحديث عن الثروات ذاتها واستغلالها لنهضة الأمة ورفعتها.

 

ولك أن تتخيل ما هو الحال إذا استعادت الأمة إرادتها السياسية التي تضع الأمة في مكانتها التي تليق بها بوصفها أمة الوحي وصاحبة رسالة الإسلام للعالمين وتطرد المحتلين والمستعمرين من بلادنا.

 

لك أن تتصور جيش مكوناً من أبناء الأمة الإسلامية في مصر والسودان وليبيا وسوريا والعراق وغيرها من بلاد المسلمين يحمل عقيدة ومنهاج حياة يدفع الجميع للتضحية والنضال من أجل سيادة الدين ورفع راية الإسلام!!

 

يبدو الأمر مرعبا للغرب وأعوانه، أليس كذلك؟؟

 

لذلك فإن الغرب قد وضع الخطط الجديدة المنشورة وغير المنشورة لاستنساخ معاهدة سايكس بيكو جديدة، إذ كانت تلك المعاهدة القديمة اللعينة المشؤمة فعالةً لعقود في تقسيم الأمة وتركيعها والحيلولة دون نهضتها وحدتها المؤرقة للغرب.

 

فقادة الغرب يريدون الآن أن يقسم المقسم على أسس عرقية ومذهبية؛ ففي عام 2013 نشرت صحيفة نيويورك خطة جديدة تقسم ثلاث دول عربية إلى 14 دولة، حيث تم تقسيم سوريا والعراق إلى ثلاث دول لكل منها، واليمن إلى دولتين والسعودية إلى خمس دول كاملة.

 

لك أن تتصور كيف سيكون واقع الأمة إذا تم هذا التفتيت الجديد الذي يجري بعضه تحت سمع وبصر كل القادرين على التغيير من أهل القوة في الأمة الآن!

 

‏في خضم هذه الحالة لا يجب أن يغيب عن ذهنك أبدا أن أمريكا أنفقت على إعادة إعمار أوروبا كلها، نعم أوروبا كلها، بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن كانت كومة ركام ومقبرة كبيرة، أنفقت ما قيمته بسعر صرف الدولار اليوم ما يقارب 8٠0 مليار دولار فقط في ظل أن حكام الخليج قدموا نحو أربعة تريليونات دولار لترامب في العام الماضي، وأن قطر أنفقت على مونديال العالم لكرة القدم ما يفوق 164 مليار دولار، لك أن تخيل عزيزي القارئ النتيجة لو أن هذه الأموال أنفقت على بلاد المسلمين!!

 

إن قضية الأمة ليست في الثروات أو الأموال، بل في القرار السياسي وعودة هذه الكيانات المصنعة الفاشلة في دولة واحدة تملك ثرواتها وسيادتها، حيث لا فقر ولا ذل ولا لجوء ولا احتلال ولا هموم جاثمة على صدور الناس في الليل وفي النهار.

 

إن التشبث بحدود هذه الكيانات ندفع ثمنه دماً وذلاً وفقراً واحتلالاً، وإن أي دعوة لاستدامة هذه الحدود هو تمهيد للتقسيم الجديد، ودعوة لتشرذم قادم، وإن أي مشروع تحت مسميات وطنية أو قومية أو طائفية أو مذهبية يستند إلى ما خطه المستعمر من حدود هو انتحار سياسي وعمالة للغرب بسوء نية أو بحسنها، فلا خلاص من هذه الدائرة الكارثية على الأمة إلا بسقوط هذه الحدود من أدمغة المسلمين أولاً، وعلى أرضهم ثانياً، ولا قيامة لهذه الأمة الكريمة العظيمة بدينها إلا بدولة واحدة، هي الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تلم شتاتها وتعود بها أمة واحدة بلا حدود مصطنعة، وبرسالة رحمة ونور للبشرية جمعاء.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله العمري

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع