- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الحقيقة بين صعود الذهب وهبوطه
للدولار مسار غير قابل للدعم وهو بالتالي لن يحافظ على ديمومته
عنون موقع Investing.com الإلكتروني فجر الأحد 01 شباط/فبراير الجاري عن هبوط سعر أونصة الذهب - 31.1 جم عيار 24 قيراط - من 5600 دولار إلى 5300 دولار. ثم تلاه بعناوين تصب في الاتجاه نفسه، من مثل "هل انخفاض الذهب بداية لانعكاس المسار؟" و"المضاربون الصينيون مهدوا الطريق لانهيار أسعار الذهب والفضة" و"تقلبات أسعار الفضة لم تشهدها الأسواق منذ نصف قرن" و"مزاد توقعات الذهب: أرقام جنونية - اعرف الحقيقة حتى لا تخدعك الأرقام البراقة" و"الذهب والصعود المشروط - إليك سيناريو تحول المسار"، و"الذهب قد ينهار 99.9% في أسوأ سيناريو، وفقاً لهذا الاستراتيجي". عكس رغبة من يملكونها في الدفع بأسعار الذهب إلى التراجع والسقوط أشبه بالسقوط الحر.
في الوقت الذي يتمسك اقتصاديون ومحللون اقتصاديون ومتابعون شغوفون آخرون بقدرة الذهب على التفوق والسيادة على الأوراق النقدية وخاصة الدولار "عمود الاقتصاد الرأسمالي"، لما للبون الشاسع في المقارنة بين ورقة نقدية والذهب، فإلى أين يتجه الذهب في هذه الأخبار المتضاربة؟
وللإجابة على هذا يجب إلقاء لمحة سريعة على مسيرة التعامل بالذهب في الفترة الممتدة من شهر نيسان/أبريل 2025م حين قفز فيها سعر أونصة الذهب إلى معدل 3500 دولار، وحتى يوم الجمعة 30 كانون الثاني/يناير 2026م، حين هبط سعر أونصة الذهب من 5600 دولار إلى 5300 دولار.
حقيقة الأمر أن أسعار الذهب شكّلت تهديداً حقيقياً لتدهور الدولار والخوف من انهياره، إذ معه ينهار النظام المالي العالمي والنظام الاقتصادي الرأسمالي. ما جعل الإدارة الأمريكية تقوم بعملين: الأول اجتماع السياسة النقدية الأمريكية الذي استمر يومين وانتهى يوم الأربعاء 28 كانون الثاني/يناير المنصرم، والثاني تسمية الرئيس ترامب يوم هبوط أسعار الذهب الجمعة 30 كانون الثاني/يناير 2026م لكيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي بدلاً عن سلفه جيروم باول.
أما اجتماع مناقشة السياسة النقدية الأمريكية فقد جاء لوضع حد للزيادة المضطردة لسعر الذهب، ومحاولة مكشوفة لإيقاف انهيار الدولار. وبناء على هذا الاجتماع تمت تسمية المرشح الجديد لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، خلفاً لجيروم باول.
يعد تعيين ترامب لكيفن وارش باعتباره من المجازفين "الصقور"، الذي يوافق ترامب على توجهاته السياسية ورغبته في خفض سعر الربا. فهل لم يقم سلفه بأول بخفض نسبة الربا؟ بلى فعل، وتم خفضها ثلاث مرات عام 2025، فماذا كانت النتيجة؟ استمرت أسعار الذهب بالارتفاع!
إن سلاحا الاحتياطي الفيدرالي لمنع انهيار الدولار ومعه النظام المالي العالمي محدودان، أحدهما: طباعة أوراق نقدية جديدة، ما يؤدي إلى التضخم. والآخر هو خفض معدلات الربا قصيرة الأجل، ما يؤدي إلى الانكماش والركود وتعطيل الأعمال وارتفاع معدلات البطالة، وهبوط معدلات النمو الاقتصادي، والتسليف من دون حساب. وقد انتهجت هذه السياسة خلال الأزمة الاقتصادية عام 2008م من عهد رئيس الاحتياطي الفيدرالي برنانكي في عام 2007م، فهي كالمخدر للألم، سرعان ما يزول أثره ويبقى الألم.
إن تعيين كيفن وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي يلمح إلى موافقته على تدخلات ترامب السياسية بغية إحداث تصحيح اقتصادي ميؤوس منه يبقي على الدولار ويمنع انهياره وانهيار المنظومة المالية العالمية.
ولنستمع إلى الاقتصادي والخبير المالي جيمس ريكاردس حين قال "فمنظومة السياسة المالية والسياسة النقدية والعمل المصرفي وإدارة المخاطر كانت برمتها فاسدة فكرياً ومخادعة، ولا تزال العيوب مستمرة إلى اليوم".
من ناحية أخرى عادت أسعار الذهب في الارتفاع مجدداً بعد هبوط دام لثلاثة أيام، ما يعني أن هبوط أسعار الذهب لم يكن حقيقياً، بل مصطنعاً بتأثير عوامل اقتصادية عدة فحسب، وأن تقوية الدولار هي المؤقتة وقصيرة الأجل، وسرعان ما سيعود الناس بعدها إلى التداولات المفضلة في الأسواق نحو شراء الذهب، لا الموجهة إلى غيره من سندات الخزانة الأمريكية وأسهم الشركات المساهمة.
إن بلوغ أونصة الذهب 5000 دولار، في حين كانت تساوي 35 دولارا يعني ببساطة تراجع قيمة الدولار أمام الذهب تقريباً 143 ضعفا، ما يعني تآكل أموال المدّخرين. فكيف سيتعافى الدولار بعد هذا كله ويتراجع سعر الذهب؟! ضربٌ من المستحيل.
إن البنوك المركزية حول العالم، منذ انزياح الأزمة الاقتصادية عام 2008م وحتى اللحظة قد باشرت بتبديل 15 - 20% من كتلتها النقدية إلى ذهب، وقد زادت حصتها منه إلى 30% من كتلتها النقدية. وأقدمت صناديق التداول والمستثمرون بالفعل نفسه. هكذا عاد الناس لمزاولة الاقتصاد الحقيقي، مبتعدين عن الاقتصاد الوهمي في سندات الخزانة الأمريكية وأسهم الشركات في الأسواق المالية، بتطبيقاتها الفيزيائية للمؤشرات والعوامل الاقتصادية.
أصبحت مهمة الدفاع عن الدولار واستبعاد انهياره، هي المعضلة الأساسية التي يدور حولها خبراء الاقتصاد والمال والاستخبارات والبنتاغون...الخ، مستخدمين كل قواهم العقلية السوية وغير السوية، وهنا مكمن الانهيار! لأنهم استبعدوا كل قيم ومعاني الخير، وداسوها بالأحذية، نظير حلم بقاء سيطرتهم على العالم إلى الأبد. فسينتهون من حيث لا يحتسبون، كما لم يحتسب قارون أن نهايته هو وأمواله التي حرص على جمعها، وفتن الناس بكثرتها وزينته، وداره الخسف.
وعندما تعيد دولة الخلافة التعامل المالي على أساس الذهب، ستذهب بكل المخططات والسيناريوهات إلى غير رجعة.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس شفيق خميس – ولاية اليمن



