الإثنين، 06 رمضان 1447هـ| 2026/02/23م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثانية

لا مساومة على المبدأ

 

حين شعرت قريش أن الدعوة لم تعد مجرد كلمات تُتلى في زوايا مكة، بل مشروعاً يُعيد تشكيل العقول والولاءات، لم تلجأ فوراً إلى السيف، لم تبدأ بالسجون ولا بالتعذيب الشامل، بدأت بما هو أخطر: المساومة. عرضوا المال حتى يكون النبي ﷺ أغناهم، وعرضوا الجاه حتى يكون سيدهم، بل عرضوا الملك صراحة. ثم طرحوا صيغة تبدو "عقلانية" بلغة السياسة: نعبد إلهك عاماً وتعبد آلهتنا عاماً؛ تعايش مرحلي، حل وسط، تهدئة متبادلة.

 

ظاهرياً، قد يبدو العرض ذكياً؛ يُخفف التوتر، يوقف الصدام، ويمنح الدعوة مساحة حركة. لكن في حقيقته كان يُفرغ الرسالة من جوهرها؛ لأن المسألة لم تكن خلافاً على تفاصيل شعائر، بل على مصدر السيادة والتشريع؛ هل يُعبد الله وحده بلا شريك، أم تُقسَّم الطاعة بين الحق والباطل؟ هل تكون المرجعية للوحي، أم تُخلط بالهوى والعرف السائد؟

 

الجواب جاء حاسماً، لا لبس فيه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾. سورة قصيرة، لكنها إعلان براءة فكرية وسياسية كاملة. ليست سبّاً، ولا انفعالاً، بل تحديد واضح للحدود: لا التقاء في أصل العقيدة، ولا مساومة على جوهر المشروع.

 

النبي ﷺ لم يرفض العرض لأنه متشدد بطبعه، بل لأنه يدرك أن أي تنازل في الأساس يهدم البناء كله. لو قبل عبادة الأصنام عاما، لانهارت العقيدة كفكرة ومعنى ومفهوم. ولو قبل شراكة رمزية، لتحول الإسلام إلى ديانة ضمن ديانات، لا مشروعاً يقلب ميزان القيم. كانت لحظة فارقة بين دعوة تريد أن تغيّر الواقع، ودعوة تُعيد تدوير الواقع نفسه بعبارات جديدة.

 

هذا الموقف يكشف قانوناً ثابتاً في مسار التغيير: حين يعجز الخصم عن الإطفاء بالقوة، يحاول الاحتواء بالتسوية. المساومة ليست دائماً دليل ضعف، بل أحياناً هي أخطر أساليب الإجهاض، لأن القمع يولّد وضوحاً، أما الحلول الوسط فتُنتج ضباباً، ومع الضباب تضيع المعايير.

 

إذا نظرنا إلى واقعنا، نجد أن منطق "الحل الوسط" حاضر بقوة. يُقال: خففوا من خطابكم ليُقبل عالمياً. عدّلوا المفاهيم حتى تنسجم مع النظام السائد. اتركوا بعض الأحكام جانباً مراعاةً للمرحلة. اجعلوا الدين مساحة روحية خاصة، واتركوا السياسة لقواعد اللعبة القائمة. تُقدَّم التنازلات باسم الحكمة، وتُسوَّق باعتبارها واقعية سياسية.

 

لكن السؤال الجوهري: واقعية مع ماذا؟ مع موازين قوى مؤقتة؟ أم مع سنن ثابتة في التغيير؟ السيرة تُظهر أن الواقعية النبوية لم تكن خضوعاً للميزان القائم، بل قراءة عميقة له دون الذوبان فيه. النبي ﷺ لم يصطدم بلا حساب، لكنه أيضاً لم يُعدّل جوهر الرسالة ليكسب قبولاً مرحلياً. رفض المساومة على الأصل، وقَبِل إدارة التفاصيل بمرونة. وهذا فرق دقيق لكنه حاسم.

 

المشكلة حين يُخلط بين الثوابت والمتغيرات. الثابت هو العقيدة ومصدر التشريع وهوية المشروع. والمتغير هو الأسلوب والتوقيت والوسيلة. في مكة، لم يُؤذن بالقتال رغم الأذى الشديد. لكن لم يُقبل أي تنازل عقدي، رغم الإغراء الكبير. هذا التوازن هو الذي حفظ نقاء الفكرة، وأتاح لها لاحقاً أن تتحول إلى دولة في المدينة.

 

في واقع اليوم، كثير من الإشكالات تنشأ من قلب المعادلة: تُمسّ الثوابت باسم الواقعية، بينما يُتشدّد في المتغيرات بلا فقه. يُعاد تعريف المفاهيم الكبرى لتلائم السياق الدولي، ثم يُقال إن هذا اجتهاد مرحلي. لكن الحقيقية الشرعية والتجربة التاريخية تقول إن المشروع إذا فقد روحه، لن تعيده إليه مكاسب سياسية مؤقتة.

 

سورة الكافرون ليست دعوة للعداء الدائم، بل ترسيم للهوية. ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ليس اعتزالاً للعالم، بل وضوحاً في المرجعية. يمكن أن نتعامل، نتاجر، بل ونعقد عهوداً كما حدث لاحقاً في المدينة، لكن دون خلط في الأساس العقدي. هذا هو الفرق بين التعامل وبين الذوبان.

 

رمضان، بما يحمله من صفاء روحي، يعيد طرح هذا السؤال: كم مرة نبحث عن "حل وسط" بين طاعة وهوى؟ بين قناعة وضغط مجتمعي؟ بين مبدأ ومصلحة آنية؟ المساومة تبدأ صغيرة في النفس، ثم تكبر في الواقع العام. وإذا اعتاد الفرد أن يُجزّئ التزامه، اعتادت الأمة أن تُجزّئ مشروعها.

 

الدرس العميق من تلك الفترة المكية أن المشروع الذي يريد أن يغيّر العالم لا يمكن أن يبدأ بتقديم أوراق اعتماده للواقع القائم. بل يبدأ بتحديد هويته بوضوح، ثم يتحرك بثبات وصبر. قد يبدو الطريق أطول، لكن نتيجته أرسخ. أما الطريق المختصر عبر التنازلات، فغالباً ما ينتهي إلى طريق مسدود.

 

بين عرض قريش المغري، وجواب الوحي الحاسم، تتحدد معادلة النهضة؛ وضوح في الأصل، ومرونة في الوسيلة في حدود ما أباحه الشرع. ومن دون هذا الوضوح، يتحول أي مشروع إلى نسخة باهتة من غيره، مهما كانت شعاراته براقة.

 

لهذا كان ثبات النبي ﷺ وصحبه نوراً على درب كل من يسير في طريق النهوض حتى يعيد ما أقامه النبي أول مرة من جديد في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع