- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الثالثة
الإسلام دين حكم لا وعظ فقط
يُراد للإسلام في واقعنا أن يبقى حبيس المساجد، محصوراً في زاوية الوعظ الفردي، منفصلاً عن الحكم والسياسة والاقتصاد. يُراد له أن يكون علاقة روحية خاصة بين العبد وربه، لا تتجاوز حدود الصلاة والصوم والأخلاق الشخصية. لكن هذا التصور ليس من طبيعة الإسلام الذي نزل به الوحي، بل هو اقتطاع لجزء منه وترك جوهره.
فالقرآن لم يقتصر على آيات تزكية القلوب، بل فيه أيضاً تشريع البيع والربا، وأحكام القضاء، وتنظيم العلاقات الدولية، وأحكام الجهاد والسلم، وقواعد الحكم والشورى والمحاسبة. بل إن عدد الآيات المتعلقة بالأحكام العملية يفوق بكثير ما يتعلق بالعبادات المحضة. وهذا يدل على أن الإسلام جاء لينظم الحياة، لا ليكون مجرد تجربة روحية.
عندما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، أقام مجتمعاً ودولة. كتب صحيفة المدينة (الدستور) وعين شكل الدولة، ونظم العلاقات بين مكونات المجتمع، وعقد المعاهدات، وأرسل الرسل، وقاد الجيوش، وعيّن القضاة والولاة، وجبى الزكاة، وأنفق على الفقراء من بيت المال. هذا كله جزء من سنته الثابتة المعلومة في كتب السيرة الموثوقة.
فإذا قيل اليوم إن الإسلام لا علاقة له بالحكم، فإن ذلك يصطدم مباشرة بالوقائع التاريخية الثابتة من سيرة النبي ﷺ والخلفاء من بعده.
خذ مثالاً من واقع مصر المعاصر: الناس يصلون ويصومون، المساجد ممتلئة في رمضان، حلقات القرآن قائمة، لكن في الوقت نفسه تُدار المنظومة الاقتصادية على أساس ربوي، وتُبنى الموازنات على القروض، وتُسن القوانين بعيداً عن الشرع. ما يظهر التناقض بوضوح: تدين في الشعائر، وأزمة في النظام العام.
هذا الانفصال يخلق حالة ازدواجية في الوعي؛ فالفرد يشعر أن الإسلام أخلاق شخصية فقط، بينما السياسة والاقتصاد مجالات أخرى لها قوانين مختلفة. والنتيجة أن المسلم يعيش بشخصيتين: شخصية عابدة في المسجد، وشخصية متكيّفة مع نظام لا يستمد أحكامه من عقيدته.
لو نظرنا إلى مسألة الربا مثلاً، نجد أنها من أوضح المحرمات بنص القرآن: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ومع ذلك، فإن البنية المالية في معظم بلاد المسلمين قائمة على ربا البنوك. هذا ليس خللاً فردياً، بل خلل في النظام نفسه. فالموظف في بنك ربوي قد يكون رجلاً صالحاً يصلي ويصوم، لكن الإطار الذي يعمل داخله إطار غير منضبط بالحكم الشرعي. هنا يتبين أن المشكلة ليست في أخلاق الأفراد بقدر ما هي في طبيعة النظام العام. وأن الأزمة الحقيقية ليست في تعاطي الربا مع كونه كبيرة ولا حتى في تعاطي أي من المحرمات التي تبيحها الدولة وترعاها، وإنما في الترخيص لها وحمايتها، بل وربما إجبار الناس على تعاطيها، أي تشريعها مع كونها محرمة.
في السياسة كذلك، الإسلام لم يترك الحكم بلا ضوابط. فقد أوجب المحاسبة، وجعل الأمة مسؤولة عن مراقبة الحاكم. قال ﷺ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». هذا الحديث يدل على أن محاسبة الحكام ليست عملاً مذموما ولا من خارج الدين، بل واجب أصيل يأثم تاركه.
لكن حين يُختزل الإسلام في العبادات الفردية، تُصبح السياسة "مجالاً دنيوياً" لا علاقة له بالتكليف الشرعي، ويُنظر إلى المطالبة بالعدل أو تغيير السياسات الجائرة كأنه شأن حزبي لا ديني. وهنا يُفرغ الإسلام من بُعده الحضاري وتفرغ العقيدة من كونها عقيدة عملية سياسية.
مفهوم الدولة في التاريخ الإسلامي لم يكن كياناً علمانياً يدير شؤون الدنيا فقط، بل كان جهازاً لتنفيذ أحكام الإسلام في الواقع. القاضي يحكم بالإسلام، والوالي يُلزم الناس بالأنظمة المنبثقة عن النصوص، والخليفة يُسأل أمام الأمة عن تطبيقه للشرع. هذه صورة مغايرة تماماً لما يُراد اليوم من حصر الإسلام في نطاق الفرد.
قد يُقال إن الزمن تغير، وإن الدولة الحديثة لها تعقيداتها. وهذا صحيح من حيث الوسائل، لكن من حيث أساس الدولة والنظام الذي يطبق فيها ودستورها وقوانينها، يبقى السؤال قائماً: من أين تُستمد القوانين؟ من إرادة بشرية مطلقة؟ أم من نصوص يُعتقد أنها وحي من الله؟ هنا جوهر الخلاف الفكري.
إن فصل الإسلام عن الحكم لا ينعكس فقط على القوانين، بل على الشعور العام بالكرامة والسيادة. حين تُدار شؤون البلاد وفق نظام فكري غربي، يفقد المجتمع ثقته بمرجعيته الذاتية. أما حين تكون العقيدة التي يؤمن بها الناس هي نفسها مصدر النظام العام، يوجد الانسجام الداخلي.
رمضان يكشف هذا الخلل بوضوح. في هذا الشهر، تلتزم الدولة نفسها - ولو شكلياً - ببعض مظاهر الاحترام للشعائر: تخفيف ساعات العمل، بث البرامج الدينية، الحديث عن القيم. لكن بعد انقضائه، تعود الحياة إلى مسار منفصل عن تلك الروح. وكأن رمضان استثناء، لا قاعدة!
الإسلام، دين شامل، ينظم علاقة الإنسان بربه في العبادات، وينظم علاقته بنفسه في الأخلاق، وينظم علاقته بغيره في المعاملات، وينظم علاقة الأفراد والمجتمع بالدولة والدولة بغيرها من الدول عبر نظام حكم محدد المعالم حكم بلاد المسلمين ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا من الزمان.
المشكلة الآن في طبيعة الإطار الذي تُدار فيه الحياة. فإذا بقي الإسلام محصوراً في المسجد، فستظل الفجوة قائمة بين الإيمان والواقع. أما إذا نُظر إليه كمنهج حياة شامل، فإن النقاش سيتحول من "هل نصلي ونصوم؟" إلى "كيف نُنظّم حياتنا كلها وفق ما نعتقده حقاً؟".
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس في زيادة مظاهر التدين الفردي فحسب، بل في إعادة التفكير في العلاقة بين العقيدة والنظام العام، بين الإيمان والتشريع، بين المسجد وأجهزة الدولة وأركانها.
ذلك هو السؤال الذي يطرحه رمضان كل عام، ويظل معلقاً حتى يُجاب عنه في واقع الناس، لا في كلماتهم فقط.
متى يسود الإسلام من جديد؟ متى تقام دولة الإسلام الرائدة؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؟
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



