- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة التاسعة
بناء المسجد مركز الدولة
حين وصل النبي ﷺ إلى المدينة، لم يبدأ ببناء قصر للحكم، ولا بيت واسع خاص به، بل بدأ ببناء المسجد. قد يمر هذا المشهد في كتب السيرة سريعاً، لكنه في الحقيقة بيان أن مركز الدولة ليس القصور، ولا الدواوين المغلقة، بل مكان تُبنى فيه الصلة بالله، وتُدار منه شؤون الناس في آن واحد. المسجد لم يكن زاوية روحية على هامش الحياة، بل كان قلب الكيان السياسي الجديد.
في ذلك البناء البسيط من اللبن وجذوع النخل، كانت تُعقد الألوية وتنطلق الجيوش، وتُستقبل الوفود، وتخرج الرسل، وتُدار المشاورات العسكرية، وتُفصل الخصومات، وتُتلى آيات القرآن، ويُعلَّم الناس دينهم. كان المسجد جامعةً، ومجلسا، ومقر قيادة، وقاعة محكمة. لم يكن هناك فصل بين الدين والسياسة، لأن الإسلام بطبيعته لا يعرف هذا الانقسام. العبادة فيه ليست طقساً منفصلاً عن الحكم، بل هي روح تحكم مسار الدولة كلها.
هذا التأسيس يحمل رسالة واضحة: إن أي مشروع نهضوي يبدأ من العقيدة التي انبثق عنها والسيادة المترتبة عليها، من تحديد مصدر التوجيه والقيم. حين يكون المسجد هو المركز، فالمعنى أن التشريع والقرار والسياسة تنطلق من ميزان الوحي، لا من أهواء البشر ولا من ضغوط القوى النافذة. لم يكن المسجد مجرد رمز، بل كان مقرا ومركزا عمليا تُدار فيه شؤون الدولة على أساس الإسلام.
في المقابل، إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، نجد أن الصورة انعكست. القصور الرئاسية الشاهقة، والمباني الحكومية الضخمة، والوزارات المترامية الأطراف، هي مراكز القرار. أما المساجد فغالباً ما حُصرت في وظيفة الوعظ والطقوس. يُسمح لها بالكلام عن الأخلاق الفردية، لكن تُمنع من الاقتراب من قضايا الحكم والاقتصاد والسياسة العامة. أصبح الدين كما يريده الغرب "ملحقاً" بالحياة، لا موجِّهاً لها.
هذا الفصل لم يأتِ صدفة، بل هو نتيجة فلسفة ترى أن إدارة الدولة شأن بشري صرف، لا علاقة له بالوحي. لكن ما فعله النبي ﷺ في المدينة عكس ذلك تماماً: حين كان المسجد مركز الدولة، لم يؤدِّ ذلك إلى فوضى، بل إلى بناء مجتمع متماسك، يعرف أساسه ويتمتع بسيادته ويثق في عدله. كان الحاكم يُخاطب الناس مباشرة، بلا حواجز طبقية، ويُحاسَب أمامهم. لم يكن هناك انفصال بين السلطان والأمة.
بساطة المسجد نفسها كانت رسالة سياسية. لم يكن الحكم في الإسلام قائماً على إبهار الناس بالمظاهر، بل على تحقيق العدل ورعاية الشؤون. اليوم تُنفق مليارات على مقار فاخرة ومشاريع استعراضية، بينما يعاني الناس من أزمات معيشية خانقة. الأولويات اختلت، لأن المركز لم يعد القيم، بل الصورة.
حين يُفصل الدين عن الحكم، لا يبقى المسجد إلا مبنى تُؤدى فيه الصلاة، وتتحول الدولة إلى جهاز إداري تحكمه حسابات المصلحة المادية المجردة. عندها تُسنّ القوانين وفق توازنات السوق، وتُدار الثروات بمنطق الربح، ويُقاس النجاح بأرقام النمو فقط، حتى لو تآكلت رعاية شؤون الناس بحق. في هذا السياق، يصبح الظلم ممكناً بل مبرراً، ما دام "قانونياً".
أما حين يكون المسجد هو المركز، فإن القرار السياسي يمر عبر ميزان الحلال والحرام، والعدل والظلم، لا عبر ميزان الربح والخسارة وحده. هذا لا يعني غياب التخطيط أو الإدارة الحديثة، بل يعني أن لهذه الإدارة سقفاً قيمياً لا تتجاوزه.
من المهم هنا أن نفهم أن بناء المسجد لم يكن خطوة رمزية معزولة، بل جزءاً من مشروع متكامل: مؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، تنظيم للعلاقات الداخلية عبر وثيقة المدينة، إعداد للجيش، وبناء للسوق المستقل. المسجد كان نقطة الانطلاق التي تتقاطع عندها كل هذه الخيوط. منه تُصاغ الرؤية، ومنه تُضبط الاتجاهات.
في واقعنا، السؤال الذي يفرض نفسه: أين موقع الإسلام اليوم من إدارة الحياة؟ هل هو أساس حقيقي في التشريع والسياسة والاقتصاد، أم مجرد هوية ثقافية تُستدعى في المناسبات؟ هل قراراتنا الكبرى تُوزن بميزان الشرع، أم بميزان المؤسسات المالية الدولية وتقارير التصنيف الائتماني؟
استحضار مشهد بناء المسجد ليس دعوة إلى الاكتفاء بإحياء الشكل، ولا إلى حصر الحل في تشييد مبانٍ أكبر. القضية أعمق من ذلك: هي إعادة ترتيب المركز. ما الذي يُوجّه الدولة؟ ما الذي يحدد أولوياتها؟ فعند التنازع لا يُحتكم إلى التوافقات السياسية، ولا إلى الأعراف المتبدلة، ولا إلى القوانين الوضعية، بل يُرجع إلى أحكام الشرع المستنبطة من أدلتها التفصيلية، لأن السيادة لله وحده، والحكم بما أنزل الله هو الفيصل في كل خصومة.
في المدينة، كان الجواب واضحاً منذ اللحظة الأولى: البداية من المسجد، من سيادة الشرع، من جعل القيم في قلب السياسة. وربما يكون هذا الدرس هو الأشد إلحاحاً اليوم؛ لأن الأزمات التي تتكرر في عالمنا ليست فقط أزمات إدارة، بل أزمات بوصلة. وحين تستقيم البوصلة، يمكن للمسار كله أن يُعاد رسمه على أسس أكثر عدلاً وثباتاً.
والبوصلة لا يحدد اتجاهها الصحيح إلا خليفة في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، القائمة قريبا بإذن الله.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



