السبت، 25 رمضان 1447هـ| 2026/03/14م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة العشرون

الأمة الواحدة وحدود سايكس بيكو

 

عاشت الأمة الإسلامية قروناً طويلة وهي تنظر إلى نفسها بوصفها أمة واحدة، يجمعها دين واحد وكتاب واحد ونبي واحد ﷺ. لم تكن الحدود السياسية بالشكل الذي نعرفه اليوم هي التي تُعرِّف الانتماء، بل كانت العقيدة هي الأساس، وكانت رابطة الإسلام هي الرابط الأقوى الذي يتقدم على كل رابطة أخرى. فالمسلم في مصر كان يشعر أن له في الشام والعراق والمغرب إخوةً وشركاء في المصير، كما يشعر أن له في مدينته وأهله.

 

لكن مع دخول العصر الحديث، وخصوصاً بعد ضعف الدولة الجامعة للمسلمين، فُرضت حدود سياسية جديدة، ورُسمت خطوط على الخرائط لم تكن موجودة من قبل. هذه الخطوط لم تكن مجرد تنظيم إداري، بل جعلت الأمة مناطق نفوذ للغرب المستعمر، وتحولت مع الوقت إلى هويات منفصلة، وصار كل قطر يُقدَّم على أنه كيان مستقل بمصالحه الخاصة وأولوياته، حتى لو تعارضت مع مصالح بقية المسلمين.

 

أصبحنا نسمع تعبيرات مثل "الشأن الداخلي" و"السيادة الوطنية" و"القضايا الخارجية"، حتى في أمور تمسّ مسلمين في بقاع أخرى من العالم. فإذا وقع ظلم على شعب مسلم في بلد ما، يُنظر إليه أحياناً على أنه قضية تخص ذلك البلد وحده، لا قضية أمة كاملة. وهنا يتغير ميزان الشعور: بدل أن يكون الألم مشتركاً، يصبح محدوداً بحدود جغرافية.

 

في مصر مثلاً، كما في غيرها من البلدان، يُقدَّم مفهوم "المصلحة الوطنية" بمعناه الضيق على أي اعتبار آخر. فإذا تعارضت مصلحة قطرية مع مصلحة أوسع تخص المسلمين في بلد آخر، يُقال إن الأولوية لما يخدم حدود الدولة الحالية. ومع الوقت، تتراجع فكرة الانتماء للأمة الجامعة، ويكبر الشعور بالانتماء القُطري فقط.

 

لكن إذا رجعنا إلى النصوص الشرعية، نجد أن الإسلام تحدث عن المسلمين بوصفهم أمة واحدة. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. وهذه النصوص لا تتحدث عن أخوة عاطفية فقط، بل عن رابطة عملية لها آثارها في النصرة والتعاون.

 

ومن السنة، قول النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». هذا الحديث يصور الأمة كجسد واحد، لا كأجساد متجاورة منفصلة. فإذا تألم جزء، تألم الكل، وإذا احتاج جزء، تحركت بقية الأجزاء لنصرته.

 

تاريخياً، كانت هذه المعاني حاضرة في واقع المسلمين بدرجات متفاوتة. فعندما كانت تقع مجاعة في إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية، كانت الموارد تُنقل من أقاليم أخرى. وعندما كان يتعرض جزء من بلاد المسلمين لعدوان، كانت الجيوش تتحرك من أماكن بعيدة لنصرته، لا لأن بينهم اتفاقيات سياسية، بل لأنهم أمة واحدة.

 

أما اليوم، فقد أصبح التنقل بين بلاد المسلمين يحتاج إلى تأشيرات وجوازات، وأصبح التعاون مشروطاً باتفاقيات دولية، وأحياناً بضغوط خارجية. بل إن بعض النزاعات بين بلدان ذات غالبية مسلمة تُدار بمنطق المصالح الضيقة، وكأن رابطة العقيدة لا وجود لها في الحسابات السياسية!

 

رمضان، حين يأتي كل عام، يذكّر المسلمين بصورة عملية بوحدتهم. فالشهر يبدأ في وقت واحد وهلال واحد والصيام يبدأ في وقت متقارب، والإفطار في وقت متقارب، والقرآن واحد ويُتلى في كل المساجد من شرق الأرض إلى غربها، والدعاء واحد، والقبلة واحدة. في هذا الشهر يشعر المسلم في أي بلد أنه جزء من مشهد عالمي كبير، تتكرر فيه الشعائر والعبادات والمعاني نفسها.

 

هذا الإحساس ليس مجرد شعور عابر، بل يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة التفكير في معنى الأمة. فإذا كانت العبادة توحِّدنا، فلماذا لا يكون الشعور بالمسؤولية موحِّداً كذلك؟ وإذا كان الألم في بلد بعيد يحرك مشاعرنا، فلماذا لا يتحول إلى وعي أعمق بوحدة المصير؟

 

الحديث عن وحدة الأمة ليس حديثاً عاطفياً أو حنيناً إلى الماضي فقط، بل هو نقاش حول طبيعة الولاء وأولوياته. هل تُختزل هوية المسلم في حدود سياسية رُسمت حديثاً؟ أم أن هناك رابطة أوسع وأعمق ينبغي أن تبقى حاضرة في الوعي؟

 

إن استعادة معنى الأمة لا تعني إلغاء الواقع القائم دفعة واحدة، لكنها تبدأ بإحياء الفكرة في العقول والقلوب بأن المسلمين، مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم وأوطانهم، يشتركون في عقيدة واحدة، وفي كتاب واحد، وفي تاريخ مشترك، وفي آمال وآلام متشابهة.

 

وحين يُعاد إحياء هذا المعنى، يصبح النظر إلى قضايا المسلمين نظرة مختلفة: لا كملفات خارجية، بل كأجزاء من مسؤولية الأمة. عندها لا تكون وحدة الأمة مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل مبدأ يُفكَّر فيه بجدية، ويُبحث في سبل تحقيقه على أرض الواقع، وفق ما ينسجم مع أحكام الإسلام ومقاصده.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع