الأحد، 11 شوال 1447هـ| 2026/03/29م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الخامسة والثلاثون

تجسّد الوعد في دولة

محمد الفاتح من البشارة إلى إقامة سلطان الإسلام

 

 

روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ». لم يكن هذا الحديث الشريف مجرد خبر عن واقعة مستقبلية، بل توجيهاً عملياً للأمة بأن الوعد الإلهي لا يتحقق بالأماني، وإنما بإقامة كيان سياسي يحمل الإسلام ويعمل لتحقيق مقاصده. وقد تجسد هذا المعنى حين فتح محمد الفاتح مدينة القسطنطينية سنة 857هـ/1453م، فتحاً لم يكن إنجازاً عسكرياً فحسب، بل ثمرة دولة قائمة وسلطان جامع.

 

لقد تعاقبت على محاولة فتح القسطنطينية جيوش كثيرة منذ العصر الأموي، لكنها لم تُكتب لها النهاية الحاسمة. لم يكن السبب ضعف الإخلاص أو غياب الشجاعة، بل عدم اكتمال الشروط السياسية والعسكرية التي تجعل الفتح ممكناً. فالمدينة كانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، محصنة بأسوار منيعة، ومدعومة بعمق سياسي وعسكري. ولم يكن إسقاطها أمراً يتأتى بهجوم عابر، بل بقرار دولة تملك رؤية استراتيجية ونفساً طويلاً.

 

الدولة العثمانية في عهد محمد الفاتح لم تكن مجرد قوة إقليمية تبحث عن توسع، بل كانت كياناً سياسياً يقوم على الإسلام، ويجعل من حمل الدعوة والجهاد جزءاً من سياسته الخارجية. كان السلطان يملك القرار، والجيش منظماً تحت طاعته، والرعية ملتفة حول مشروع واضح. وهذا ما يبرز حقيقة أساسية: الأعمال العظمى في تاريخ المسلمين لم تصنعها مبادرات فردية أو حركات مشتتة، بل صنعتها دولة ذات سلطان نافذ.

 

لم يعتمد محمد الفاتح على الحماسة وحدها، بل أعدّ العدة إعداداً دقيقاً. طوّر المدافع الضخمة التي أحدثت ثغرات في الأسوار، وبنى قلعة روملي حصار للسيطرة على مضيق البوسفور وقطع الإمدادات، ونظم جيشاً منضبطاً قادراً على الصبر في حصار طويل. وعندما أغلقت السلاسل الحديدية مدخل القرن الذهبي، لم يعتبرها نهاية الطريق، بل نقل السفن براً في خطوة عسكرية جريئة، جسدت الجمع بين الجرأة والتخطيط.

 

غير أن جوهر الفتح لم يكن في التقنية العسكرية، بل في وجود دولة تجعل السيادة للشرع، وتتحرك وفق أحكامه. فالجيش الذي مدحه النبي ﷺ لم يكن جيش عصبية أو قومية، بل جيش دولة إسلامية يقاتل تحت راية واضحة. كان الفتح امتداداً لسياسة دولة ترى نفسها مسؤولة عن تبليغ رسالة الإسلام، لا مجرد توسيع حدود جغرافية.

 

وعندما دخلت الجيوش المدينة، لم يتحول النصر إلى فوضى. أمّن الفاتح السكان، وأبقى على كنائسهم، ومنحهم الأمن في العبادة ضمن أحكام الإسلام، ثم حوّل المدينة إلى عاصمة جديدة صارت لاحقاً مركزاً سياسياً وحضارياً للبلاد الإسلامية. هذا السلوك يعكس طبيعة الحكم في الإسلام: الفتح ليس تدميراً، بل نقل للناس من نظام إلى نظام، ومن سلطان إلى سلطان، يحقق العدل ويرعى الشؤون.

 

الدرس العميق هنا أن الوعد الإلهي لا يتحقق في فراغ سياسي. العقيدة هي الدافع، لكن الدولة هي الأداة. فإذا غابت الدولة الجامعة، بقيت النصوص حاضرة في الذاكرة، غائبة في الواقع. أما إذا قامت دولة مبدئية، توحد الأمة تحت إمام واحد، وتوجه الطاقات وفق مشروع واضح، فإن الإمبراطوريات الكبرى ليست عصية على التغيير.

 

واقع المسلمين اليوم يكشف حجم الفجوة بين نموذج الفتح وواقع التمزق. الأمة موزعة على عشرات الكيانات القطرية، لكل منها سياساته وتحالفاته، وكلها مرتهن لإرادة الغرب التي تقيد قراره. في ظل هذا التشرذم، يصبح الحديث عن إنجازات كبرى حديثاً نظرياً، لأن القرار السياسي ليس موحداً ولا موجودا أصلا، ولا السيادة للشرع في الحكم، ولا المشروع جامعاً للأمة.

 

فتح القسطنطينية يبيّن أن القوة ليست في العدد المجرد، بل في وحدة السلطان. حين يكون للأمة إمام واحد، وجيش واحد، وسياسة خارجية واحدة على أساس الإسلام، تتحول طاقاتها إلى قوة مؤثرة. أما حين تتجزأ، فإن كثرة الموارد والجيوش لا تنتج أثراً استراتيجياً حاسماً.

 

كما أن الحدث يرسّخ أن النهضة ليست انفعالاً عاطفياً، بل مشروع سياسي متكامل. محمد الفاتح لم ينتظر معجزة، بل عمل ضمن دولة قائمة، واستثمر أجهزتها، وأدار مواردها، وخطط بعقلية استراتيجية. هكذا تتحول البشارة إلى واقع، وهكذا يصبح التاريخ صناعة بشرية منضبطة بالوحي.

 

إن استحضار هذا الفتح ليس للتغني بماضٍ مجيد، بل لاستلهام سنّة ثابتة؛ إقامة سلطان الإسلام في دولة جامعة هو الطريق لتحويل العقيدة إلى قوة فاعلة في العالم. يوم قامت الدولة، تحقق الوعد، وسقطت عاصمة إمبراطورية عظمى. وحين تستعيد الأمة كيانها السياسي المبدئي، وتوحد قرارها على أساس الإسلام، فإنها قادرة بإذن الله على أن تكتب فصولاً جديدة من تاريخها، لا كحكايات تُروى، بل كواقع يُعاش.

 

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع