السبت، 17 شوال 1447هـ| 2026/04/04م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

آسيا الوسطى في ميدان التنافس الجيوسياسي

 

لم تعد آسيا الوسطى منطقة هامشية في السياسة العالمية، بل تحوّلت إلى ميدان تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى. وتكتسب المنطقة أهميتها ليس بسبب موقعها الجغرافي ومواردها وممراتها النقلية فحسب، بل أيضاً بسبب البنية الدينية العميقة في مجتمعها.

 

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأت المنطقة تعود من جديد إلى الإسلام. وهذا يعد بالنسبة للمستعمرين خطراً مبدئياً محتملاً وعاملاً سياسياً يستدعي تشديد السيطرة. غير أنّ اهتمام المنطقة بالإسلام لم يظهر عام 1991 فحسب، بل إن آسيا الوسطى كانت عبر القرون جزءاً لا يتجزأ من البلاد الإسلامية.

 

فقد كانت فيها دول خانية مثل بخارى وقوقند وخيوة، وكانت تبني أنظمة حكمها على أحكام الشرع. وكانت الشريعة تنظم العلاقات الأسرية والتجارة والقضاء. كما أن مكانة القضاة الشرعيين والعلماء لم تكن أقل من مكانة الحكام.

 

وقد أسهمت المدارس الشرعية في تشكيل البيئة الفكرية، وكانت المنطقة جزءاً من إطار الحضارة الإسلامية الواسعة التي امتدت من الخلافة العثمانية حتى الهند. وقبل الحكم السوفيتي كانت المنطقة تعرف باسم تركستان.

 

إن دخول المنطقة في إطار الإمبراطورية الروسية، ثم قيام حكم الاتحاد السوفيتي، أدّى إلى نشوء تعارضٍ حضاري حاد. فقد عمل النظام السوفيتي على إقصاء الدين من بنية الحكم ومن النظام الاجتماعي. فتم القضاء على العلماء، وأُغلقت المساجد، ووُضع رجال الدين الرسميون تحت الرقابة، كما جرى تقليص التعليم الديني إلى الحد الأدنى. ولم يعد الإسلام مصدراً للتشريع، بل حُصر في كونه مظهراً فرديا فقط. وحلّ مكان النخبة الدينية كوادر الحزب، وهكذا فرض على المنطقة بشكل كامل نموذج علماني إلحادي.

 

ومع ذلك، بقي الإسلام حيّاً في قلوب الناس ولم يندثر تماماً. فقد حُفظ في التقاليد العائلية والعادات الاجتماعية والذاكرة الجماعية. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، بدأ الناس بصورة طبيعية بالعودة إلى هويتهم الدينية؛ فبُنيت المساجد على نطاق واسع، وافتُتحت المدارس الشرعية، وازداد عدد الملتزمين بالدين بشكل ملحوظ، وبدأ الناس يبحثون عن سند في تاريخهم وثقافتهم، فعادوا إلى القيم التي منعت طويلاً. بل إن الإسلام بدأ يؤثر حتى في مسارات الدول التي نشأت حديثاً تحت راية الاستقلال.

 

وهذا المشهد التاريخي بالذات هو ما يزيد تعقيد الوضع الراهن؛ فالأمر هنا لا يتعلق بإدخال مبدأ جديد أو نشره، بل بالعودة إلى القيم التي شكّلت المنطقة عبر قرون طويلة. غير أنّ هذه العملية تجري في ظل تأثير السياسة العالمية، وتنافس القوى الكبرى، والتقنيات الحديثة للرقابة التي يستخدمها خصوم الإسلام. ولذلك فإن موقف جميع القوى الخارجية من الإسلام، سواء أكانت روسيا أو الصين أو الدول الغربية، يقوم في المقام الأول على حماية أمن أنظمتها.

 

إن قدرة الإسلام على منافسة هذه الأنظمة في الميدان السياسي، وعلى تقديم حلول حقيقية لمشكلات الحياة اليومية، تشكّل بالنسبة لهم تهديداً جدياً. ولم ينسَ سكان المنطقة قوة الإسلام التي تقود إلى التقدم والعيش الكريم. وهذا ما يُجبر القوى الاستعمارية على أن تأخذ في الحسبان احتمال تحوّل الإسلام إلى بديل سياسي للأنظمة العلمانية القائمة.

 

وهكذا تقف آسيا الوسطى اليوم عند تقاطع ثلاثة خطوط تاريخية: الحضارة الإسلامية، والبنية السوفيتية الإلحادية، والتنافس العلماني الغربي. وبالنظر إلى كل ذلك، فإن عامل الإسلام يشكل أساساً عميقاً لهويتها التي بدأت اليوم من جديد بالظهور. وانطلاقاً من ذلك، سنستعرض فيما يلي عوامل التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في آسيا الوسطى:

 

روسيا:

 

بالنسبة لروسيا، لا تعد آسيا الوسطى مجرد منطقة مجاورة. فعلى مدى المائة والخمسين سنة الماضية ترسخ في الوعي الاستراتيجي الروسي تصور يعتبر آسيا الوسطى حديقة خلفية تاريخية، وأن غيابها يجعل بنية الدولة الروسية تبدو ضعيفة.

 

ولذلك فإن فقدان النفوذ في المنطقة لا ينظر إليه على أنه مجرد تراجع جيوسياسي، بل كخطوة قد تؤدي إلى توترات داخلية واحتمال التفكك.

 

ولا يزال الكرملين يحاول التمسك بالفكرة الإمبراطورية التي تجعله المحدد لقواعد اللعبة في الفضاء ما بعد السوفيتي. وتعمل روسيا على فرض نفسها في المنطقة باعتبارها ضامناً للأمن، وحكماً في النزاعات، ومركزاً رئيسياً لاتخاذ القرار. وأي محاولة من دول آسيا الوسطى لبناء سياسة مستقلة متعددة الاتجاهات أو لتعميق التعاون مع القوى الغربية تثير في موسكو القلق، وغالباً ما تقابل بردود فعل قاسية.

 

كما أن الاهتمام الذي تبديه أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي لا ينظر إليه بوصفه منافسة طبيعية، بل كامتداد للتوسع داخل حدود ما تسميه روسيا "مجال مسؤوليتها التاريخية". ووفق منطق الكرملين، فإن خسارة آسيا الوسطى تعني ازدياد الضغوط الخارجية، ونمو النزعات الانفصالية داخل روسيا نفسها. ولهذا السبب فهي تسعى إلى الاحتفاظ بالمنطقة بأي ثمن.

 

ومن خلال هياكل مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تعمل روسيا على ضبط التعاون في مجال مكافحة (الإرهاب)، وتنظيم المناورات المشتركة، وتنسيق قوائم المنظمات المحظورة، وتبادل المعلومات. كما يشارك الخبراء الروس بشكل مباشر في تقديم المشورة للأجهزة الأمنية في المنطقة، ويدعمون توجهاً يقوم على فرض رقابة صارمة على البنية التحتية الدينية، وتقييد الجماعات الإسلامية المستقلة، وتعزيز دور رجال الدين الخاضعين لإشراف الدولة.

 

كما يخلق عامل الهجرة توتراً إضافياً. فالملايين من أهل آسيا الوسطى يعملون في روسيا، وتشكل تحويلاتهم المالية دعماً مهماً لاقتصادات بلدانهم. غير أن سياسة تشديد نظام الهجرة داخل روسيا آخذة في التزايد، حيث تُفرض حصص محددة، وتُكثَّف عمليات التفتيش، وتُنفَّذ عمليات الترحيل، وتُفرض قيود على فرص العمل. ولا تقف وراء هذه الإجراءات دوافع اجتماعية واقتصادية فحسب، بل يكمن خلفها أيضاً الخوف من خروج التنظيم الديني المستقل عن السيطرة. فالبلاد الإسلامية القادرة على التنظيم الذاتي تنظر لها النخبة الروسية كمصدر محتمل لعدم الاستقرار السياسي. وهكذا ينشأ وضع متناقض: فروسيا تحتاج اقتصادياً إلى العمالة القادمة من المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحد من تدفقها خوفاً من النتائج الديموغرافية والمبدئية طويلة المدى. وهذا الوضع يزيد العلاقات تعقيداً ويعزز التوتر الكامن.

 

وخلاصة القول، إن استراتيجية روسيا في آسيا الوسطى تقوم على ثلاثة دوافع مترابطة: الحفاظ على المكانة الإمبراطورية، ومنع ظهور مراكز نفوذ بديلة، وإخضاع العامل الإسلامي لرقابة صارمة.

 

ويسعى الكرملين إلى إبقاء المنطقة ضمن دائرة نفوذه ليس للحفاظ على مكانته في السياسة الخارجية فقط، بل أيضاً كوسيلة لمنع نشوء عمليات التفكك الداخلي. ووفق التفكير الاستراتيجي الروسي، فإن فقدان "الحديقة الخلفية" يعادل ازدياد الشقوق داخل الاتحاد الذي يعاني أصلاً من ضعف مبدئي. ولهذا السبب تتسم سياسة موسكو في هذه المنطقة بالحساسية الشديدة والعناد، وغالباً ما تتخذ طابعاً غير قابل للتسوية.

 

الصين:

 

بالنسبة للصين، لا تُعد آسيا الوسطى مجرد منطقة مجاورة، فهي قبل كل شيء جسرٌ بريٌّ يصل إلى الشرق الأوسط وأوروبا، وشريان للطاقة، ومنطقة عازلة حول تركستان الشرقية الإسلامية التي كانت في وقت من الأوقات جزءاً من فضاء واحد. وبالنسبة لبكين، تكتسب الجغرافيا أهمية استراتيجية، إذ إن استقرار حدودها الغربية يرتبط مباشرة بوحدة الدولة الداخلية.

 

ويتمثل الاتجاه الرئيسي في سياسة الصين في تحييد العامل الإسلامي في منطقة تركستان الشرقية الأويغورية. فقد أنشأت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أوسع منظومات مراقبة المسلمين وملاحقتهم. ووفقاً لتقديرات منظمات حقوق الإنسان الدولية، أقيمت هناك سجون مفتوحة تسمى "مراكز التعليم المهني" تضم عدة ملايين من الأشخاص. كما نشرت منظومات كثيفة من المراقبة بالفيديو، وتستخدم أدوات الاستطلاع الرقمي وتحليل البيانات ومراقبة الاتصالات لمتابعة السلوك. وإلى جانب هذا النظام الصارم من الرقابة، فرضت قيوداً على الأنشطة الدينية، وشددت إجراءات التحكم في مواليد المسلمين، كما حظرت التعليم الديني خارج إطار النظام الحكومي.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن الصين لا تسعى إلى تصدير المبدأ الشيوعي إلى آسيا الوسطى. فاستراتيجيتها لا تقوم على التوسع المبدئي، بل على اكتساب النفوذ الاقتصادي وفرض السيطرة التكنولوجية. غير أن سياستها الداخلية القائمة على القمع الشديد لأي تنظيم إسلامي مستقل تفتح عملياً المجال أمامها لتطبيق النهج نفسه خارج حدودها عندما ترى أن ذلك ضروري لحماية استثماراتها وبنيتها التحتية.

 

ومن خلال مشروع الحزام والطريق، تمكنت الصين من التغلغل بعمق في اقتصاد المنطقة. فقد جرى بناء وتحديث الطرق السريعة وممرات السكك الحديدية التي تربط الصين بأوروبا عبر قرغيزستان وكازاخستان. كما يجري إنشاء خط السكك الحديدية الصين - قرغيزستان - أوزبيكستان. وتم تشغيل خطوط أنابيب الغاز القادمة من تركمانستان إلى الصين عبر أوزبيكستان وكازاخستان. كما جرى توسيع الموانئ الجافة على الحدود الكازاخية الصينية، ومنها عقدة خورغوس. وتُموّل مشاريع الطاقة وخطوط الكهرباء والمناطق الصناعية. وتشارك الشركات الصينية في استخراج النفط واليورانيوم، وفي بناء مصافي النفط ومصانع الإسمنت، إضافة إلى إنشاء المراكز اللوجستية.

 

وقد أصبحت القروض إحدى الأدوات الرئيسية للتأثير. فالبنوك الصينية تقدم قروضا بمبالغ كبيرة بضمانات حكومية ما يزيد من مستوى الاعتماد المالي. وفي الوقت نفسه، تحاول الصين أن تبدو وكأنها لا تتدخل علنا في السياسات الداخلية لدول المنطقة وتحترم سيادتها، غير أن سياستها لا تنفذ عمليا إلا في ظل الحفاظ على الاستقرار وضمان حماية مصالحها.

 

وفي الوقت ذاته، لا تنتشر البنية التحتية وحدها، بل ينتشر معها أيضا نموذج أمني. فقد أُبرمت اتفاقيات لتبادل المعلومات حول الجماعات المشكوك فيها، كما يجري توريد تقنيات المراقبة، وكاميرات التعرف الرقمي على الوجوه، ووسائل الرقابة السيبرانية. وتقوم الصين بتدريب خبراء الأمن وتوسيع الروابط بين الأجهزة الأمنية. ويتميز نهجها بطابع براغماتي؛ فبالنسبة للصين يعد الاستقرار أكثر أهمية بكثير من الحرية.

وعلى خلاف الإمبراطوريات الكلاسيكية، فإن الصين لا تسعى إلى فرض سيطرة شكلية مباشرة، لكنها تعمل على تشكيل مستوى من الاعتماد يجعل القرارات السياسية لدول المنطقة مضطرة إلى مراعاة المصالح الصينية ولا يمكنها الإفلات منها.

 

فإذا كانت روسيا تحافظ على نفوذها في المنطقة من خلال المنطق التاريخي والعسكري، فإن الصين ترسخ حضورها عبر الاقتصاد والتكنولوجيا. وأهدافها طويلة الأمد، وأساليبها منهجية. وتكمن خصوصية تعامل الصين مع آسيا الوسطى في الجمع بين القمع الشديد لأي تنظيم إسلامي مستقل داخلياً، وبين التوسع الاقتصادي البراغماتي.

 

الولايات المتحدة:

 

بالنسبة لأمريكا، لم تكن آسيا الوسطى يوماً موضوعاً هامشياً بالكامل، لكنها أيضاً لم تتحول إلى أولوية من الدرجة الأولى. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأت تنخرط في عمليات المنطقة من خلال برامج دعم الاستقلال، والأمن النووي، وتنويع مصادر الطاقة. وخلال تسعينات القرن الماضي سعت إلى تقليص اعتماد المنطقة على روسيا، فاستثمرت في نزع السلاح النووي في كازاخستان، وتعزيز أمن الحدود، وتطوير مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز.

 

وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 ازداد اهتمامها بشكل حاد. إذ تحولت آسيا الوسطى إلى قاعدة خلفية للعمليات في أفغانستان، وتم نشر منشآت عسكرية في أوزبيكستان وقرغيزستان، وتعزز التعاون في مجالات الأمن والتنسيق في مكافحة الإسلام.

 

غير أنه مع تقليص الوجود العسكري في أفغانستان بدأ اهتمام أمريكا بالمنطقة يتراجع. وبحلول منتصف العقد الثاني من الألفية، تحول تركيزها نحو الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وعادت تعامل آسيا الوسطى كاتجاه ثانوي. وقد أدى ذلك إلى إغلاق القواعد العسكرية وانخفاض مستوى النشاط ما جعل روسيا تفرح، وانتقلت العلاقات بشكل أساسي إلى الطابع الدبلوماسي والاقتصادي.

 

وبعد انسحاب قواتها من أفغانستان عام 2021 عادت أمريكا إلى المنطقة برؤية مختلفة، إذ لم تعد تنظر إليها كمنطلق عسكري، بل كعنصر لاحتواء روسيا والصين. وتم تعزيز صيغة C5+1 التي تجمع بين دول آسيا الوسطى الخمس وأمريكا. وفي عام 2023 عقد لقاء بين قادة المنطقة ورئيس أمريكا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان ذلك تأكيداً رمزياً على عودة الاهتمام. وقد نوقشت خلاله قضايا النقل، والطاقة، والمعادن النادرة، إضافة إلى مسائل الأمن.

 

كما اتسمت زيارات قادة كازاخستان وأوزبيكستان لأمريكا في السنوات الأخيرة بطابع عملي قابل لإنتاج نتائج. فقد وُقّعت اتفاقيات في مجالات الاستثمار والطاقة والمعادن النادرة والتقنيات الرقمية. وتُظهر واشنطن استعدادها لتعميق الشراكة الاقتصادية من دون المطالبة بتحالف عسكري سياسي رسمي. كما تعمل على تنويع العلاقات من خلال تقديم بدائل تقلل الاعتماد على موسكو وبكين، وفتح الطريق نحو الأسواق والتكنولوجيا الغربية. ومع ذلك، فإن التطور الإسلامي ما يزال يثير قلق أمريكا.

 

وتلعب هذه المسألة دوراً مهماً في استراتيجية أمريكا، فهي عبر تقديم نفسها قائداً لضمان الأمن الدولي، تسعى إلى الحفاظ على الأبعاد العالمية لمكافحة التطرف. وفي هذا الإطار، وعلى الرغم من تقليص تمويل بعض البرامج الفكرية، ما يزال التركيز منصبّاً على منع "التطرف"، وبرامج العمل مع الشباب، والمبادرات التعليمية، ودعم المؤسسات الدينية التقليدية.

 

وفي الوقت نفسه تدفع أمريكا بالمبادرات الدبلوماسية الهادفة إلى تطبيع العلاقات في الشرق الأوسط، بما في ذلك اتفاقيات أبراهام. ومن بين دول آسيا الوسطى تشارك كازاخستان في هذه العملية بشكل رسمي. كما تُبذل جهود منتظمة لإدخال المنطقة في حوار حول التعاون مع كيان يهود.

 

لقد مرّت سياسة أمريكا تجاه المنطقة بثلاث مراحل: الانخراط النشط بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم التعاون العسكري خلال الحملة في أفغانستان، ثم مرحلة تراجع الاهتمام، وأخيراً العودة البراغماتية الحالية. واليوم لا تسعى أمريكا لفرض هيمنة شاملة على المنطقة. فالهدف الحالي لها هو إبقاء المنطقة ضمن مجال اهتمامها الاستراتيجي دون السماح بوقوعها تحت نفوذ كامل لروسيا أو الصين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دورها القيادي عالمياً في قضايا الأمن وقضايا الأجندة المرتبطة بالإسلام.

 

بريطانيا:

 

لقد لعبت بريطانيا تاريخياً دوراً أساسياً في تشكيل الواقع الحالي للبلاد الإسلامية وآسيا الوسطى. فقد بذلت لندن جهداً كبيراً في مواجهة الخلافة العثمانية التي كانت تحافظ على نظام الحكم بالشريعة، وقد أسهمت عملياً في تفكيكها. ورغم تراجع قوتها، فإن بريطانيا واصلت تنفيذ مؤامرات معقدة وأعمال تخريبية استهدفت تقويض السلطة الإسلامية الشرعية، ما أدى إلى إضعاف الاستقرار السياسي في مناطق المسلمين.

 

وفي الوقت الحاضر يتجلى نفوذ بريطانيا في المنطقة من خلال العمل مع النخب والقنوات المالية. فما تزال لندن واحدة من أهم المراكز التي تحفظ فيها رؤوس أموال النخب السياسية والاقتصادية في المنطقة. ومن خلال الآليات الاستثمارية، والأدوات القانونية، والبرامج التعليمية، والمنح الجامعية والمنح الدراسية، تعمل بريطانيا على تشكيل بيئة من الكوادر والمتخصصين القادرين على دفع مصالحها إلى الأمام.

 

وعلاوةً على ذلك، تقدّم لندن دعماً استشارياً في إصلاح المؤسسات الحكومية، وتسهم في تشكيل بنية إدارية وقانونية تتوافق مع المعايير الغربية. وهذا يمنحها إمكانية التأثير في السياسات الداخلية لدول المنطقة.

 

أما فيما يتعلق بعامل الإسلام، فإن بريطانيا تتبنى، كعادتها، موقفاً مزدوجاً. فمن جهة تعلن لندن دعمها العلني لدمج الإسلام في المجتمع العلماني. ومن جهة أخرى تواصل بريطانيا معارضة ما تسميه بالتطرف والسياسة الإسلامية بهدف منع تطور الحركات الدينية المستقلة التي قد تشكل تحدياً للنخب القائمة أو لمصالحها الخاصة. ولا تزال لندن تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها عقدة مهمة في استراتيجية كبح عودة النفوذ الإسلامي. وبذلك تستمر بريطانيا في الحفاظ على دورها العدائي في مواجهة الإسلام.

 

الاتحاد الأوروبي:

 

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لم تكن آسيا الوسطى في يوم من الأيام منطقة للسيطرة المباشرة أو الهيمنة الكاملة، بل كانت محل اهتمام بوصفها مجالا للتأثير الاقتصادي والسياسي ومصدرا للموارد. فقد نظرت أوروبا تاريخياً إلى هذه المنطقة على أنها "الفناء الخلفي" لآسيا، منطقة مهمة للتجارة لكنها بعيدة وصعبة الوصول للتدخل المباشر.

 

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تنافست القوى الأوروبية على الوصول إلى النفط والغاز وطرق العبور في المنطقة، لكنها كانت حذرة بسبب معارضة الاتحاد السوفيتي ثم روسيا لاحقاً.

 

وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، انخرط الاتحاد الأوروبي بسرعة في عملية تشكيل نظام اقتصادي وسياسي جديد في المنطقة. وقد ركزت البعثات الأولى على دعم الإصلاحات، والاندماج في المؤسسات الدولية، وتطوير اقتصاد السوق. وكان التركيز الأساسي على معايير الحكم الليبرالي، حيث سعت أوروبا إلى توسيع نفوذها تحت شعارات الشفافية، وتحديث القوانين، ومكافحة الفساد.

 

وخلال تلك الفترة بالذات بدأ الاتحاد الأوروبي في إنشاء صيغ للحوار مع دول آسيا الوسطى، مثل إطار "الشراكة الشرقية"، إضافة إلى إبرام اتفاقيات استراتيجية منفصلة مع كازاخستان وأوزبيكستان وقرغيزستان وطاجيكستان. واليوم تقوم استراتيجيته على التركيز على "القوة الناعمة".

 

فآسيا الوسطى غنية بموارد الطاقة؛ إذ تمتلك كازاخستان احتياطيات كبيرة من النفط، وتمتلك تركمانستان وأوزبيكستان الغاز، وتتوفر في قرغيزستان كميات كبيرة من اليورانيوم والمعادن النادرة. وتشارك الشركات الأوروبية بنشاط في استخراج هذه الموارد ونقلها، وفي الوقت نفسه تعمل على ترسيخ اعتماد دول المنطقة على التكنولوجيا الأوروبية ومعايير الإدارة الغربية.

 

كما يدفع الاتحاد الأوروبي بشكل متواصل بالمشاريع الاستثمارية والتعليمية والتكنولوجية. وتتطور ممرات النقل، حيث يجري تحديث خطوط السكك الحديدية التي تمر عبر كازاخستان وأوزبيكستان، وتطوير المراكز اللوجستية البرية، إضافة إلى المشاركة في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود. وتشمل الاتفاقيات في مجال الطاقة توريد الغاز والنفط إلى الأسواق الأوروبية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وكذلك مشاريع تحديث الصناعات البتروكيميائية.

 

وخلال السنوات الأخيرة ازداد النشاط الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ. فقد أدت اللقاءات مع قادة كازاخستان وأوزبيكستان وتركمانستان إلى توقيع مذكرات تعاون في مجالات الطاقة والنقل والمناخ والتقنيات الرقمية. كما تبقى برامج دعم التنظيم القانوني والشفافية ومكافحة الفساد من بين الاتجاهات الرئيسية. ويُعد ذلك بالنسبة للاتحاد الأوروبي آلية لتعزيز نفوذه في المنطقة دون فرض سيطرة سياسية مباشرة.

 

ويولي الاتحاد الأوروبي اهتماماً خاصاً بالتعامل مع العامل الإسلامي في المنطقة. فرغم أن الاتحاد لا ينظر إلى الإسلام بوصفه تهديداً مباشراً، فإنه يعمل، تحت شعارات بناء المجتمع المدني، على نشر أفكار مثل التسامح، والنظام العلماني، ودمج المجال الديني. ومن خلال البرامج التعليمية والثقافية يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تشكيل بيئة موجهة نحو القيم الأوروبية، وفي الوقت نفسه إلى تقليص تأثير أفكار النهضة الإسلامية.

 

وبذلك تعد آسيا الوسطى بالنسبة للاتحاد الأوروبي مجالاً للموارد واللوجستيات والروابط الاستراتيجية في المقام الأول. فأوروبا لا تظهر رغبة في السيطرة المباشرة، لكنها تسعى لترسيخ نفوذها طويل الأمد عبر الاستثمارات، ومعايير الإدارة، والبرامج التعليمية، والمشاريع التكنولوجية.

 

الاتجاه العام

 

لا تنظر القوى الاستعمارية للإسلام في آسيا الوسطى بوصفه ديناً تقليدياً أو تراثاً ثقافياً، بل باعتباره بديلا لنماذج الحكم العلمانية القائمة. فالمسألة لا تتعلق بمواجهة التدين أو الطقوس التقليدية، بل بإمكانية وصوله للحكم. وهذا هو مصدر القلق الأساسي لدى تلك القوى. فبحسب تصورهم، إذا قدم الإسلام بوصفه مشروعا سياسيا فإنه سيخرج تلقائيا عن نطاق السيطرة، ما قد يؤدي إلى فقدان أدوات السيطرة الاقتصادية القائمة على نهب الثروات والتأثير في النخب عبر الاتفاقيات.

 

وتستند هذه المخاوف إلى الإقرار بالطبيعة العابرة للأمم التي يتسم بها الإسلام. فهو لا يقتصر على الحدود الوطنية، ولا يرتبط بإقليم محدد، وهو قادر على إنشاء روابط أفقية بين المجتمعات. وفي ظروف آسيا الوسطى، حيث تعد الدول القومية حديثة نسبياً، وما تزال المؤسسات المجتمعية في طور التشكل، يمكن للإسلام أن يتحول إلى عامل تعبئة قوي.

 

أما النخب التي تشكلت في العهد السوفيتي وما بعده في المنطقة، فإنها تعتمد أساساً على عمودية الأجهزة الإدارية والأمنية. ويمكن للإسلام السياسي، حتى في صورته التقليدية، أن ينافسها على القيادة الأخلاقية. فإذا بدأ المجتمع ينظر إلى الشرعية الدينية باعتبارها أكثر عدلاً واتساقاً مع الحق من الإدارة البيروقراطية، فإن ذلك سيغير ميزان القوى داخل هذه الدول تغييراً جذرياً.

 

ولهذا يجري في المنطقة تشكيل نموذج ما يسمى بـ"الإسلام التقليدي". ووفق هذا التصور يجب أن يكون الإسلام أخلاقيا وثقافيا وتراثيا ومجردا من السياسة. وتتمثل مهمة من يسمون بالإسلاميين التقليديين في "تهدئة" المجتمع ومنع ظهور مشروع بديل.

 

وفي مواجهة الإسلام تتوحد هذه القوى، ولا يختلف بعضها عن بعض إلا في الأساليب. وعلى الرغم من العداء والأساليب غير المحدودة المستخدمة في محاربة الإسلام، فإن ميل شعوب المنطقة إلى الإسلام يظل ثابتا. إن قوتهم وإرادتهم في التغيير لم تُقدّر بعد تقديراً كاملاً. وليست المشاريع الاستعمارية التي فقدت ثقة الناس بها، بل هذه الإرادة هي التي ستحدد مستقبل المسلمين في المنطقة.

 

من سيحافظ على الهيمنة؟

 

إذا أردنا استخلاص نتيجة عامة بالنظر إلى ميزان القوى من زاوية التوازن والموضوعية، فإنه لا يمكن تجاهل عمق النفوذ الروسي في المنطقة عند تحليل الديناميات المستقبلية. فروسيا ما تزال تحافظ على روابط تاريخية ولغوية وثقافية وثيقة مع المنطقة وتسعى إلى تعزيزها. وبالنسبة لجزء كبير من نخب دول آسيا الوسطى وأجهزة الحكم فيها، لا تزال اللغة الروسية وسيلة التواصل الأساسية، كما أن العديد من المؤسسات تشكلت في الحقبة السوفيتية.

 

كما أن الاعتماد في مجال الهجرة، وتحويلات العمال المهاجرين، والتعاون في مجالي الطاقة والدفاع، يعزز هذا الواقع. وإذا أخذنا هذه الأمور في الاعتبار، فإنه من الصعب إعادة توزيع نفوذ روسيا في المنطقة من دون حدوث تغيّرات جيوسياسية كبيرة. ولذلك، يبدو أن فرض الصين هيمنة كاملة على المنطقة لن يحصل في المستقبل القريب. فالصين تعمل على تعزيز حضورها الاقتصادي والبنيوي، وتزيد بشكل منتظم من مستوى الاعتماد المتبادل في التجارة، وتوسع الإقراض، وتدفع بحلول تكنولوجية في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية الرقمية. ووفقا لتوازن القوى الحالي، فإن هذا الحجم الاقتصادي والقدرات المالية طويلة الأمد لبكين يجعل حضورها من بين أكثر القوى الخارجية نمواً وديناميكية.

 

وتواصل أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ممارسة نفوذها من خلال الأدوات المعيارية والآليات المالية والعمل مع النخب. وهذا يخلق بنية متعددة الطبقات من الحضور الخارجي. ونتيجة لذلك، لا تقع المنطقة ضمن مجال نفوذ مركز واحد، بل تبقى في وسط توزيع معقد لمصالح متقاطعة.

 

وهكذا، إذا استمر الوضع القائم، فمن المرجح أن يبقى النفوذ العسكري والثقافي والمؤسسي لروسيا قائما في حين يتعزز النفوذ الاقتصادي للصين تدريجيا. غير أن هذا الاستنتاج لا يلغي دور قوى التأثير الأخرى، كما لا يستبعد احتمال إعادة توزيع ميزان القوى في المستقبل. لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى تستطيع دول المنطقة استخدام التنافس بين مراكز القوة الخارجية لتعزيز سيادتها؟

 

وعليه، فإن سيناريوهات السيطرة على المنطقة تقوم على الشروط التالية: سيظل المجال الديني في بؤرة اهتمام القوى الاستعمارية، في حين إن تنامي الجماعات الإسلامية المستقلة سيترافق مع ازدياد قبول المجتمع لقيم الإسلام.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

لطيف الراسخ

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع