الإثنين، 19 شوال 1447هـ| 2026/04/06م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

حين كانت العقيدة وطناً

 

 

لم تكن الحدود يوماً قدراً، ولا كانت الجنسيات هويةً أزليةً للمسلم، بل هي مفاهيم حديثة وُلدت في سياقات ضيقة، بعد أن هُدمت دولة المسلمين. لقد فُرضت هذه الحدود على شعوب كانت ترى نفسها أوسع من تلك الخرائط المصطنعة. وفي قلب بلاد المسلمين لم تكن الأمة يوماً مجرد شعوب متجاورة، بل كانت كياناً حيّاً، يجمعه رابط أعمق من الأرض واللغة، إنها رابطة العقيدة الإسلامية.

 

لقد عاشت الأمة الإسلامية قروناً دون أن تعرف هذه التقسيمات. لم يكن المسلم يُسأل عن جنسيته، بل عن دينه، ولم تكن الأرض تُجزَّأ إلى أوطان متناحرة، بل كانت تُرى داراً واحدة تتوحد قلوب أهلها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. كان الانتماء للإسلام كافياً، ليمنح الإنسان شعوراً بالانتماء الكامل والحماية والكرامة.

 

لكن مع هدم عرش المسلمين الجامع لوحدتهم، دخلت الأمة مرحلة جديدة، فُرضت عليها القوميات والوطنيات. حتى أصبح المسلم غريباً في أرض أخيه، محكوماً بجواز سفر، ومقيّداً بحدود، ومُعرَّفاً بهوية ضيقة لا تعكس عمق انتمائه الحقيقي. وهكذا تشرذمت الأمة وتفرقت، وتبددت طاقاتها في صراعات داخلية، بدل أن تكون قوة واحدة متماسكة.

 

لقد بات واضحاً أن هذه الانقسامات لم تجلب للأمة إلا الضعف. فكيف لأمة تؤمن بإله واحد وكتاب واحد ونبي واحد، أن تقبل بأن تُختزل في كيانات متفرقة، لكل منها علم وحدود وجيش، وكأنها أمم لا يجمعها شيء مشترك بينها؟!

 

إن الدعوة إلى استعادة دولة المسلمين تبدأ بإزالة الحدود والخرائط من عقول المسلمين. فحين يدرك المسلم أن أخاه في أي مكان هو امتداد له، وأن قضيته واحدة ومصيره مشترك، حينها تبدأ ملامح الأمة الحقيقية في الظهور. فحين تتراجع القوميات أمام العقيدة، وتذوب الهويات الضيقة في هوية أوسع، يمكن عندها أن يُعاد بناء الأمة، الذي لم يكن حلماً، بل واقعاً عاشته الأمة طويلاً.

 

ليس السؤال: هل يمكن أن تعود تلك الوحدة، بل السؤال: لماذا نقبل البديل ونحن نعرف أن تاريخنا شهد ما هو أعظم؟ فالأمة التي كانت يوماً جسداً واحداً، لا ينبغي أن ترضى بأن تبقى أشلاء متفرقة مهما طال الزمن.

 

إن ما تعيشه الأمة اليوم من تفرقة وضعف ليس قدراً محتوماً، بل هو حالة طارئة يمكن تجاوزها، إذا استعاد المسلمون وعيهم بحقيقتهم وهويتهم الجامعة. فالأمة التي جمعتهم يوماً لم تكن أسطورة، بل واقعاً صنعته العقيدة، حين كانت هي المرجعية العليا، وحين كانت الأمة ترى نفسها كياناً واحداً لا تمزقه الحدود ولا تفرقه الرايات.

 

إن استعادة ذلك المجد لا يكون بالحنين المجرد، ولا بالاكتفاء برثاء الواقع، بل بالعمل الجاد لإحياء معنى الأمة في النفوس، وترسيخ الانتماء للعقيدة فوق كل انتماء. وهذا الرائد الذي لا يكذب أهله، وهو قد نذر نفسه للعمل لهذه المهمة المقدسة، يدعوكم للعمل الجاد والسعي الصادق نحو إعادة بناء الكيان الذي يجمع المسلمين تحت راية واحدة، فلتكن هذه الدعوة نداءً لإحياء ما اندثر، واستعادة ما ضاع، والعمل على قيام دولة تجمع شتات الأمة، وتعيد لها وحدتها وقوتها، حتى تعود كما كانت خير أمة، تحمل رسالتها لتعود حضارة تنقذ العالم من عفونة النظام الرأسمالي العفن. وما ذلك على الله بعزيز.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع