الأربعاء، 28 شوال 1447هـ| 2026/04/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 هدوء فوق صفيح ساخن

كيف تتحول الهدنة إلى تأجيل للصدام؟

 

في السياسة الدولية لا يقاس الهدوء بغياب الضجيج، بل بعمق التوتر الكامن تحته؛ فعندما تعلن أمريكا وإيران هدنة، لا يعني ذلك أن الصراع انتهى، بل ربما دخل مرحلة أكثر تعقيداً، وهدوءاً في الظاهر فقط. فالتاريخ، يخبرنا أن الهدن بين الخصوم الكبار ليست سوى فواصل زمنية بين جولات أطول، تُستخدم لإعادة الحسابات لا لتغيير المسارات.

 

ففي خضم التوتر المحتدم بين واشنطن وطهران، برزت هدنة هشة، أشبه بغيوم صيف عابرة، أخرجت رئيس أمريكا من وعيد أطلقه تجاه إيران ومحو حضارتها. ويختلف المراقبون في تفسير هذه الهدنة؛ فمنهم من يرى أنها فرصة حقيقية لنزع فتيل حرب إقليمية شاملة، بينما اعتبرها آخرون مجرد مناورة تكتيكية من الطرفين لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.

 

هذه اللحظات الرمادية، حيث لا حرب ولا سلم، هي الأخطر؛ لأنها تمنح انطباعاً زائفاً بالاستقرار، بينما تُدار تحت السطح معارك من نوع آخر: سياسية، واقتصادية، واستخباراتية، وسيبرانية. وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة هذه الهدنة خارج سياقها الأوسع، ولا بعيداً عن حسابات القوى والمصلحة؛ فهي تبدو أكثر هدوءاً، لكنها في الحقيقة أكثر هشاشة، وقابلية الاشتعال فيها عالية، وذلك لما يلي:

 

أولاً: دوافع كسب الوقت

 

فمن منظور إدارة الصراع، يبدو أن كلاً من إيران وأمريكا بحاجة ماسة إلى استراحة محارب.

 

أما إيران، فرغم الأداء العسكري الذي أظهر قدرة على اختراق دفاعات كيان يهود الجوية، فإن إيران تدرك ثقل التكلفة الاقتصادية لاستمرار التصعيد، في ظل عقوبات خانقة وعزل مالي. وهي بأمسّ الحاجة لاستقطاب استثمارات أجنبية تعينها في الحرب، خاصة من روسيا والصين. فهي ترى أن الانزلاق نحو حرب شاملة مجازفة وجودية؛ لذلك، تمنحها الهدنة فرصة لتحقيق بعض المكاسب والخروج من فكرة الحرب الشاملة.

 

أما أمريكا، فقد جاءت الهدنة كمخرج لخطابات ترامب التهديدية. فمحاولة أمريكا الوصول إلى اليورانيوم المخصب عسكرياً فشلت، بل أصبحت لديها قناعة أنها لن تصل إليه عسكرياً، وهي لا تريد الانغماس في حرب طويلة؛ حيث إن حرباً أطول من شهرين، وتخرج عن فكرة أنها عملية خاطفة، تحتاج إلى موافقة من الكونغرس، وهذا ما لا يريده ترامب أن يحدث. فالهدنة بالنسبة لأمريكا هي وسيلة للحصول على ما لم تستطع تحقيقه عسكرياً عبر المفاوضات، بالاستناد إلى فكرة أن إيران لا تحبذ حرباً شاملة.

 

وفي الوقت نفسه، فإن واشنطن تكسب وقتاً استخباراتياً للوصول إلى القيادات الحالية واغتيالها، كما حدث في كل هدنة في غزة على سبيل المثال، ثم تعود إلى هدنة أخرى ولكن بتحقيق مكاسب أعلى.

 

إذاً، أمريكا تريد تجنب حرب مشتعلة مستمرة، خاصة أنها في عام الانتخابات، وفي ظل وضع داخلي أمريكي يطالب بوقف الحرب، أو على أقل تقدير يرى أن هذه الحرب ليست حرباً تهم أمريكا في هذه الظروف الاقتصادية. فالهدنة وسيلة لاحتواء التصعيد في إيران وفي داخل أمريكا.

 

وقد تسعى أمريكا إلى إبقاء حالة التفاوض ضمن إدارة الأزمة لاستنزاف إيران، وإجبارها على الخضوع لمصالحها عبر الخونة، أو عبر استمالات جديدة، أو محاولة انقلاب داخلي يسهل عليها تحقيق ما لم تستطع تحقيقه عسكرياً، ما يؤدي إلى تقسيم في النسيج الإيراني، مع أن هذا الاحتمال أضعفها، ولكنه وارد.

 

ولكن هناك لاعباً لا يريد هذه الهدنة، وهو كيان يهود، مع أنه ليس طرفاً مذكوراً فيها، لكنه يملك حق النقض العملي عليها؛ فهو يرى أن أي اتفاق مع إيران، ولو مؤقت، هو تهديد وجودي له لأسباب عدة:

 

1- الملف النووي: أيُّ سماح بمواصلة التخصيب بنسبة 60% وما فوق يُعتبر فشلاً استراتيجياً لكيان يهود. ودائماً نسمع رئيس وزراء الكيان ووزير جيشه يصرحون: "لن نسمح لإيران بأن تصبح دولة نووية، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة أحادية مع واشنطن".

 

2- الوكالة الإقليمية: إن كيان يهود له مطالب من حرب إيران؛ فحتى تتحقق السيطرة الكلية على منطقة الشرق الأوسط، يجب أن تكون القوة الجوية بيده، وأن تُمنع الصواريخ بعيدة المدى، أي لا يُسمح إلا بمدى 300 كيلومتر، وبذلك تكون صواريخ دفاعية. فيفصل الملفات بحيث يتفرد بكل ملف على حدة؛ فيفاوض إيران، ثم يذهب للقضاء على ما يسميه بمحور الممانعة، أي حزب إيران في لبنان، ثم الحوثيين في اليمن، ثم المليشيات في العراق.

 

3- رسالة لأمريكا: إن أي تفاوض مع إيران دون النظر لرغبته لا قيمة له على الأرض بالنسبة لكيان يهود، وأي اتفاق طويل الأمد مع إيران يفضي إلى الاستقرار هو مرفوض لديه، وسوف يشعل الجبهات حتى يحقق الهدفين السابقين.

 

إن أمريكا قد تستثمر الهدوء لتركيز جهودها في ساحات أخرى، وترى إيران في ذلك فرصة لتعزيز موقعها الداخلي والإقليمي. وفي الحالتين، لا يبدو أن هناك نية حقيقية للتنازل عن الملفات الكبرى، بل فقط تأجيل لحظة المواجهة.

 

غير أن أخطر ما في هذه الهدنة هو قدرتها على خلق وَهْمِ الاستقرار؛ فالمشهد الهادئ قد يخفي تحته توترات تتراكم بصمت، بانتظار شرارة تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، أو ربما إلى ما هو أسوأ. وهنا تكمن المفارقة: كلما طالت الهدنة دون حل جذري، ازداد احتمال الانفجار المفاجئ.

 

فالتاريخ السياسي لهذه الدول يُظهر أن ما يُخفى في الكواليس غالباً ما يكون إعلانُه لا بديل عنه، وتبقى هذه تفاهمات محكومة بسقف المصالح التي يمكن تحقيقها، لا برغبة في إنهاء الصراع جذرياً. وهكذا تبقى الهدنة، بكل ما تحمله من ظاهر هادئ وباطن متوتر، مجرد فصل مؤقت في صراع طويل، تُدار فيه الأزمة لتحقيق ما يمكن تحقيقه مما يتطلعون إليه في منطقة الشرق الأوسط.

 

ويمكن تصعيد صراعات أخرى، بحيث يبقى الصراع الإيراني في مستوى منخفض؛ لأننا نلاحظ اليوم أن العالم لا يُدار بصراع واحد، بل بشبكة صراعات تُضبط حرارتها باستمرار، ترتفع في مكان وتنخفض في مكان آخر دون أن تنطفئ بالكامل، حيث إننا نعيش لحظات انهيار نظام عالمي، فإن هذه التوترات طبيعية في مثل هذه الحالات.

 

إن الحل الحقيقي لمنطقة الشرق الأوسط وللعالم هو بانتهاء دور المبدأ الرأسمالي، وأن يتطلع العالم إلى مبدأ جديد يعيد العدالة والإنسانية لهذا الكوكب. ولا وجود لمبدأ آخر سوى مبدأ الإسلام، متمثلاً بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهو وحده القادر على تغيير وجه العدالة في هذا الكوكب ونشر نوره.

 

ولكنه بحاجة إلى الخطوة الأولى، وهي إيجاده على الساحة الدولية متمثلاً بدولة الخلافة، وهذا يقع على عاتقنا نحن المسلمين. ويجب أن يكون هناك حزب لديه مشروع لهذه الدولة، وقادر على قيادة سفينتها إلى بر الأمان، ومقارعة بقايا المبدأ الرأسمالي وإنهائه بالكلية. والحمد لله أن حزب التحرير موجود اليوم، ولديه كل ما هو مطلوب، ولم يبقَ لنا إلا أن تتحرك الجيوش لنصرة هذا الحزب وتمكينه لتطبيق مشروعه، ألا وهو استئناف الحياة الإسلامية على منهاج النبوة.

 

وإننا نرجو من الله أن نكون من المستخلفين، وأن لا نكون من المستبدلين. اللهم استعملنا فيما تحب.

 

قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع