الخميس، 29 شوال 1447هـ| 2026/04/16م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مرايا الحرب: كيف تكشف تناقضات ترامب غياب الاستراتيجية؟

 

في سياقات الحروب، لا تُعدّ التناقضات مجرد زلات خطابية عابرة، بل تتحول إلى مؤشرات تتجاوز حد المناورة والتعمية عن الخطط العسكرية لتصبح كاشفة عن اختلال البوصلة الاستراتيجية. وهذا ما تعكسه بوضوح مواقف دونالد ترامب في تعاطيه مع الحرب ضد إيران؛ إذ تبدو أقرب إلى سلسلة من التحولات الحادة التي يفتقر تتابعها إلى خيط ناظم ورابط استراتيجي جامع، وتحكمها بدل ذلك اعتبارات اللحظة، وضغوط الواقع الآني، وردود الفعل السياسية أكثر مما يحكمها تخطيط طويل المدى أو رؤية متماسكة. وهذه صور ونماذج لأهم هذه التناقضات:

 

أولاً: من "التدمير الشامل" إلى "التأجيل المؤقت"

 

في لحظة تصعيد تزامنت مع دخول الأسبوع الرابع من الحرب، أطلق ترامب إنذاراً نهائياً: فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة أو مواجهة تدمير منشآت الطاقة الإيرانية. (الجزيرة في 2026/03/22)

 

لكن قبل انقضاء المهلة، تراجع وبدأ يتحدث عن تأجيل وضغوط تفاوضية. (مصراوي في 2026/03/23).

 

هذا التحول ليس مناورة محسوبة بقدر ما هو ارتداد سريع تحت ضغط الواقع ونزول من فوق الشجرة؛ إذ تشير التقارير إلى أنه لم ينفذ تهديداته رغم تكرارها، بدعوى أنه يقود مسارا تفاوضيا مع القادة الجدد في إيران، الأمر الذي نفته إيران. (نون بوست في 2026/03/24)

 

هنا يتبدى أول تصدع: قرار بالحرب، ثم تراجع قبل لحظة التنفيذ.

 

ثانياً: من خطاب الإبادة إلى لغة "المحادثات البنّاءة"

 

في خطاب متلفز، توعّد ترامب بإعادة إيران إلى العصور الحجرية حيث قال: "سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه. وفي الوقت نفسه، المناقشات مستمرة". (الجزيرة في 2026/04/02)

 

لكن في الخطاب نفسه، تحدث عن مفاوضات جارية وقرب التوصل إلى اتفاق، وعن أشخاص مختلفين تماماً ومحترفين جداً وعن نظام أكثر عقلانية في إيران. (إيران انترناشيونال في 2026/04/02).

 

والسؤال هنا: كيف يمكن الجمع بين خطاب الإبادة وخطاب التفاوض، إلا إذا كان الخطاب نفسه أداة ضغط آنية، لا تعبيراً عن استراتيجية متماسكة؟

 

ثالثاً: من تدويل الأزمة إلى الانسحاب منها

 

في مرحلة أولى، طالب ترامب الحلفاء - من أوروبا إلى آسيا - بالمشاركة في تأمين مضيق هرمز (سكاي نيوز في 2026/03/17). كما توقع أن ترسل دول ​كثيرة سفنا حربية للسماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز وخاصة من حلفائه داخل الناتو. (رويترز في 2026/03/15)

 

لكنه في تصريحات أخرى قال بوضوح: على الدول الأخرى أن تتولى حماية المضيق، الولايات المتحدة لا تحتاج لذلك وأن بإمكانه "ترك الدول التي تستخدمه" تجد حلا. (العربي الجديد في 2026/03/15)

 

ثم عاد لاحقاً ليحثهم مجدداً على التدخل ضمن دعوات متكررة. (العربي الجديد في 2026/04/03)

 

هذا التذبذب يعكس غياب تصور ثابت: هل هي حرب أمريكية؟ أم عبء يجب نقله للآخرين؟

 

في هذا السياق، يبرز مقال بيير هاسكي في لونوفيل أوبس، حيث يقدّم نقدا مباشرا ليس فقط للولايات المتحدة، بل للموقف الأوروبي نفسه. ويرى هاسكي أن المشكلة لا تكمن فقط في سلوك ترامب، بل في الاستجابة الأوروبية المترددة والقبول الضمني بسياسات منحرفة، قائلا: "حذرنا الدبلوماسي.. يجعلنا في النهاية ضحايا طوعيين". (الجزيرة في 2026/04/01)

 

رابعاً: من الضغط الأقصى إلى تخفيفه اقتصادياً

 

بينما يهدد ترامب بتدمير الاقتصاد الإيراني، تتحدث التقارير عن محاولات لتهدئة الأسواق وخفض أسعار النفط عبر سياسات مرنة، بل إن الأسواق نفسها أصبحت رهينة تصريحاته؛ فكل تصعيد يرفع الأسعار مثلما حصل عند التهديد بالسيطرة على جزيرة خرج (دويتشه فيله في 2026/03/30)، وكل تهدئة تخفضها، مثلما حصل عند تأكيده على أن الحرب ستنتهي قريبا جدا. (وكالة الأناضول في 2026/03/01)

 

هنا يظهر تناقض جوهري: سياسة حرب من جهة، وسياسة استقرار اقتصادي من جهة أخرى، دون قدرة على التوفيق بينهما.

 

خامساً: من "النصر القريب" إلى حرب بلا نهاية

 

يؤكد ترامب أن الحرب قريبة من الاكتمال، وأنها ستنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة. لكنه في الوقت ذاته، يهدد بتصعيد إضافي (قد يصل إلى الغزو البري) ويقر باستمرار العمليات العسكرية دون سقف زمني واضح، ما جعل موقع يورونيوز مثلا، يطرح السؤال التالي: ما وراء التصريحات المتناقضة.. هل يمهّد ترامب لعملية برية ضد إيران يوم "الجمعة العظيمة"؟

 

بل إن محللين يرون أن خطابه يفتقر لأي تعريف للنصر أو خطة للخروج. هنا يتحول النصر من هدف استراتيجي له أهداف ثابتة إلى شعار متحرك. وفي هذا السياق، قدم الجنرال ميشيل ياكوفليف، نائب رئيس أركان Shape السابق، وهو مركز القيادة العسكرية العليا لحلف شمال الأطلسي المسؤول عن تنسيق عمليات التحالف في أوروبا، قدم تحليلاً لاذعاً للاستراتيجية الأمريكية، حيث أكد خلال مقابلته مع صحيفة لوفيغارو أن "ترامب خسر الحرب بالفعل".

 

سادساً: من رفض الحروب الطويلة إلى الانزلاق فيها

 

ترامب الذي بنى خطابه السياسي على رفض "الحروب الغبية"، يجد نفسه اليوم في حرب مفتوحة مع تصعيد مستمر وتكلفة متزايدة، والمفارقة أن هذه الحرب نفسها بدأت باعتبارها حملة سريعة، لكنها تحولت إلى صراع ممتد، كما تحذر تقارير عديدة. (صحيفة لوموند الفرنسية في 2026/04/02).

 

المفارقة هنا، أنه كلما طال أمد الحرب، تبينت صحة الاتهامات الإيرانية باستخدام الحديث عن التفاوض كغطاء للمناورة العسكرية، حيث لا يكون التفاوض بديلاً للحرب، بل امتداداً لها أو غطاءً لها.

 

الخلاصة: سياسة بلا مركز

 

لقد بُنيت الحرب على فرضية انهيار النظام الإيراني سريعاً عند استهداف قيادات الصف الأول والمرشد الأعلى، لكن مع فشل ذلك، بدأ الخطاب يتغير، فصار الحديث عن "نظام جديد" وعن "قيادة بديلة"، كما تحول هدف الحرب من القضاء على البرنامج النووي وعلى الترسانة الصاروخية، إلى القضاء على الجسور ومنشآت الطاقة، ومن السيطرة على مضيق هرمز، إلى السيطرة على النفط، أي أن الهدف نفسه يُعاد تعريفه بعد فشل تحقيقه. وهذا ما يفسر الانتقال من وضوح الهدف إلى فوضى الرسائل، فلم نعد نستغرب أن يصرح ترامب في خطاب واحد، أن الحرب انتهت، وأن المعركة مستمرة، وأن النصر تحقق وأن التصعيد قادم! وقد وُصف هذا المشهد بأنه أشبه بـ"قاعة مرايا" تعكس صوراً متناقضة بلا اتجاه واضح. (واشنطن بوست في 2026/04/02)

 

ما تكشفه هذه التناقضات لا يمكن اختزاله في كونه ارتباكاً عابراً، بل يعكس نمطاً متكرراً في صناعة القرار يقوم على الاستجابة لضغوط اللحظة بدل الانطلاق من تخطيط مسبق، وعلى تعديل الأهداف بدل مراجعة الأدوات، وعلى توظيف الخطاب بوصفه أداة تكتيكية ظرفية لا إطاراً استراتيجياً ناظماً لأعمال سياسية وعسكرية تسير وفق خطة.

 

وبعبارة أدق، لا تبدو هناك استراتيجية تُختبر عبر الوقائع، بقدر ما تبدو الوقائع نفسها عاملاً ضاغطاً يعيد تشكيل القرارات بصورة مستمرة مع كل اختبار. ولا يقف أثر هذا النمط عند حدود الارتباك الداخلي وإقالة كبار العسكريين وتراجع شعبية الرئيس، بل يمتد ليقوّض ثقة الحلفاء ويثير شكوكهم في موثوقية الالتزامات الأمريكية، بما يفتح المجال أمام تآكل الشبكات التحالفية التي شكّلت ركيزة النفوذ الدولي لواشنطن لعقود. وفي الوقت ذاته، ينعكس هذا التذبذب على صورة الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى عالمياً، إذ تتآكل هيبتها تدريجياً كلما بدت قراراتها أقرب إلى ردود فعل ظرفية منها إلى تعبير عن قيادة استراتيجية مستقرة، وهي فجوة تتسع مع مرور الوقت.

 

هذا الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه تراجع قدرة الدولة الأولى على قيادة العالم، سيمنح المجال بإذن الله وعونه لمن يمتلكون البديل الحضاري الإسلامي، لصناعة تاريخ جديد للأمة وإعادة تشكيل المشهد الدولي على أساس الإسلام. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع