- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
لسنا ضحايا الهزيمة، نحن صنّاعها بنسخ منتقاة من الحق
نستيقظ كل يوم على الحال ذاته؛ أمة مهزومة وعدو يتحكم بها وينتصر عليها ويستهزئ بها ويستنزفها، والأمة تتساءل لماذا؟ لكنها أول ما تحاول أن تجد الإجابة تراها تشير بأصبعها إلى العدو الخارجي والمؤامرات وإلى موازين القوى المختلة دون أن تحاول لمرة واحدة أن تنظر إلى مرآة نفسها التي تخبئ الجواب الأقسى في الداخل الذي لا يحب أحدنا الاقتراب منه.
عمليا نحن ندرك السبب وفقا لفطرتنا السليمة، لكننا نحب أن نعيد تشكيله على مقاس راحتنا فنأخذ منه ما نحب ونترك كل ما يطالبنا أن نتغير لأننا عشاق العيش الوهمي المريح وأساتذته!
كم منا من يخدع نفسه أنه مع الحق، بينما هو في الواقع مع نسخة قام بتعديلها وفق هواه وما يناسب راحته؟ نعم الكثير. وكما يقال "نعيب زماننا والعيب فينا"! فحين نفقد الصرامة الداخلية التي تمثل المعيار الفاصل بين الحق والباطل، تصبح عملية تزيين الخطأ حتى يبدو أقل رفضا أو أكثر قبولا، مهارةً يتقنها الكثيرون تحت مسمى الواقعية والذكاء الدبلوماسي وتبادل المصالح وربط النهضة بمشاريع وهمية ودعوات لتحقيق السلام حقناً للدماء. وإذا النتائج المترتبة ذل وهوان ودمار وحروب ونهب ثروات وانتهاك للأعراض. فيعود السؤال يتكرر لماذا؟ فيأتي الجواب الحقيقي الحاسم في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، هذه الآية الكريمة تظهر الخلل الموجود فينا، نريد تغيّر الواقع دون دفع ثمن تغيير أنفسنا، فلو نظرنا إلى تفاصيل حياتنا نستنكر الظالم ونحن نظلم أقرب المقربين لنا! نكره الفساد ثم نبرره إذا تعلق الأمر فينا وندعي أن الضرورات تبيح المحظورات! نرفع شعارات الحق ولكننا لا نريد دفع الثمن في سبيل تحقيقه! قد نغضب ونثور ونتظاهر لكننا لا نتغير، صرنا نتقن التعبير أكثر من الفعل؛ نكتب، نحلل، ندين... لكن حين يأتي ثلة من المخلصين يطلبون نصرتنا لاستعادة الخلافة كحل وحيد وحاسم إذ بنا ننسحب بهدوء ونترك مكاننا لكلمات جديدة تعبر عن أهمية تحقيق التوازن الدولي والتحلي بالحكمة والتماشي مع الواقع! كلمات تقوم بدورها كما أريد لها أن تكون، فتصف ضعف إمكانية التغيير وإظهار العدو كقوة لا تهزم وأنه لا بد من اتخاذ هدنة نصافح ونعقد السلام ونطبع فيها مع عدونا، وغيرها من المبررات والكلمات التي لا ترتقي أن تكون فكرا أو منهجا لمسلم كتابه القرآن الكريم وقائده رسول الله ﷺ.
وهكذا تتبدل الكلمات ويتم انتقاؤها بما يتماشى مع راحة وهميّة قد دُفع ثمنها مقدماً ذلاً وهواناً، وصدق الله العظيم بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟!
إن لم ندرك أننا حين نُعرِض عن الأخذ بكتاب الله بقوة، وجعله فقط مجرد تلاوة وحفظ دون تطبيق، بدلا من جعله منهجاً يعيد تشكيل وعينا، ويصحح نظرتنا للواقع، فالنتيجة لا تتغير.
وإن لم نراجع طريقة تفكيرنا، فنحررها من ذلك الخراب المتراكم في عقولنا عبر عقود، لنعيد بناءها على هدى هذا الكتاب، لا على ما زرع فينا من وهن وانكسار، فالنتيجة لا تتغير.
وإن لم نجعل هذا المنهج حاكما على تفاصيل حياتنا، لا خياراً نلجأ إليه عند الضيق، فالنتيجة لا تتغير.
وإن لم نوقن أن قوتنا كامنة في عقيدتنا، لا في نوعية عتاد ولا عدد، وأنها لا تحتاج إلا صدق اليقين وإخلاص الطريق، وأن النصر بيد الله وحده مهما ضعفت الأسباب، فالنتيجة لا تتغير.
وإن لم نتحرر من ذلك الشرك الخفي؛ من خوف يتسرب إلى قلوبنا من حاكم أو قوة أو واقع، فنشركها بضعفنا مع الله في مقام الهيبة والتأثير، فالنتيجة لا تتغير.
ما معنى أن النتيجة لا تتغير؟ أي أن نطيل أمد الهوان، ونعمق جذور الذل في واقعنا. وسنبقى نردد السؤال ذاته، جيلا بعد جيل: لماذا نستباح؟ دون أن نملك الشجاعة لنجيب: إننا نحن من صنعنا هزيمتنا بأيدينا، لأننا لم نغير أنفسنا.
فالحكمة تقتضي في ظل هذا الواقع الذي يتصف الآن بالفوضى والدمار وتخبط الأعداء والانهيار الحتمي للنظام الرأسمالي الذي سيضعف رأس الأفعى وأنيابها المغروسة في خاصرتنا، الحكمة تقتضي أن نستغل هذه الفرصة لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، بالعمل مع حزب التحرير الذي يمتلك المشروع الحقيقي لإقامتها. فوالله الذي صدق وعده إنها قاب قوسين أو أدنى، ولكن هل من مدكر؟!
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منال أم عبيدة



