- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سوريا اليوم ليست بداية الحكاية بل نتيجتها
في التاريخ لا تبدأ المآسي من لحظة انفجارها، بل من لحظة سابقة فقدت فيها الأمم قدرتها على فهم ما يجري حولها، ولهذا فإن ما نراه اليوم في سوريا لا يمكن قراءته كحدث منفصل بل كنتيجة متراكمة لمسار طويل بدأ قبل أن تولد أجيال كاملة. وحين سقطت عائلة الأسد، سقطت بوصفها عائلة لا كنظام حكم.
لقد تغيرت الوجوه الحاكمة وتبدلت الشعارات لكن جوهر الحكم لم يتغير، فالسلطة تدار من الأعلى تطلب منها الطاعة، فهي رهينة التدخل الخارجي ولا تملك الإرادة الحرة أو القرار السياسي المستقل، علاوة على أنها قائمة على نظام فاسد يتغذى على المحسوبية ويتحاكم للقوانين الوضعية.
وهنا يكمن أحد أهم أسباب الخلل في تحقيق أهداف هذه الثورة لأن التغيير كان غالبا تغيير أسماء لا تغيير أنظمة، فتم استبدال شخص بآخر، لكن القواعد بقيت كما كانت، ومهما ادعوا التغيير فإنه تغيير لا يمس البنية العميقة للنظام الفاسد وإنما تغيير يمتلك لغة جديدة براقة ليس لها أثر حقيقي على أرض الواقع، فما زالت القرارات الكبرى مرهونة بعوامل خارجية تحركها مصالح قوى كبرى وفق توازنات لا تعكس إرادة الشعوب.
في سوريا اليوم نرى بلدا يعاد ترتيبه سياسيا وأمنيا حيث تم اعتماد مفهوم المرحلة الانتقالية الذي جعل سوريا تعاني استمرار الصراع وعمل على ترسيخ حالة "اللاحل"، بمعنى أن يستمر النظام قائماً دون انتقال حقيقي، ويظل البلد عالقا بين حرب انتهت فعليا دون تحقيق استقرار وسلم مستدام.
وها نحن اليوم أمام أحد نتائج هذا الخلل، فقد صدر مؤخرا قرار تحت اسم "العفو العام"، في محاولة لإغلاق صفحة الماضي. وهنا لا بد من صرخة حق: عفو عام؟! وماذا عن الدم الذي لا ينسى؟ وبأي حق يعفى عن الدم دون الرجوع لوليه؟ وكيف يطلب من أم فقدت ابنها أو أب شيع أبناءه أو شعبٍ قدم آلاف الشهداء، أن يتقبل فكرة العفو العام؟! وكأن التورط في الدماء تحول إلى ملف يغلق بقرار فقط نتيجة لتغير السياق السياسي أو لتبدل المصالح، بينما تبقى القبور شاهدة والدموع حية والذاكرة لا تمحى!
المسألة ليست انتقاما بل عدالة. ففي المنطق الإنساني وفي النصوص الدينية كذلك فإن الدم لا يهدر بلا حساب، والقرآن جعل للقتل عمدا حكما واضحا يقوم على القصاص لا التساهل ولا التمييع.
أما تحويل القضايا الكبرى إلى ملفات تطوى بالعفو المتكرر، دون عدالة انتقالية حقيقية أو محاسبة شفافة فهو ما لا يمكن التغاضي عنه. كما أن اختزال العدالة الانتقالية في عفو عام أو تسويات جزئية لا يعمل إلا على تفرغيها من مضمونها الحقيقي لأن العدالة لا تقوم على طي الصفحات دون قراءتها ولا على تجاوز الألم دون الاعتراف به، بل إن أي تجاوز غير مؤسس على محاسبة واضحة قد يعيد إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها، فكيف يتم اختزال مفهوم العدالة الانتقالية بعبارة من كلمتين وهو الذي من شأنه توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عن طريق محاكمات حقيقية لا شكلية تشمل كشف الحقيقة والمساءلة والتعويض وإصلاح المؤسسات؟
من المؤسف أن يبدو هذا المفهوم حاضرا في الخطاب السياسي السوري ومختزلا في الواقع، كيف لا والحكومة السورية لا تزال رهينة القرارات الغربية والتدخلات الخارجية.
لكن السؤال هل يمكن بناء مستقبل مختلف بالأدوات نفسها التي صنعت الأزمة؟
حين لا تتغير بنية النظام الفاسد الذي كلف دماء الآلاف من الشهداء فإن أي إصلاح يبقى بلا قيمة، وأي استقرار يبقى هشاً، وأية مصالحة تبقى مؤقتة. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
كما أن ما قاله ابن خلدون يبقى حاضرا بقوة اليوم، فإن "الدول لا تقوم إلا على رابطة جامعة"، لا على توازنات مفروضة من الخارج، ففي بلاد العرب عموما وفي سوريا خصوصا تتضح المشكلة في غياب الإرادة لإحداث تغيير حقيقي في بنية الحكم، فلقد اعتدنا أن نبدل العناوين ونعيد صياغة الخطاب بأدوات أكثر حداثة في كل ثورة نقوم بها لكن دون أن نقترب من جذر المشكلة! لذلك ما نراه اليوم في سوريا ليس بداية الحكاية بل نتيجتها الطبيعية؛ نتيجة قرن من التفكك، ومن محاولات إصلاح لم تمس الجوهر، ومن أنظمة اكتفت بتغيير الوجوه وتركت البنية كما هي. ولهذا فإن أي أمل في التغيير الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير الأدوات نفسها ولا على استبدال أسماء بأخرى، بل يبدأ من إدراك بسيط لكنه حاسم: إننا لسنا بحاجة إلى حلول مؤقتة بل إلى إعادة بناء حقيقي يقوم على إرادة داخلية واعية تهدف إلى القضاء على النظام القائم بكل ما فيه من بنى ومؤسسات...الخ واستعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بوصفها نظام حكم يوحد الصفوف ويحقق العدالة ويعيد الاستقرار، وأي حلول أخرى ما هي إلا إهدار للوقت وخلق فرص أخرى للغرب ولكيان يهود لانتهاك ما تبقى من سيادتنا وأراضينا.
علينا أن لا ننسى فقد منحنا الله فرصة فأضعناها، ولكن «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» فلا بد من إعادة ترتيب المشهد وتمحيص الصفوف والقيادات والتوكل على الله واليقين بمعية الله، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. فأنتم لها يا أحفاد خالد بن الوليد؛ فوالله لقد أثبتم شجاعتكم وصبركم. فقد آن الأوان للصحوة مرة أخرى ولتكن هذه المرة لا لإسقاط الأسد بل لله الواحد القهار بتحكيم شرعه وتحرير مقدساته.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منال أم عبيدة



