- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
زيارة ترامب إلى الصين التي لم تُلبِّ التوقعات
قام الرئيس الأمريكي ترامب بزيارة رسمية إلى الصين خلال الفترة ما بين 13 و15 أيار/مايو. وكان هذا اللقاء بين أكبر اقتصادين في العالم محلَّ ترقّب العديد من الشركات الكبرى.
لكن، ووفقاً لما ذكرته وكالة رويترز، فإن نتائج هذه الزيارة لم تُلبِّ التوقعات. فقد عاد ترامب من الصين دون تحقيق أي نتائج كبيرة تُذكر.
1- الملف الإيراني: غياب المساعدة الصينية
كان من أبرز وأكثر الملفات حساسية على جدول أعمال اللقاء الحربُ المستمرة في إيران، إضافةً إلى التوقف شبه الكامل لحركة السفن في مضيق هرمز. وكان من المتوقع أن يحاول ترامب إقناع الصين باستخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي على إيران من أجل التوصل إلى اتفاق، خاصةً أن بكين حافظت على علاقاتها الوثيقة مع طهران حتى أثناء الحرب، وواصلت شراء النفط الإيراني.
إلا أن الصين لم تُقدِّم لأمريكا أي مساعدة واضحة في هذا الملف. بل على العكس، فقد أصدرت وزارة خارجيتها، قبيل لقاء الرئيسين على مائدة الشاي، بياناً شديد اللهجة عبّرت فيه عن استيائها من الحرب التي تشنها أمريكا وكيان يهود ضد إيران. وفي نهاية المطاف، اكتفى البيت الأبيض بالإعلان عن "الجهود المشتركة لإعادة فتح مضيق هرمز" بين الرئيسين.
2- الاتفاقيات الاقتصادية:
صرّح ترامب لقناة فوكس نيوز بأن الصين وافقت على طلب 200 طائرة من شركة بوينغ إلا أن هذا الرقم أقل بمرتين ونصف من التوقعات السابقة التي تحدثت عن بيع 500 طائرة. ونتيجة لذلك، انخفضت أسهم شركة بوينغ بأكثر من 4%.
ولم يحدث أي تقدم في مسألة بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة H200 التابعة لشركة إنفيديا إلى الصين. ورغم أن المسؤولين الأمريكيين تحدثوا عن إحراز تقدم في بيع المنتجات الزراعية وإنشاء آليات لإدارة العلاقات التجارية، فإن تفاصيل الاتفاقيات لم تُكشف تقريباً.
كما اضطر ترامب إلى العودة دون التوصل إلى قرار رسمي بشأن قضية توريد المعادن النادرة.
3- ملف تايوان:
وكما كان متوقعاً، تمسّك الجانب الصيني بموقفه الصارم تجاه قضية تايوان. فقد أكدت بكين أنها تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها، وأنها ستضعها في نهاية المطاف تحت سيطرتها.
4- الاستراتيجية الصينية:
أظهرت هذه الزيارة بوضوح أن الصين لم تعد تُبدي اهتماماً كبيراً بأمريكا كما في السابق. ففي اللقاء المباشر، أكد شي جين بينغ أن على أمريكا والصين أن تعملا لتجنب الوقوع في "فخ ثوسيديديس".
(معلومة توضيحية: "فخ ثوسيديديس" هو مفهوم جيوسياسي قدّمه عالم السياسة غراهام أليسون استناداً إلى كتابات المؤرخ اليوناني ثوسيديديس، ويشرح النمط التاريخي الذي يدفع القوة المهيمنة الآخذة في التراجع إلى الصدام مع قوة صاعدة جديدة).
وفي الحقيقة، فإن شي جين بينغ، من خلال طرحه لهذه الفكرة أمام ترامب، كان يلمّح بأسلوب دبلوماسي إلى أن أمريكا أصبحت قوة آخذة في الضعف، بينما الصين تمثل القوة الصاعدة. وكان ذلك بمثابة تلميح غير مباشر إلى أن على أمريكا تجنب الصدام.
لكن بكين تدرك جيداً أيضاً أن وقت المواجهة المباشرة لم يحن بعد. ولهذا السبب، هي تسعى إلى تجنب أي صدام مباشر مع أمريكا إلى أن تأتي اللحظة المناسبة. ومن هنا يمكن فهم سرّ تعامل شي جين بينغ بودّ مع ترامب، مع عدم تراجعه في القضايا الجوهرية.
وخلاصة القول، يمكن اعتبار أن ترامب عاد من الصين خالي الوفاض، دون أن يحقق المكاسب الاقتصادية أو السياسية الكبرى التي كان يطمح إليها. فقد أظهرت نتائج الزيارة أنه رغم رغبة الطرفين في استمرار التعاون، فإن التناقضات الاستراتيجية بينهما عميقة للغاية.
ويتحدث الخبراء منذ سنوات عن احتمال أن تلحق الصين بالولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً خلال السنوات القادمة، بل وربما تتجاوزها. لكن من المؤكد أن الزعامة العالمية لا تقوم على السلاح أو المال وحدهما.
ولذلك، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع الصين بناء نظام عالمي جديد وتأسيس مؤسسات دولية جديدة؟ والأهم من ذلك، هل يمكنها تقديم مشروع حضاري جديد يجلب للبشرية العدالة والسلام والرفاهية؟
حتى الآن، يبدو أن الصين لا تملك إجابة واضحة عن هذه الأسئلة. غير أن زيارة ترامب أثبتت أن هذا التحول العالمي ليس سوى بداية مرحلة جديدة.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عقيلبيك عسكروف



