- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
خديعة مفاوضات أمريكا لإيران التي لا تنتهي
وانخداع ساسة إيران الذي لا ينقضي!
شكلت تداعيات حرب أمريكا على إيران لحظة تاريخية مفصلية في صناعة مأزق أمريكا الاستراتيجي والجيوستراتيجي التاريخي، وامتحانا شديدا لتآكل الهيمنة الأمريكية وتصدع النظام الدولي الذي وضعت أمريكا أسسه بعد الحرب العالمية الثانية ورسخته بعد انتهاء الحرب الباردة، ولقد كانت هذه الحرب اختبارا قاسيا لقوتها العسكرية، فقد كشفت محدودية قوتها العسكرية وعمق المعضلة الاستراتيجية الأمريكية، فلا إيران تم إخضاعها وتحويلها لخادم تابع ولا الصين تم خنقها، بل على العكس أصبحت حرب إيران ورطة أمريكا ومأزقها الخانق.
بل إن تداعيات الحرب شكلت انقلابا وصدمة استراتيجية جنت منها أمريكا عكس أهدافها، فالصين التي كانت على رأس أولويتها الاستراتيجية والتي كانت الحرب ضد إيران في شق كبير منها تستهدف الصين عبر قطع شريان الطاقة الإيراني عنها وإغلاق نافدة الخليج دونها. فقد أصبح مضيق هرمز شغل أمريكا ومعه تحولت بوصلة الاهتمام والشغل الاستراتيجي والعسكري الأمريكي، فكلما طال أمد الحرب اضطرت أمريكا لتخصيص مزيد من القوات والذخائر والقدرات البحرية والجوية ومعها استنزاف القوة العسكرية ومخزونها الاستراتيجي الذي تعده للصين، عطفا أن التركيز على إيران يقلل التركيز على منطقتي المحيطين الهندي والهادئ حيث التحدي الصيني الرئيسي، وهو ما يمنح الصين فسحة وفرصة استثنائية لتكثيف نفوذها في آسيا وبناء عسكريتها وتعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي على الساحة الدولية، وهو ما يفاقم الورطة والمعضلة الأمريكية.
وهذا الوضع الحرج وبحسب هذه النتائج هو ضرب للهيمنة الأمريكية وتحطيم لقيادتها العالمية، ومن شبه المستحيل بل والمستحيل أن تخضع أمريكا لهكذا وضع فضلا أن تفاوض على تكريسه، بل ستسعى لقلب الطاولة وإعادة الكرة للخروج من مأزقها، وهذا الوضع الحرج الخطير تتعامل معه أمريكا بخداع سياسي تام للخصم عبر خديعة المفاوضات التي تهدف منها شراء الوقت لاستجماع القوة وإعادة الكرة لإكراه إيران على الاستسلام والقبول بشروط هيمنتها وإذلالها، بل وأبعد من ذلك إعادة محاولة هيكلة النظام الإيراني ليصبح تابعا لها، بينما ينظر لها ساسة إيران في انخداعهم وكأنها مفاوضات على ترسيخ الوضع القائم وتكريسه كنتيجة نهائية، وهو سقوط في فخ خديعة المفاوضات!
علما أن هذا الوضع الاستراتيجي الحرج الخطير استحالة أن تقبل به أمريكا كوضع نهائي فضلا عن تكريسه عبر المفاوضات، بل لن يفرض هذا الوضع إلا قهرا وبزلزال استراتيجي وعن طريق عمل عسكري جذري يقتلع الوجود والنفوذ الأمريكي من المنطقة والإقليم نهائيا.
يا ليت حكام إيران يعلمون ذلك!
أمريكا لا تفاوض بل تشتري الوقت لإعادة ترميم قوتها العسكرية التي تصدعت وتكثيف تحالفاتها الصليبية التي تضررت وإعادة ترميم قواعدها التي خربت بل وإعداد بدائل من خارج الإقليم، كرفع الجاهزية في بعض القواعد الأمريكية داخل أوروبا مثل القاعدة الأمريكية في رامشتاين بألمانيا وقاعدة راف لَيْكنهيث في بريطانيا، اللتين تُستخدمان تقليدياً كنقاط عبور وتموين ودعم للعمليات في منطقتنا (الشرق الأوسط)، مع حشد بحري واسع؛ فقد كشفت التقارير الإخبارية عن تحريك أكثر من 20 قطعة بحرية أمريكية، بينها مجموعات حاملة طائرات، باتجاه بحر العرب وخليج عُمان، بما يرفع القدرة على تنفيذ عمليات جوية وبحرية بشكل مستمر، مع استمرار الضربات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية زمن المفاوضات لتخفيف ردات الفعل الإيرانية القوية وتقليل خسائرها وكبح استنزاف قدراتها العسكرية وذخائرها وخاصة المنظومة الدفاعية والصواريخ الاعتراضية المكلفة. فكل هذا الحشد العسكري الاستراتيجي الأمريكي يتطلب وقتا وإعدادا، والمفاوضات هي حيلة أمريكا لشراء الوقت وخديعة حكام إيران.
المصيبة أن ساسة إيران المخدوعين يمنحونها الوقت لإنجاز ذلك!
لو كان من عقل سياسي مبدئي جذري في إيران لعَلِم أن أمريكا وهي تعاني الجروح الاستراتيجية البالغة التي سببتها حربها عليهم جعلتها كالخنزير الوحشي، وهو جريح أخطر بكثير منه وهو سليم، فألم تصدع قوتها والخوف على هيمنتها يجعلان سلوكها أكثر اندفاعاً وعدوانية وطيشا.
وكما التعامل مع الخنزير الوحشي والذي لا ينفع إمهاله، فكان حريا بحكام إيران لو كانوا على شيء اغتنام فرصتهم للقضاء على وجود أمريكا العسكري في الإقليم نهائيا ونفوذها السياسي من داخل إيران وليس مفاوضتها.
ولكن في انعدام جذرية ومبدئية تفكير ساسة إيران هلاكهم لو يعقلون!
فحرب أمريكا على إيران أكدت الحقيقة العارية أن القضية مع الغرب ليست عسكرية ولكنها مبدئية سياسية بامتياز، والغرب يوظف فراغ الدولة الذي نعاني منه لتحويل ورطته العسكرية لمخرج سياسي منها، وهو ما يتم اليوم عبر فتح نافذة المفاوضات وخداع ساسة إيران للخروج من مأزقه الاستراتيجي وورطته العسكرية إما باستسلام إيران المذل أو ضربة قاصمة.
ما يعني أن المعضلة المصيرية بالنسبة للأمة الإسلامية باقية وتزداد حدة وفتكا، وهي الثقب الأسود المبدئي وفراغ الدولة المبدئية الذي تعاني منه البلاد الإسلامية لأزيد من قرن من الزمن وهي مدة رهيبة من عمر الأمة الإسلامية، وهو ما جعلها ساحة لحروب الغرب الكافر الصليبية والاستعمارية بل ولكيان يهود الحقير والروس والهندوس والصين وبوذيو بورما...، بتواطؤ بل وشراكة تامة من أنظمة الخيانة والعار الوظيفية اليوم.
ولن يملأ هذا الثقب الأسود المبدئي الذي نعاني من تبعاته القاسية بوصفنا مسلمين إلا خلافة إسلامنا العظيم، تكنس رجس أنظمة الخيانة والعار وتقطع دابر الغرب الكافر وتمحو عار حضارته وتنسف جحيم حياته، وتعيد للأمة طاعتها لربها وعزتها بتحكيم شرعه. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مُناجي محمد



