- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
من الضربة العسكرية إلى محاولة إسقاط الدولة من الداخل!
لم تعد الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، ولا مجرد صراع حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. فمع اتساع نطاق ضربات أمريكا وحليفها كيان يهود، وتصاعد الضغط الاقتصادي، وانهيار حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ودخول باكستان على خط الوساطة، تبدو المنطقة أمام صراع متعدد الطبقات، تتداخل فيه القوة العسكرية مع السلاح المالي، والضغط الاقتصادي مع الحرب النفسية، والعمليات الخارجية مع محاولة التأثير في تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية. فهل تسعى الاستراتيجية الحالية إلى إضعاف الدولة الإيرانية من الخارج إلى درجة تجعل أزمتها الداخلية تتولى مهمة إسقاط قدرتها على الصمود؟
هذه الفرضية لا تعني بالضرورة أن قراراً نهائياً اتُخذ لإسقاط النظام الإيراني، ولا يمكن إثبات نوايا الدول من خلال النتائج وحدها. لكنها تستحق الدراسة لأن مسار الأحداث بدأ يجمع بين عناصر كانت في السابق منفصلة: ضرب القدرات العسكرية، استهداف بعض أجهزة الأمن الداخلي، خنق الموارد المالية، الضغط على صادرات النفط، وإثارة أزمة اجتماعية واقتصادية في بلد يعاني أصلاً من اختلالات عميقة.
منذ بدء حرب أمريكا وكيان يهود على إيران في شباط/فبراير 2026، اتسع نطاق الأهداف تدريجياً من المنشآت النووية والعسكرية إلى البنية التي تقوم عليها قدرة الدولة على إدارة الحرب والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وقد أشارت تقارير رويترز إلى أن كيان يهود استهدف في آذار/مارس نقاط تفتيش تابعة للباسيج في طهران، وقال جيش الكيان إن الهدف كان إضعاف حكم القيادة الإيرانية.
فالباسيج ليس مجرد تشكيل عسكري تقليدي؛ بل يمثل إحدى أدوات الدولة في ضبط الأمن الداخلي ومواجهة الاحتجاجات. ولذلك فإن استهدافه يحمل دلالة مختلفة عن استهداف قاعدة عسكرية أو منشأة صاروخية.
إن ضرب منظومة الأمن الداخلي لا يستهدف فقط قدرة إيران على القتال، وإنما يمكن - في حال تراكم الضربات - أن يؤثر في قدرة الدولة على إدارة أزماتها الداخلية. فالدولة تستطيع تحمل قدر كبير من الدمار العسكري إذا بقيت مؤسساتها السياسية والأمنية متماسكة، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تبدأ قدرتها على حفظ النظام، وتوزيع الموارد، وإدارة المدن، والسيطرة على الاحتجاجات، في التراجع بالتزامن مع انهيار اقتصادي.
من هنا يمكن تصور المعادلة التالية: إضعاف القوة العسكرية + إرباك الأمن الداخلي + خنق الاقتصاد = ضغط على قدرة الدولة على الحكم. وهذا لا يعني بالضرورة سقوط النظام، لكنه يفتح الباب أمام سيناريو مختلف تماماً عن الحرب التقليدية.
الاقتصاد الإيراني: الحلقة التي يمكن أن تربط الخارج بالداخل
المشكلة أن إيران تدخل هذه المرحلة وهي ليست في وضع اقتصادي طبيعي. فالحرب لم تبدأ باقتصاد قوي ومستقر، بل جاءت فوق سنوات من العقوبات والتضخم وتراجع قيمة العملة والاختلالات المالية.
وفي آب/أغسطس 2026، كانت واشنطن تستعد لفرض ما وصفه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأنه "أقسى عقوبات في التاريخ"، مع تهديدات بأن تطال الإجراءات شركاء إيران التجاريين أيضاً. ووفق رويترز، فإن الهدف هو زيادة عزل الاقتصاد الإيراني والضغط على طهران في الوقت الذي تعاني فيه بالفعل من أضرار الحرب والعقوبات. وهنا تكمن أهمية الحرب المالية.
فالولايات المتحدة ليست مضطرة إلى احتلال إيران حتى تخنق اقتصادها، بل تستطيع استخدام قوة الدولار، والنظام المصرفي، والعقوبات الثانوية، والتأمين والشحن، وشبكات الطاقة، لإجبار شركات ودول أخرى على الاختيار بين التعامل مع إيران والحفاظ على وصولها إلى النظام المالي العالمي. وبذلك تصبح المعركة: إيران ضد الولايات المتحدة عسكرياً، وإيران ضد النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة اقتصادياً.
لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن أن العقوبات سلاح ذو حدين؛ فكلما زاد الضغط على صادرات النفط الإيرانية، ارتفعت احتمالات اضطراب أسواق الطاقة. وكلما ارتفعت تكلفة النفط والشحن والتأمين، انتقلت نسبة من تكلفة الحرب إلى الاقتصاد العالمي نفسه. وقد ظهرت بالفعل هذه المفارقة في الأسواق؛ إذ ارتفعت أسعار النفط فوق مستويات ما قبل الحرب، بينما أصبحت حركة الملاحة في مضيق هرمز شديدة الاضطراب. وفي 24 آب/أغسطس، أظهرت بيانات تتبع السفن أن حركة المرور عبر المضيق أصبحت أقل بنحو 90% من مستويات ما قبل الحرب.
إذا كانت واشنطن تراهن على خنق الاقتصاد الإيراني، فإن إيران تملك ورقة يمكنها من خلالها رفع تكلفة هذا الخنق على العالم كله: مضيق هرمز. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي إيراني - خليجي، وإنما أحد أهم الاختناقات الاستراتيجية للطاقة العالمية. وقد أدى اضطراب الملاحة بالفعل إلى نقص حاد في إمدادات بعض المنتجات النفطية في آسيا. ووفق رويترز، انخفضت واردات آسيا من المشتقات الخفيفة والمتوسطة في آب/أغسطس بنحو 21% عن متوسطات ما قبل الحرب، بينما ارتفعت هوامش تكرير وقود الديزل إلى مستويات تاريخية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إذا نجحت الولايات المتحدة في خنق إيران، فقد تدفع إيران إلى رفع تكلفة الخنق على العالم. وإذا أغلقت إيران أو عطلت هرمز بصورة واسعة، فلن تبقى الأزمة إيرانية، بل ستصبح أزمة طاقة عالمية، ومن ثم فإن الحرب قد تنتقل من معادلة: واشنطن ضد طهران إلى معادلة: واشنطن وطهران في مواجهة الاقتصاد العالمي نفسه.
هل يمكن أن تكون الضربة القادمة داخل إيران؟
هنا تظهر الفرضية الأكثر حساسية في المشهد؛ ماذا لو لم تعد الأولوية هي تدمير المنشآت العسكرية فقط، وإنما إضعاف أدوات السيطرة الداخلية؟
إن استهداف الباسيج الذي أعلن عنه الكيان في آذار/مارس يعطي لهذه الفرضية أساساً واقعياً، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة لإسقاط النظام. غير أن السيناريو الاستقرائي يمكن أن يكون على النحو التالي: ضرب البنية العسكرية، إرباك الأجهزة الأمنية، اتساع الضغوط الاقتصادية، احتجاجات واضطرابات، تراجع قدرة الدولة على السيطرة، انقسام داخل النخبة، أزمة في شرعية النظام وقدرته على الحكم.
وهنا يتحول الهدف من هزيمة الجيش الإيراني إلى إضعاف الدولة الإيرانية، وهذا فارق استراتيجي هائل. فإسقاط منشأة عسكرية لا يعني سقوط دولة، أما إذا تزامن تدمير القدرات العسكرية مع فقدان السيطرة الأمنية وانهيار اقتصادي وانقسام سياسي، فإن الدولة تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة تآكل القدرة على الحكم.
ليس من الضروري أن تشهد إيران ثورة شاملة حتى يصبح النظام في خطر، قد تبدأ الأزمة بصورة أكثر هدوءاً: ارتفاع الأسعار، نقص السلع، تراجع قيمة العملة، إضرابات، اضطراب الأسواق، هروب رأس المال، تراجع الإنتاج، عدم انتظام الخدمات، ثم احتجاجات محلية.
وفي دولة تعاني حرباً وعقوبات، يمكن لكل عنصر أن يغذي الآخر. فالأزمة الاقتصادية تولد الاحتجاج، والاحتجاج يضغط على الأمن، والاضطراب الأمني يضر الاقتصاد، ثم يؤدي ضعف الاقتصاد إلى زيادة الاحتجاج... إنها دائرة مغلقة.
لكن الحلقة الأكثر أهمية ليست الشارع وحده؛ وإنما تماسك النخبة الحاكمة. فإذا بقيت المؤسسة السياسية والحرس الثوري والأجهزة الأمنية متماسكة، يستطيع النظام امتصاص مستويات كبيرة من الضغط. أما إذا بدأ الانقسام داخل مراكز القوة، فإن الأزمة تصبح أكثر خطورة. ولهذا فإن المؤشر الحقيقي على اقتراب انهيار النظام لن يكون عدد الاحتجاجات وحده، وإنما السؤال: هل ما زالت مؤسسات القوة الإيرانية تعمل كجسم واحد؟
الخطأ في قراءة المشهد سيكون افتراض أن ضرب المؤسسات الأمنية يؤدي تلقائياً إلى سقوط النظام. فالتاريخ السياسي يثبت أن الحرب الخارجية قد تنتج النتيجة العكسية. فقد تؤدي ضربات أمريكا وكيان يهود إلى تعزيز الشعور القومي داخل إيران، وتحويل جزء من المعارضة الداخلية إلى موقف دفاعي عن الدولة أمام "العدوان الخارجي". وفي هذه الحالة قد تصبح الضربة على الباسيج عاملاً في توحيد الجبهة الداخلية بدل تفكيكها.
لذلك فإن الرهان على إسقاط النظام من خلال الضغط العسكري والاقتصادي يحمل مخاطرة كبيرة. فالضغط قد ينتج الثورة، لكنه قد ينتج أيضاً مزيداً من القمع والتعبئة القومية والتشدد. والفاصل بين النتيجتين هو تماسك مؤسسات الدولة.
أمريكا أمام معضلة استراتيجية:
تملك الولايات المتحدة قوة مالية وعسكرية هائلة، لكن ذلك لا يعني أن قدرتها على الضغط بلا حدود. فالاقتصاد الأمريكي نفسه يواجه عبء الدين وتكاليف الفائدة والاستقطاب السياسي، بينما تحتاج واشنطن إلى تجنب تحويل الحرب إلى أزمة طاقة عالمية طويلة. ومن هنا نفهم لماذا تحمل العقوبات الجديدة أهمية خاصة. فوزير الخزانة الأمريكي قال إن التركيز الاقتصادي يمكن أن يقلل الحاجة إلى عملية عسكرية أمريكية كبرى جديدة ضد إيران. بمعنى آخر، قد تكون واشنطن أمام محاولة لاستبدال القوة المالية بجزء من القوة العسكرية. لكن القوة المالية تحتاج إلى تعاون العالم. فإذا رفضت الصين أو دول أخرى الالتزام الكامل بالعقوبات، وإذا تمكنت إيران من تطوير قنوات بديلة لبيع النفط والحصول على العملات والسلع، فقد تتحول العقوبات إلى عملية استنزاف طويلة بدل أن تكون ضربة حاسمة. وعندها تصبح الحرب على إيران جزءاً من الصراع الأكبر على مستقبل النظام المالي العالمي.
الصين: المتغير الذي لا يمكن تجاهله إذا استمرت الحرب، فإلى أي حد ستتحمل الصين استخدام واشنطن للعقوبات الثانوية ضد شركاء طهران؟
إذا استطاعت إيران والصين وروسيا وشبكات التجارة الإقليمية الالتفاف جزئياً على النظام المالي الأمريكي، فإن الحرب قد تسرّع ظهور نظام تجاري ومالي أكثر تعدداً للأقطاب. أما إذا تمكنت واشنطن من إجبار معظم الشركاء على الانصياع، فسيكون ذلك تأكيداً جديداً على استمرار قوة النظام المالي القائم على الدولار. ولكن إذا تحولت الأزمة إلى حرب طويلة، فإن آثارها لن تتوقف عند حدود إيران.
الخليج: ستصبح دول الخليج أمام معادلة صعبة: الحفاظ على تحالفاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه منع تحويل أراضيها ومنشآتها النفطية إلى ساحات حرب.
تركيا: ستواجه تركيا ضغوطاً في الطاقة والتجارة والنقل، لكنها قد تتحول أيضاً إلى قناة اتصال سياسية مهمة بين الأطراف.
العراق: قد يكون من أكثر الدول تعرضاً للارتدادات الأمنية والسياسية نتيجة موقعه الجغرافي وتشابك القوى المسلحة والمصالح الإيرانية والأمريكية داخله.
اليمن والبحر الأحمر: أي تصعيد إقليمي قد يزيد الضغط على طرق الملاحة الأخرى، وهو ما ظهر بالفعل في اضطراب حركة السفن والهجمات في البحر الأحمر.
الاقتصاد العالمي: ارتفاع أسعار الطاقة يعني ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وبالتالي عودة التضخم في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي حساساً تجاه أسعار الفائدة والديون.
فإذا بقيت المؤسسات الإيرانية متماسكة، فقد تتحول الحرب إلى استنزاف طويل، وإذا انهارت الجبهة الداخلية اقتصادياً وأمنياً، فقد تبدأ مرحلة انتقالية شديدة الخطورة. أما إذا حدث انقسام داخل النخبة ومؤسسات القوة، فإن السيناريو الأكثر اضطراباً يصبح ممكناً: تآكل النظام من الداخل قبل أن تحسم الحرب خارجياً.
إنَّ المنطقةَ تدقُّ دقَّ الرَّحى للحصى، فإن لم نوقف هذا الاستنزاف للمنطقة، فإن الغرب، ولا سيما كيان يهود، سوف يتمكَّن من بلادنا وأعراضنا وأموالنا. فإن لم نستفق من غفوتنا، فإن القادم أسوأ!
نحن لا ينقصنا أن نمتلك زمام أمورنا وقرارنا السياسي والاقتصادي، وفي كل المناحي، سوى أن نقرر أن نلتزم بكتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ، وأن نخطو خُطاه ﷺ، ونعمل على استئناف الحياة الإسلامية؛ فهي المنجى الوحيد لنا، ولا منجى لنا غيرها. وهناك من يعمل لاستعادة هذه الأمة مكانتها وعزَّها بإقامة دولتها، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي بشرنا بها رسول الله ﷺ. فكونوا من رجالها، وكونوا سعداً وخالداً ممَّن أنجبت هذه الأمة، وانفضوا الغبار عن كواهلكم، وشمِّروا السواعد، ولننطلق لإعزاز دين الله. فما ينتظرنا يقيناً، هو إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر، فنلقى الله وهو راضٍ عنا، ومن تكلَّل بالنصر، فيستخلفه الله لإقامة هذا الدين.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



