- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
السياسة الخارجية الغربية والعرقيات الصغيرة المضطهدة
(مترجم)
في كتابه "مقدمة في الشريعة الإسلامية"، يتتبع البروفيسور وائل حلاق العلاقة التاريخية بين صعود الاستعمار الغربي وتفكيك الشريعة كنظام مجتمعي في البلاد الإسلامية. كانت إحدى الاستراتيجيات التي استخدمتها القوى الغربية لتبرير التدخل السياسي والاقتصادي في الخلافة العثمانية هي استخدام وضع العرقيات الدينية الصغيرة، تحت ستار تعزيز المساواة ورسالة حضارية.
لقد ضغطت القوى الغربية، ولا سيما فرنسا وبريطانيا والنمسا، على الخلافة العثمانية لمنح العرقيات الصغيرة غير المسلمة حقوقا قانونية رسمية والتي تم تحديدها وفقاً لمفاهيم الحكم الغربية. وزعموا أن هذه الجماعات تتطلب حماية ووضعاً مساوياً لوضع الرعايا المسلمين. وقد قدمت هذه الادعاءات مع قيام القوى الغربية بتصوير نفسها على أنها "المدافع عن القضايا" الإنسانية. وزعموا أن النظام القانوني العثماني (الشريعة) يفتقر إلى النظام الحديث والنظام والقانون. وبالتالي، صاغوا تدخلهم على أنه جهد ضروري لجعل الخلافة العثمانية تتماشى مع "الثقافة والعلوم ورأس المال الأوروبية".
وهكذا، دافعت القوى الغربية عن الحريات للنصارى واليهود في الخلافة العثمانية. وتعرضت الخلافة العثمانية لضغوط من أجل تنفيذ إصلاحات كبرى مثل مرسوم غولهان لعام 1839 ومرسوم همايون لعام 1856. وقد منحت هذه المراسيم المساواة الرسمية لجميع الرعايا بغض النظر عن ديانتهم، وهو إجراء كان في الغالب فرضاً من أوروبا وليس نتيجة لسياسة داخلية عثمانية. لم تكن الإصلاحات مرتبطة كثيرا بالاهتمام الفعلي بالديمقراطية، بل كانت استراتيجية لزراعة شريحة من السكان تعمل بمثابة وسطاء للمصالح الاقتصادية والسياسية الأوروبية. علاوة على ذلك، فتحت المراسيم، خاصة غولهان، الأسواق العثمانية للاستغلال الأوروبي، ما حول الخلافة العثمانية فعلياً إلى مزود للمواد الخام للصناعة الغربية.
يقول البروفيسور وائل حلاق في الصفحة 99 من كتابه: "مع انتهاء حروب القرم 1853-1856، تكبد العثمانيون المزيد من الديون لفرنسا وبريطانيا، سياسياً (لدعمهم العسكري ضد الروس)، ومالياً (بالنسبة للقروض الكبرى التي قدمها البريطانيون لإسطنبول). فتحولت هذه الديون إلى ضغوط مهيمنة شديدة على إسطنبول، ما أدى إلى سلسلة أخرى من التنازلات التي تجسدت في مرسوم همايون لعام 1856. على عكس سابقه لعام 1839، والذي أعده كبار رجال الدولة العثمانيين. وقد تمت صياغة مرسوم 1856 بعد مشاورات مكثفة مع سفراء فرنسا وبريطانيا والنمسا، وابتعد أكثر عن أحكام الإسلام، ولم يذكر القرآن أو الشريعة ولو مرة واحدة. على سبيل المثال ركز حكومة تمثيلية على النمط الأوروبي، ومنح العرقيات الصغيرة غير المسلمة حقوقا رسمية (مرة أخرى محددة بمفاهيم الحكم الغربية) على قدم المساواة مع تلك التي يتمتع بها الرعايا المسلمون في الخلافة.
لم تكن هذه المرة الأولى في التاريخ التي تبرر فيها قوة أو حاكم غربي سياستها الخارجية بالتعبير عن اهتمامها بالعرقيات الصغيرة. نرى الاستراتيجية نفسها في دعوة البابا أوربان الثاني للحملة الصليبية الأولى. فقد كان أحد الأسباب التي ذكرها هو الاضطهاد الذي يُزعم أن نصارى الشرق واجهوه في ظل الحكم الإسلامي. ولو درسنا التاريخ، فإننا نرى أن القوى الغربية تستخدم هذه الاستراتيجية مراراً وتكراراً. لدرجة أنها أصبحت في العصر الحديث، ركيزةً أساسيةً في سياسة أمريكا الخارجية.
في كتابها "الشهداء والمهاجرون"، تقدم البروفيسورة كانديس لوكاسيك دراسة مفصلة حول كيفية استخدام فكرة "الأقلية المضطهدة" في السياسة الخارجية الأمريكية لتبرير التوسع الإمبريالي وتأطير "معركة حضارية بعد الحرب الباردة بين المسيحية والإسلام". سهّلت هذه الفكرة تحول الأمن القومي الأمريكي وتركيز التبشير من الشيوعية إلى الإسلام. وبينما كانت الروايات الإنجيلية في السابق تركز على النصارى تحت الحكم السوفيتي، فإن نهاية الحرب الباردة سمحت بإعادة رسم الخرائط، مع التركيز الآن على "نافذة 40/10" (في إشارة إلى المنطقة الجغرافية بين 10 درجات و40 درجة شمال خط الاستواء، التي تشمل الشرق الأوسط ومعظم آسيا)، حيث تم تصوير الإسلام على أنه نظام اجتماعي "يستعبد" المليارات. وضع هذا النظام العالمي الجديد أمريكا كقوة فداء مكلفة بـإنقاذ الآخرين من الاستبداد، لا سيما في ظل الإسلام الراديكالي.
وتم ترسيخ هذه الفكرة رسمياً من خلال قانون الحرية الدينية الدولي الأمريكي (IRFA) لعام 1998. أنشأ هذا القانون مكتب الحرية الدينية الدولية داخل وزارة الخارجية ودعمه تحالف من نشطاء نصارى من الشرق الأوسط وسياسيين محافظين وزملاء من مراكز الأبحاث مثل معهد هدسون وبيت الحرية. وقد سمح القانون لأمريكا باستخدام الحرية الدينية كمقياس لتوبيخ الدول الأخرى، على الرغم أنه قدم إعفاءات لحلفاء استراتيجيين مثل السعودية وكيان يهود.
ومع ذلك، فإن استخدام هذه الفكرة "الأقلية المضطهدة" لا ينطبق فقط على العرقيات الدينية الصغيرة. في كتابه "الإسلام في الليبرالية"، يُظهر البروفيسور جوزيف مسعد كيف تستخدم الليبرالية الغربية مهمة إنقاذ الشواذ جنسيا في البلاد الإسلامية مثل القوالب النمطية المستخدمة للعرقيات الدينية الصغيرة (والنساء، كما نرى في حالة أفغانستان). تم إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الفكرة من الإنقاذ في سياسة الحكومة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، ربط إعلان إدارة أوباما عام 2011 المساعدات الخارجية الأمريكية بالتزام الدولة بالرؤى الغربية "للحقوق الجنسية" وحماية هويات جنسية محددة. وتستخدم الحقوق الجنسية كذريعة للتدخل في الجنوب العالمي.
تظهر كل هذه الحالات استراتيجية مدروسة تصاحب الدعوة لحماية العرقيات الصغيرة أهداف جيوسياسية واقتصادية أوسع. بل إنها تكشف الطبيعة المنافقة للسياسة الدولية، من خلال إظهار أن ادعاءات الغرب لـ"الإنقاذ" و"التحرير" تخدم فقط المصالح الاستراتيجية.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
خليل مصعب – ولاية باكستان



