السبت، 30 ربيع الأول 1448هـ| 2026/09/12م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هل تتجه المنطقة إلى تغيير جديد أم إلى إعادة تدوير الفوضى؟

 

منذ أن خرجت شرارة الاحتجاجات العربية الأولى من تونس في نهاية عام 2010، دخلت بلاد العرب مرحلة تاريخية لم تنتهِ بعد. فقد سقطت أنظمة، ونجت أخرى، وانفجرت حروب، وتفككت دول، وظهرت قوى إقليمية جديدة، بينما وجدت أمريكا وروسيا والصين وتركيا وإيران وكيان يهود أنفسها أمام شرق أوسط يُعاد تشكيله بصورة لم تكن واضحة في بدايات الربيع العربي.

 

هل كان الربيع العربي لحظة تاريخية حقيقية استغلتها القوى الكبرى، أم أن ما جرى كان جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل المنطقة؟

 

والإجابة الأكثر واقعية قد تكون في المنطقة الواقعة بين النظريتين.

 

فالشعوب لم تكن بحاجة إلى من يدفعها إلى الشارع؛ فقد كانت لديها أسبابها: الاستبداد، والفساد، والبطالة، وغياب العدالة، وانسداد الأفق السياسي. لكن القوى الدولية والإقليمية لم تكن مستعدة للوقوف متفرجة أمام انهيار أنظمة كانت تشكل جزءاً من توازنات المنطقة لعقود.

 

وهنا بدأت المرحلة الأخطر: الانتقال من ثورات داخلية إلى صراعات على مستقبل المنطقة.

 

تكمن إحدى أهم مشكلات الربيع العربي في أنه نجح في هدم الحاجز النفسي أمام فكرة إسقاط الحاكم، لكنه لم ينجح دائماً في الإجابة عن السؤال الأصعب: ماذا بعد؟

 

ففي تونس سقط بن علي، وبقيت الدولة. وفي مصر سقط مبارك، لكن الصراع على شكل النظام السياسي انتهى إلى إعادة ترتيب السلطة. وفي ليبيا سقط القذافي، لكن الدولة دخلت في انقسام طويل. وفي اليمن انتقلت السلطة، لكن مؤسسات الدولة لم تستطع استيعاب الصراع. وفي سوريا تحولت الاحتجاجات إلى حرب متعددة الأطراف. أما السودان، الذي جاء لاحقاً، فأثبت أن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة انتقالاً سلساً إلى الدولة المدنية.

 

لكن لماذا تحولت بعض الثورات إلى دول منهارة؟

 

هناك أربعة عوامل تداخلت:

 

أولاً: غياب البديل السياسي؛ فإسقاط النظام أسهل بكثير من بناء دولة جديدة.

 

ثانياً: ضعف المؤسسات؛ فعندما تكون الدولة مرتبطة بشخص الحاكم أو الحزب أو الأجهزة الأمنية، فإن سقوط رأس النظام قد يؤدي إلى تفكك أجزاء واسعة من الدولة نفسها.

 

ثالثاً: عسكرة الثورة؛ فعندما تنتقل المطالب من الشارع إلى السلاح، تبدأ موازين القوى بالتغير، ويصبح الخارج قادراً على تمويل وتسليح أطراف مختلفة.

 

رابعاً: تدويل الصراع؛ وهذه أخطر مرحلة؛ لأن الشخص الذي بدأ يطالب بالإصلاح يجد نفسه فجأة داخل صراع أكبر منه.

 

ودراسة ما بعد الربيع العربي خلصت إلى أن القوى الخارجية لم تكن مجرد متفرج، بل أثرت في بقاء أنظمة وسقوط أخرى، وفي تحول بعض الأزمات إلى حروب أهلية دولية الطابع.

 

وهكذا أصبح لدينا نموذج يمكن اختصاره بالمعادلة التالية: احتجاج شعبي، ثم سقوط أو اهتزاز النظام، يليه فراغ سياسي، يبدأ بعده صراع على السلطة، يواكبه تدخل إقليمي وتدخل دولي، ثم إعادة تشكيل الدولة. وهذه السلسلة هي التي يجب أن تُدرس إذا أردنا فهم مستقبل المنطقة.

 

من الصعب تجاهل أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية كانت تملك أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية مكّنتها من التأثير في مسار الأحداث بعد اندلاعها.

 

وهنا يجب التمييز بين صناعة الثورة وإدارة نتائجها؛ فالثورة قد تبدأ من الداخل، لكن نتيجتها ليست بالضرورة داخلية. وهذا ما ظهر بوضوح في ليبيا؛ فالتدخل العسكري الدولي لم يكن مجرد موقف سياسي من الاحتجاجات، بل تحول إلى عامل حاسم في تغيير ميزان القوى. لكن إسقاط النظام لم يترافق مع بناء مؤسسات وطنية قادرة على ملء الفراغ. وفي سوريا كان المشهد أكثر تعقيداً، إذ لم يعد الصراع محلياً بعد فترة قصيرة، بل أصبح عدواناً صليبياً على الأمة.

 

وهنا تظهر قاعدة مهمة: عندما تفقد الدولة قدرتها على إدارة أزمتها داخلياً، يبدأ الآخرون في إدارة أزمتها نيابة عنها.

 

إن الأمل لا يكمن في إعادة إنتاج 2011، بل في التعلم من أخطاء 2011؛ أي أن التغيير القادم، إذا حدث، سيكون أكثر نضجاً إذا فهم أن: إسقاط الحاكم ليس إسقاطاً للدولة. وأن الجيش ليس بالضرورة عدواً ولا منقذاً. وأن المعارضة تحتاج إلى مشروع حكم، لا مجرد مشروع إسقاط. وأن الاستقلال السياسي يحتاج إلى مبدأ تلتزم به. وأن التدخل الخارجي يصبح أكثر قدرة عندما تكون الساحة الداخلية منقسمة.

 

وأخطر شيء هو أن تتحول الثورة من مشروع إلى وكالة لصراع القوى الإقليمية والدولية. وهنا بالضبط يوجد بصيص الأمل: ليس في عودة الربيع العربي كما كان، وإنما في ولادة جيل يعرف أن تغيير الحاكم أسهل بكثير من تغيير قواعد اللعبة.

 

من يملك حق تحديد شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط؟

 

إذا كان الربيع العربي قد أعاد تشكيل السياسة الداخلية للمنطقة، فإن أمريكا قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط وموقع المنطقة في النظام العالمي. ومن الخطأ أيضاً تقديم كيان يهود باعتباره يتحكم وحده في كل ما حدث. لكن من الواقعي القول إن ضعف وخيانة أغلب حكام الدول العربية، وانشغالها بصراعاتها الداخلية، أحدثا تحولاً مهماً في البيئة الأمنية الإقليمية. فالدول التي كانت تشكل تقليدياً مراكز ثقل عربية أصبحت منشغلة بأزماتها الداخلية، بينما تغيرت أولويات الأمن الإقليمي.

 

لكن التطورات اللاحقة أظهرت الوجه الآخر للمسألة: فالتفكك العربي لم يؤدِّ بالضرورة إلى شرق أوسط أكثر استقراراً للكيان، بل ساهم في ظهور بيئات جديدة للجماعات المسلحة، وتصاعد الصراع بين إيران وكيان يهود، واتساع نطاق المواجهات الإقليمية. وبالتالي، فإن الفوضى قد تمنح طرفاً مكاسب قصيرة المدى، لكنها يمكن أن تنتج تهديدات استراتيجية طويلة المدى للجميع.

 

المعارضة التي لا تعرف كيف تحكم قد تتحول إلى جزء من المشكلة بعد وصولها إلى السلطة، كما حدث في سوريا. لذلك يجب أن يكون هناك تصور واضح للدستور، والانتخابات، والاقتصاد، والقضاء، والأمن، والعلاقات الخارجية، ومنع احتكار الخارج للقرار. وهذا لا يكون إلا إذا عادت الأمة إلى رشدها، والتزمت قضاياها، وتبنت مشروع الأمة الذي يفضي إلى الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، كما بشرنا بها رسول الله ﷺ، وإن الأمة لتواقة لاحتضان هذا المشروع.

 

فيا مخلصي هذه الأمة، ويا أهل القوة فيها: هبّوا لنصرة دينكم وتطبيق شرعكم، وكونوا أنصار هذه الأمة، واعملوا مع العاملين على استئناف الحياة الإسلامية، وإرجاع عز هذه الأمة بتطبيق شرع ربها، وإنها والله لقريبة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع