- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
اليمن ساحة الصراع على النفوذ الدولي!
ليس من السهل فهم الصراع في اليمن باعتباره مجرد حرب داخلية، أو صراعاً إقليمياً بين أطراف المنطقة. فاليمن يقع في موقع يجعله جزءاً من الصراع على النفوذ الدولي، وأهم ما يمنحه هذه الأهمية هو باب المندب والبحر الأحمر. فاليمن يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، ومن ثم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك، فإن من يمتلك القدرة على التأثير في أمن هذه المنطقة يمتلك ورقة استراتيجية تتجاوز حجم اليمن وإمكاناته.
وهنا تظهر أهمية اليمن بالنسبة لأمريكا. فأمريكا لا تنظر إلى اليمن باعتباره دولة في أطراف المنطقة، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة الأمن البحري العالمي. وأي قوة تستطيع تهديد باب المندب، تستطيع التأثير في حركة التجارة والطاقة، ورفع كلفة النقل والتأمين، والضغط على حلفاء أمريكا ومصالحها.
لكن أهمية اليمن لا تتعلق بأمريكا وحدها؛ فهناك إرث بريطاني استعماري قديم في عدن والبحر الأحمر، وكانت بريطانيا تدرك منذ وقت مبكر أن السيطرة على عدن تعني امتلاك موقع مهم على الطريق البحري إلى الهند وآسيا. ومع صعود أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية وتراجع بريطانيا، انتقل مركز الثقل العالمي إليها. لكن نفوذ بريطانيا وخبرته وشبكاته لم تختفِ.
ومن هنا يمكن النظر إلى اليمن باعتباره إحدى المناطق التي تلتقي فيها مصالح أمريكا مع الإرث البريطاني، ومع احتمال وجود تنافس على النفوذ والأدوار داخل التحالف الغربي نفسه.
ومع استمرار الحرب، لا ينبغي بالضرورة أن نفترض أن أمريكا عاجزة عن إنهائها. فقد تكون إدارة الصراع في بعض المراحل تحقق مصالح أكبر من الحسم النهائي؛ فالحرب تمنع طرفاً واحداً من السيطرة الكاملة، وتبقي باب التفاوض والضغط مفتوحاً، وتحافظ على أهمية القوة القادرة على التأثير في أمن البحر الأحمر. ومن هذه الزاوية يمكن فهم موقع الحوثيين أيضاً؛ فهم قوة يمنية حقيقية لها مصالحها، لكن قدرتها على تهديد الملاحة جعلتها تتحول إلى عامل مؤثر في الصراع الدولي على البحر الأحمر، وليس مجرد طرف في حرب يمنية داخلية.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا عجزت أمريكا عن إنهاء الحرب في اليمن؟ بل ربما يكون السؤال الأعمق: هل وصلت أصلاً إلى التسوية التي تحقق لها كامل مصالحها في اليمن والبحر الأحمر؟
فاليمن قد يكون بلداً محدود الموارد، لكنه يمتلك شيئاً أثمن في حسابات القوى الكبرى... الموقع. ومن يمتلك القدرة على التأثير في باب المندب، يملك ورقة واحدة من أهم أوراق طرق التجارة العالمية. ولهذا، فإن الصراع على اليمن في جوهره ليس صراعاً على اليمن وحده، وإنما هو جزء من صراع أكبر على النفوذ والممرات البحرية وموازين القوى في المنطقة.
وبالنظر إلى مسار الأحداث، يبدو أن اليمن لن يصل إلى تسوية نهائية ما دامت موازين القوى الدولية في البحر الأحمر والمنطقة لم تستقر بعد. فالصراع قد يتغير شكله، وقد تنتقل الأطراف من المواجهة العسكرية إلى التفاوض والهدن، لكن جوهر التنافس على النفوذ سيبقى حاضراً.
والأرجح أن المرحلة المقبلة لن تكون حسماً سريعاً لطرف على حساب آخر، وإنما إعادة ترتيب لموازين القوى، بحيث تسعى كل قوة إلى تثبيت موقعها قبل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
وقد يكون اليمن مقبلاً على تسوية تبقي لكل طرف فيها جزءا من نفوذه، أو على مرحلة جديدة من الصراع إذا ما فشلت القوى الدولية في التوصل إلى صيغة تحفظ مصالحها المتعارضة.
وفي الحالتين، سيبقى باب المندب والبحر الأحمر العامل الأهم في تحديد مستقبل اليمن.
لذلك، فإن مستقبل اليمن لن تحدده القوى العسكرية وحدها، بل سيحدده قبل ذلك اتفاق القوى الكبرى على شكل التوازن الذي تريد أن يستقر عليه هذا الموقع الاستراتيجي.
وعندما تتبلور هذه المعادلة، عندها فقط يمكن أن تبدأ نهاية حقيقية للصراع اليمني، لا مجرد هدنة جديدة تؤدي إلى انفجار آخر...
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



