الأربعاء، 18 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حين تتغير الحدود من دون أن تُرسم

 

 

في الشرق الأوسط، تبدأ الخرائط الجديدة عندما تتغير الوقائع على الأرض، وهذا تحديداً ما يجعل المشهد في جنوب سوريا أكثر خطورة من مجرد توغلات عسكرية متفرقة.

 

منذ سقوط بشار أسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تعد الحدود السورية مع الكيان تحكمها القواعد التي استقرت عليها لعقود. فقد دخل كيان يهود المنطقة العازلة، ثم توسعت تحركاته إلى مواقع وقرى ومناطق في القنيطرة، قبل أن يمتد نشاطه العسكري إلى حوض اليرموك وريف درعا الغربي.

 

ومع تكرار عمليات التوغل والاعتقال، وإقامة الحواجز والقصف، يبرز سؤال يتجاوز الحادثة العسكرية نفسها: هل يبني كيان يهود في جنوب سوريا منطقة أمنية جديدة، أم أنه يؤسس تدريجياً لواقع جغرافي وسياسي يصعب التراجع عنه؟

كان اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 يمثل الإطار الذي حكم حدود سوريا مع كيان يهود لعقود، مع وجود منطقة فصل تراقبها قوات الأمم المتحدة. لكن سقوط نظام آل أسد أحدث فراغاً عسكرياً وأمنياً كبيراً.

 

بالنسبة لكيان يهود، لم يعد الطرف المقابل هو الدولة السورية التي عرفها طوال العقود الماضية، بل واقع سوري جديد لم تتضح بعدُ ملامحه الأمنية والعسكرية والسياسية. وكان ردّه سريعاً؛ إذ تقدمت قوات يهود داخل منطقة الفصل، وأقامت مواقع عسكرية، ثم بدأت سلسلة من التحركات داخل القنيطرة ومناطق من درعا. وقد اعتبرت الأمم المتحدة أن هذه التحركات تخالف ترتيبات اتفاق عام 1974، ودعت إلى احترام الاتفاق وسيادة سوريا. لكن كيان يهود ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: أمن الحدود ومنع نشوء تهديد عسكري جديد بالقرب من الجولان.

 

وهنا تبدأ المشكلة؛ فالقنيطرة ليست محافظة حدودية عادية، بل هي جزء من جغرافيا الجولان، ولذلك فإن أي تغيير في وضعها العسكري يحمل حساسية تتجاوز مساحتها. لكن التطور اللافت منذ عام 2024 هو أن نشاط يهود لم يعد مقتصراً على حماية جانبهم من خط الفصل. فقد ظهرت مواقع وتحركات عسكرية للكيان داخل أراضي سوريا، وتكررت عمليات التفتيش والاعتقال وإقامة الحواجز في مناطق مختلفة من القنيطرة. وفي أيلول/سبتمبر 2026، استمرت هذه التحركات، بما في ذلك إقامة حاجز في ريف القنيطرة الأوسط، بالتزامن مع عمليات وقصف في جنوب سوريا.

 

هنا تدخل درعا إلى المعادلة؛ فتقدم يهود باتجاه حوض اليرموك، وعمليات التوغل في بلدات مثل جملة ومعرية ومناطق محيطة بهما، تحمل دلالة استراتيجية أكبر من حجم هذه المناطق. فالانتقال من القنيطرة إلى غرب درعا يعني أن نشاط يهود يتحرك على مساحة جغرافية أوسع.

 

وفي أيلول/سبتمبر، تعرضت مناطق في حوض اليرموك لقصف قوات يهود، بالتزامن مع استمرار عمليات التوغل جنوب سوريا. وهنا تظهر خريطة تستحق الانتباه: جبل الشيخ - القنيطرة - حوض اليرموك - غرب درعا. وهذه ليست بالضرورة خريطة ضم، لكنها يمكن أن تكون خريطة عمق أمني. والفرق بين المصطلحين كبير؛ فالضم قرار قانوني وسياسي معلن، أما العمق الأمني فهو واقع عسكري قد يبدأ مؤقتاً، ثم يتحول إلى قاعدة تفاوضية.

 

استراتيجية الأرض قبل التفاوض: في الصراعات الممتدة، لا تنتظر الدول دائماً انتهاء التفاوض لتحديد مواقعها. أحياناً يحدث العكس: تُغيّر القوة العسكرية ميزان الأرض أولاً، ثم تبدأ المفاوضات من النقطة الجديدة، وهذا تحديداً ما يجعل استمرار التوغلات أكثر أهمية من حجمها. فإذا دخلت قوة عسكرية منطقة ثم انسحبت، يمكن اعتبار العملية محدودة. أما إذا دخلت، وأقامت موقعاً، ثم عادت مرة أخرى، وأنشأت حاجزاً، وفرضت منطقة حركة جديدة، وأصبح السكان والمزارعون مضطرين للتعامل مع وجودها، فإن الوضع يبدأ بالتحول من "عملية" إلى "واقع". والواقع الجديد يصبح لاحقاً موضوعاً للتفاوض!

 

وهنا تكمن فلسفة "قضم الأرض" بمعناها السياسي: ليس المطلوب دائماً ابتلاع الأرض دفعة واحدة؛ يكفي أحياناً تغيير شروط الوصول إليها والسيطرة عليها وإدارتها تدريجياً.

 

الكيان لا يتحرك في فراغ، لذلك فإن اختزال المشهد في السؤال: "كم قرية دخلها الكيان؟" قد يكون مضللاً. المسألة الأعمق هي: من سيحدد قواعد الأمن في جنوب سوريا؟ فإذا أصبح الكيان هو الذي يحدد إلى أي مدى تستطيع القوات السورية الاقتراب من الحدود، وأين يمكن إقامة مواقع عسكرية، ومن يستطيع الوصول إلى الأراضي الزراعية، وكيف تتحرك القوات والسكان، فإنه يكون قد حصل على شيء يتجاوز السيطرة على مساحة محدودة.

 

لكن ترك الوقائع تتراكم من دون رد سياسي ودبلوماسي وأمني فعال يحمل أيضاً مخاطره. ولهذا فإن الوقت نفسه أصبح عنصراً في الصراع.

 

ربما لا يكون السيناريو الأخطر هو إعلان الكيان غداً ضم أجزاء من درعا، فالضم الرسمي سيخلق مواجهة سياسية وقانونية واضحة. أما السيناريو الأكثر تعقيداً، فهو أن يستمر الوضع الحالي كما هو: توغل هنا، وموقع هناك، وحاجز في منطقة، ومنطقة عسكرية في أخرى، ومنع وصول السكان إلى بعض الأراضي. ثم ترتيبات أمنية مؤقتة، ثم تمديد لهذه الترتيبات، ثم مفاوضات، ليصبح الانسحاب من المواقع الجديدة جزءاً من صفقة أكبر.

 

وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تكون هذه هي المرحلة التي تسبق ظهور الخريطة الجديدة. ولهذا فإن معركة الجنوب السوري اليوم ليست فقط معركة على الأرض، بل هي معركة على من يملك حق تعريف الأمن، ومن يملك حق رسم قواعد المستقبل.

 

إن سوريا دولة صراع، وترابها وشعبها مغموسان بالدم وبكراهية هذا الكيان الغاصب، ويحمل أبناؤها في وجدانهم هدف تحرير بيت المقدس والعودة إلى دين الله وتطبيق شرعه على أرضهم. فمهما توغل هذا الكيان الغاصب وقضم من الأراضي، ومهما غضّت الحكومة الطرف، وكأنها لا ترى ولا تسمع، ومضت في ركاب التنازلات، فإنه سيأتي يوم الغضبة؛ يوم تتحرك فيه الجموع، لا تهاب من يقف أمامها، وتمشّط الأرض تمشيطاً، حتى تصل إلى بيت المقدس، وتعلنها نقطة انطلاق لدولة العز القادمة، إن شاء الله.

 

فيا رجالها الأشاوس، جِدّوا السير مع من اتخذوا طريقهم طريق رسول الله ﷺ، وهم متمسكون بالعروة الوثقى، متوكلون على الله، وهو ناصرهم إن شاء الله.

 

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع