الإثنين، 23 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/10/05م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لماذا لم تنتهِ الثورة السورية؟

 

من عجيب ما سمعته منذ أولى سنوات دراستي الجامعية، مقولة ذكرها أحد الأساتذة في معرض حديثه عن أمجاد الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 واستمرت إلى عام 1799، وكانت بمثابة شعار بارز لتلك المرحلة المفصلية من تاريخ أوروبا والحضارة الغربية برمتها وتعبيراً عن تحقيق العدالة الثورية؛ ألا وهي: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس". وبالفعل تم إعدام الملك لويس السادس عشر بالمقصلة عام 1793 في ساحة الثورة بباريس، فيما أعدمت زوجته الملكة ماري أنطوانيت بعده بتسعة أشهر بالطريقة نفسها.

 

ذاك الشعار الذي كان ولا يزال مليئاً بالقسوة والتفنن في ممارسة العنف، كان تعبيراً عن حالة الغضب ممن تحكم برقاب الشعب ومقدرات البلاد. فكانت الثورة الفرنسية انعكاساً لحالة الظلم الواقعة على الشعوب الأوروبية برمتها بيد منظومة الاستبداد المَلَكيّة الكنَسيّة.

 

والباحث في أحداث الثورة الفرنسية وسياقاتها، يجدها بحق أنّها قد رسمت لحظة التحوّل الفكري الحقيقي للحضارة الغربية، في أوروبا وخارجها، على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الأخلاقي. حيث إن روّاد ومفكري هذه الثورة عند الشعوب الغربية دون استثناء، هم إلى اليوم، أصحاب الفضل في نهضة بلادهم وتقدّمها في كافة المجالات.

 

هذا الحدث الذي بات رمزاً حضارياً غربياً يدرّس في أعرق الكليات والجامعات حول العالم، يمكن فقط إسقاطه على ثورة سوريا التي جاءت امتداداً لانتفاضات الربيع العربي، والتي عملت أكبر هزة سياسية في جغرافية المنطقة العربية منذ هدم الخلافة العثمانية، وما تلاها من تمزيق بريطانيا وفرنسا المنطقة إلى كيانات كرتونية هزيلة.

 

الحالة الاستثنائية لثورة سوريا جعلتها بحق أمل الشعوب العربية المقهورة في وجه منظومة الاستبداد المغطاة بالحماية الغربية والدولية؛ لما حملت هذه الثورة من مشاهد وأحداث وتدخلات جعلت منها ليس فقط قضية أخلاقية وجب تحقيق العدالة فيها، بل تعبيراً حقيقياً يعكس حالة صراع الأمة الإسلامية للتخلص من هيمنة الغرب الاستعمارية وأدواتها من أنظمة الاستبداد القائمة في بلاد المسلمين. فكان تعاطف المسلمين مع مظلمة أهل سوريا كبيراً وجريئاً، لدرجة أقلقت الأنظمة؛ ما اضطرها في كثير من المواقف لكشف حقيقة موقفها الداعم لنظام بشار.

 

فقد حظي نظام أسد بالشرعية الكاملة من حكام المسلمين وحكام العالم منذ اندلاع الثورة وحتى اللحظات الأخيرة لفرار بشار. وليس أدل على ذلك، من اتفاق حكام المسلمين جميعاً على إعادة تعويمه، عندما رحبوا به حاكماً شرعياً لسوريا في القمة العربية (الإسلامية) الاستثنائية المنعقدة في الرياض بتاريخ 11 تشرين الثاني 2024، أي قبل فراره لروسيا بأقل من شهر، وبمشاركة 50 قائداً ورئيساً. وقد سبق هذه القمة حضور بشار في القمة العربية في المنامة أيار 2024 وقمة جدة أيار 2023، بعد فترة تجميد مقعد سوريا لأعوام. دون أن ننسى عودة فتح سفارات كلّ من الإمارات والبحرين والسعودية قبل تلكما القمتين. وقبلها التحكم في المعارضة السياسية وتشتيتها وكذلك غرف العمليات العسكرية لضبط المسار العسكري من التفلت.

 

كل هذا الحرص من حكام المسلمين والدول الكبرى على منع سقوط النظام السوري كان سببه توجهات الثورة، التي طالبت بإسقاط النظام المجرم كاملاً وتطبيق الإسلام. وهو ما لا تقبل به منظومة الاستبداد الإقليمية والدولية، فهم قد يسمحون بتغيرات على مستوى الأفراد في الحكم والإدارة أو تعديلات في بنية النظام الحاكم، لكنْ أنْ يقوم الشعب بإزالة نظام حاكم فرضه المستعمر، فهذا ما يعتبر خطاً أحمر يمنع تجاوزه. وهذا ما حصل تماماً في عدد من البلاد العربية التي شهدت حراكاً واحتجاجات شعبية، لكنها بقيت محصورة ضمن هذا التوجّه ولم تأخذ طابع الثورة الحقيقية.

 

باستثناء الحالة السورية فهي الوحيدة التي جمعت شروط الثورة، والتي بمقدورها أن تكون ركيزة التحوّل الحقيقي في المنطقة العربية والبلاد الإسلامية عموماً. فالشعب السوري بمجمله أكد تمسكه بهويته الإسلامية، وظل قوي الإرادة حتى مكنه الله من الخلاص من نظام الطاغية بشار وأعوانه.

 

جدير بالذكر هنا أنه رغم وجود قواسم مشتركة بين حالة التغيير التي حصلت في سوريا وتلك التي حصلت في أفغانستان كونها أيضاً أزالت نظام الاستبداد فيها، إلا أن الحالة السورية تبقى لها الرمزية الأهم لما تمتلكه من موقع جغرافي يقع في قلب البلاد الإسلامية والخط الأمامي للمواجهة مع الاستعمار الغربي، وما جاء في حقها من فضل في الأحاديث النبوية المرتبطة بالشام وأكناف بيت المقدس وعودة الخلافة الراشدة الثانية، وكذلك رمزيتها كونها كانت عاصمة الخلافة الأموية طوال عقود.

 

على ما للحالة الأفغانية من ثمرات طيبة، أبرزها انسحاب قوات أمريكا وحلف الناتو بطريقة مذلة شرحت صدور المسلمين، وتطبيق الإسلام ولو على شكل إمارة، واتخاذ لواء الرسول ﷺ راية للإمارة. في مقابل السلطة الحاكمة في سوريا التي صارت جزءاً من التحالف الدولي لمحاربة الإسلام بقيادة أمريكا، والحفاظ على الدستور الذي وضعه الطاغية حافظ أسد، وإعلان الجولاني نفسه رئيساً للجمهورية العربية السورية، والعودة إلى علم الاحتلال الفرنسي ليكون علم الدولة، مع القبول بالقواعد العسكرية الغربية وأبرزها قواعد روسيا التي أذاقت الشعب السوري صنوف العذاب والدمار والتهجير.

 

وغيرها الكثير من مظاهر الخذلان من هذه السلطة الجديدة بحق الثورة السورية؛ منها مسألة العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين، والإبقاء على أزلام النظام المجرم وموظفيه في جل سفارات سوريا في العالم حتى الآن، وتعويم بعض المجرمين وإشراكهم في القرار بحجة المصلحة الوطنية، وإهمال المقهورين والمحرومين من المهجرين في المخيمات والتركيز على المشاريع الفارهة والوهمية على حساب تيسير إعادة الإعمار، ومظاهر الترف في الحكم وأصحاب المناصب في مقابل غلاء المعيشة وفرض الضرائب المرتفعة وانتشار البطالة والفقر، ونشر مظاهر الانحلال والحفلات الساقطة تحت شعارات وطنية، وإعادة تشريع القوانين في مجلس النواب ليشرّع من دون الله.

 

بهذا نرى أنّ كل مظاهر العودة للاستبداد قد زرعت بذورها في سوريا الجديدة؛ بداية بالعودة إلى حضن منظومة الإجرام والاستبداد الإقليمية والدولية، مروراً بالسياسيات التي تستخفّ بتضحيات وآلام ومآسي الشعب السوري، وليس انتهاء بالانقلاب على المخلصين للثورة والدعاة، والتصفيات بحق القيادات، ومن كان بالأمس القريب أخاً مجاهداً في سبيل تحكيم شرع الله في كل بلاد المسلمين.

 

وعودا على بدء، فإن الرابط المشترك بين الثورتين الفرنسية والسورية أنّ كلتيهما مشروع تحرر أمة تعرضت للاستبداد طوال عقود. لكن الفارق الجوهري بينهما، أن الثورة الفرنسية كانت بداية نهضة حضارية جديدة للشعوب الغربية وهي تبنّي المبدأ الحضاري الرأسمالي لأنظمة الحكم في أوروبا؛ أما الثورة السورية فهي كانت لحظة مفصلية للأمة الإسلامية بالتخلص من نظام مستبد مجرم، فكانت أول قيد حاسم يكسر في البلاد الإسلامية بعد القيد في أفغانستان. ونرى بكل وضوح تكالب أدوات الاستعمار من حكام المسلمين ومعهم كيان يهود وبدعم الغرب، للإبقاء على الوضع السوري على ما كان عليه، ومنع أي تحوّل أو توجّه إسلامي يوصل لتحكيم الإسلام في سوريا، وتقديس الحالة الوطنية وسوريا الوطن حتى باتت السلطة الحالية تشعرك أن الوطن قد صار إلهاً يعبد من دون الله، والعياذ بالله. لذا فإن ثورة الشام لم تنته ضد مكائد منظومة الاستبداد، وإنّما أخذت مرغمة استراحة مجاهد ليس غير.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله العلي

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع