السبت، 28 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/10/10م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من غزة إلى سوريا واليمن السؤال واحد: أين قرار الأمة؟!

 

هناك أسئلة لا تصنعها الكتب، بل يفرضها الواقع علينا كل يوم. وكلما ازدحمت منطقتنا بالحروب والاتفاقات والتحالفات والمفاوضات، يعود سؤال واحد بإلحاح: كيف يمكن لأمة تملك هذا الموقع وهذه الثروات وهذه الجيوش وهذا العدد الهائل من البشر، أن تبقى في كثير من قضاياها تنتظر ما يقرره الآخرون؟

 

قد تبدو الإجابة موزعة بين السياسة والاقتصاد وموازين القوى، لكن الصورة تصبح أوضح حين نجمع الأحداث بدل أن نقرأ كل حدث منفردا.

 

نفتح الأخبار فنقرأ عن غزة، ثم ننتقل إلى سوريا، ومنها إلى اليمن، ثم العراق، وكأننا أمام قضايا منفصلة لا يجمع بينها إلا أنها تقع في المنطقة نفسها؛ لكل بلد أزمته، ولكل أزمة مفاوضاتها، ولكل ملف دول تتدخل فيه وتحالفات تتحرك حوله. ومع كثرة التفاصيل قد ننسى أن نسأل السؤال الأهم: لماذا تعود الأمة الواحدة في نشرات الأخبار عشرات الملفات؟

 

في غزة لا يزال الناس يعيشون آثار حرب لم تكن فلسطين وحدها تملك مفاتيح إيقافها، وأصبحت قضايا الإعمار والمساعدات والترتيبات السياسية مرتبطة بتفاهمات دولية وإقليمية. وفي سوريا لا تزال المصالح الخارجية حاضرة بقوة في رسم المشهد. وفي اليمن يعود باب المندب إلى الواجهة كلما اهتز أمن البحر الأحمر، فتتحرك الدول لأن هذا الممر يمس تجارتها ومصالحها. وفي الوقت نفسه تبحث دول في المنطقة عن اتفاقات وتحالفات أمنية جديدة.

 

تختلف الأحداث، لكن هناك سؤالاً يطاردها جميعاً: كيف يمكن لأمة تملك كل هذه القوة أن تبدو في كل قضية وكأنها تنتظر الآخرين؟!

 

المشكلة ليست أن بلاد المسلمين خالية من أسباب القوة، بل العكس تماماً. فهناك جيوش، وثروات، وطاقة، وممرات بحرية، ومساحات هائلة، ومئات الملايين من البشر... لكن هذه المقدرات موزعة بين دول وحدود وقرارات ومصالح، حتى أصبح المسلم يرى ما يحدث لأخيه باعتباره "شأن دولة أخرى"، مع أن القرآن لم يقدم لنا الأمة بهذه الصورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وهنا يظهر معنى الهوية الإسلامية بصورة أعمق من مجرد الاسم والشعور والانتماء. فالهوية الإسلامية ليست أن نحزن لغزة، ونتألم لسوريا، وندعو لليمن، ثم نعود فننظر إلى كل واحدة منها باعتبارها قضية شعب منفصل عن الآخر.

 

الهوية تصنع طريقة رؤيتنا للأحداث أصلاً؛ فالمسلمون في فلسطين وسوريا واليمن وتركيا والعراق ليسوا شعوباً جمعتهم المصادفة تحت دين واحد، بل هم أجزاء من أمة واحدة جعل الإسلام عقيدتها أساس رابطتها. ولذلك حين تتجزأ قضاياها، لا ينبغي أن يتجزأ وعينا معها. وهنا المفارقة التي تستحق التأمل: العالم ينظر إلى بلاد المسلمين كوحدة مصالح حين يحتاج إلى نفطها وأسواقها وممراتها وموقعها، بينما اعتدنا نحن أن ننظر إليها كجزر منفصلة حين يتعلق الأمر بقوتها وقرارها.

 

باب المندب لا يصبح مهماً للعالم لأن اليمن وحده مهم. وموقع سوريا لا تتنافس حوله القوى لأنه شأن سوري داخلي فقط. وفلسطين لم تكن يوماً قضية حدود صغيرة على الخريطة. هذه البلاد تقع داخل مساحة واحدة تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها مؤثرة عالمياً لو اجتمع قرارها السياسي.

 

لذلك فإن الحديث عن الهوية الإسلامية اليوم ليس ترفاً فكرياً ولا حديثاً عن الماضي. إنه سؤال حاضر في قلب السياسة: من نحن؟ إذا كنا أمة واحدة، فكيف ينبغي أن نفهم قوتنا وثرواتنا وقضايانا؟ وكيف وصلنا إلى أن تصبح وحدة الأمة حلماً يبدو للبعض بعيداً، بينما أصبح تقسيمها إلى عشرات الكيانات أمراً طبيعياً؟!

 

لقد اعتدنا الخريطة حتى كدنا ننسى الأمة. ولهذا فإن استعادة الهوية الإسلامية لا تبدأ برسم شعار جديد، بل باستعادة المقياس الذي ننظر به إلى أنفسنا وإلى العالم: أن نرى قضايا المسلمين قضايا أمة، وأن نفهم أن القوة ليست في كثرة ما نملك فقط، بل في اليد التي تجمعه والقرار الذي يحركه والمبدأ الذي يحدد وجهته. عندها يتغير السؤال!

 

بدل أن نبقى نسأل: ماذا سيفعل العالم بغزة؟ وماذا ستقرر الدول لسوريا؟ وكيف ستدار أزمة اليمن؟ يصبح السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الأمة: متى تستعيد قرارها هي؟

 

فالأمة التي أنزل الله إليها مبدأً ينظم حياتها، وجعلها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، لا يليق بها أن تبقى قوتها موزعة، وثرواتها مجزأة، وقضاياها تنتقل من طاولة دولية إلى أخرى. وهنا لا تعود إقامة الدولة الإسلامية قضية حنين إلى تاريخ مضى، ولا فكرة نظرية نتحدث عنها كلما اشتدت الأزمات؛ بل تصبح عملا لاستعادة سلطان الأمة ووحدة قرارها وتطبيق الإسلام في شؤونها.

 

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نحمله معنا بعد كل خبر نقرؤه ليس فقط: ماذا يحدث للمسلمين؟ بل: ماذا نعمل حتى لا تبقى الأمة على هذا الحال؟

 

إن كانت التجزئة واقعا فهي ليست قدرا، وإن غاب سلطان الإسلام زمنا فليس معنى ذلك أن نقبل بغيابه. والمسؤولية تبدأ بالوعي والعمل الجاد لإقامة الدولة التي تجمع المسلمين على الإسلام، وترعى شؤونهم به، وتحمل رسالته إلى العالم. فالأمة لا ينقصها تاريخ تتغنى به، ولا قوة تتمنى امتلاكها، إنما تحتاج أن تعمل لتجتمع قوتها تحت سلطان الإسلام، ويعود قرارها إليها، وما ذلك على الله ببعيد.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

دارين الشنطي

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع