- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
القرن الأفريقي والنفط السعودي: هل تُبنى حول الصين شبكة ضغط استراتيجية؟
حين يصبح التحكمُ في طرق الطاقة أهم من قَطْعِها
في الصراعات الكبرى، لا تُستخدم كل الأوراق دفعة واحدة. أحياناً تكون قيمة الورقة في مجرد وجودها، وفي معرفة الخصم أن استخدامها ممكن إذا تغيرت قواعد اللعبة. ومن هذه الزاوية، تبدو مجموعة من التطورات المتباعدة جغرافياً وكأنها تستحق أن تُقرأ ضمن سؤال واحد: هل يمكن أن تتقاطع مصالح أمريكا في القرن الأفريقي والبحر الأحمر مع هدف أوسع يتعلق بالطاقة الصينية، وبخاصة النفط القادم من الخليج والسعودية؟
لا توجد، حتى الآن، أدلة تثبت أن الولايات المتحدة تدير خطة واحدة تجمع إثيوبيا وإريتريا والسودان ومصر وقناة السويس والنفط السعودي بهدف الضغط على الصين. لكن غياب الدليل على وجود خطة لا يعني غياب المصلحة الاستراتيجية المحتملة. بل السؤال الأكثر تعقيداً هو: هل يمكن أن تسعى إلى امتلاك القدرة على التأثير في الطرق التي يمر عبرها النفط السعودي إلى الأسواق الآسيوية، بحيث يصبح أمن الطاقة الصيني ورقة قابلة للضغط عند الحاجة؟
تايوان: الملفات الساخنة لم تُغلق
بعد اللقاء الأخير بين الرئيسين الأمريكي ترامب والصيني شي جين بينغ، كان من الممكن أن يُفهم بعض التفاهم الاقتصادي على أنه محاولة لإدارة التنافس بين القوتين. لكن تايوان بقيت خارج دائرة التسوية. ففي 2 تشرين الأول/أكتوبر، وصلت إلى تايوان أول مقاتلتين من أصل 66 طائرة F-16V Block 70 طلبتها تايبيه من الولايات المتحدة في صفقة تعود إلى عام 2019 وتبلغ قيمتها نحو 8 مليارات دولار. وجاء وصول الطائرتين بعد نحو أسبوع من لقاء ترامب وشي. كما أن تايوان ما زالت تنتظر حزمة أسلحة أمريكية إضافية تُقدَّر بنحو 14 مليار دولار.
صحيح أن صفقة الـF-16 قديمة، وتأخر تنفيذها لأسباب تتعلق بالإنتاج والبرمجيات وسلاسل التوريد، ولذلك لا يصح اعتبار وصول الطائرتين قراراً أمريكياً جديداً اتُّخذ بعد القمة، لكن الدلالة السياسية الأوسع تبقى مهمة: اللقاء لم يُنتج تسوية في أكثر الملفات حساسية بين واشنطن وبكين. وهذا يعني أن احتمال التعاون في بعض الملفات لا يلغي استمرار المنافسة في الملفات الاستراتيجية الكبرى.
وهنا تبدأ فرضيتنا. إذا كانت واشنطن مستعدة للإبقاء على تايوان كملف ضغط عسكري وسياسي، والتكنولوجيا كملف اقتصادي واستراتيجي، فلماذا لا تكون الطاقة أيضاً جزءاً من شبكة الضغط الطويلة الأمد؟
النفط: لا حاجة إلى قطع الإمدادات
الصين لا تحتاج فقط إلى النفط؛ إنها تحتاج إلى أمن وصول النفط، وهنا تكمن أهمية السعودية. فمعظم النفط السعودي يُنتج في شرق المملكة، لكن خط شرق-غرب ينقله إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة قصوى تبلغ نحو 7 ملايين برميل يومياً. ومن ينبع يمكن للنفط أن يتحرك جنوباً عبر باب المندب نحو آسيا، أو شمالاً عبر البحر الأحمر باتجاه قناة السويس. وهذا يمنح السعودية مرونة استراتيجية مهمة: الخروج من الخليج إلى البحر الأحمر من دون الاعتماد الكامل على مضيق هرمز.
لكن هذه المرونة نفسها تكشف نقطة ضعف أخرى. فإذا تعطل باب المندب، تصبح قناة السويس أكثر أهمية. وقد حدث ذلك بالفعل عام 2026؛ فعندما تراجعت حركة النفط السعودي عبر باب المندب، اتجهت شحنات إلى طريق السويس، مع ارتفاع كبير في الوقت والتكلفة. بعض الشحنات المتجهة من ينبع إلى آسيا يمكن أن تستغرق عبر المسار البديل أكثر من ضعف مدة الرحلة عبر باب المندب. أي أن الأزمة في ممر واحد لا توقف النفط بالضرورة، لكنها تغيّر تكلفة ومرونة وصوله إلى السوق. وهذه بالضبط هي النقطة التي تستحق الانتباه.
قناة السويس ليست مجرد قناة
عندما نتحدث عن قناة السويس في هذه الفرضية، لا نتحدث عن إغلاقها، بل عن شيء أكثر تعقيداً: التحكم في أحد المخارج التي يمكن أن تستخدمها السعودية لتعويض اضطراب الطرق الأخرى. فالناقلات العملاقة المحملة بالكامل لا تستطيع دائماً عبور قناة السويس بسبب الغاطس (أي عمق الجزء المغمور من السفينة تحت سطح الماء)، ما يجعل نقل النفط من ينبع عبر السويس مرتبطاً أحياناً بعمليات تفريغ وإعادة تحميل أو باستخدام منظومة SUMED التي تنقل النفط من محطة العين السخنة على البحر الأحمر إلى الساحل المتوسطي في مصر.
وهنا تصبح مصر جزءاً أساسياً من المعادلة. فالقناة ليست مجرد ممر مائي مصري، بل جزء من بنية تحتية عالمية للطاقة والتجارة. وبالتالي، فإن التأثير في حركة النفط عبر السويس لا يعني بالضرورة إصدار قرار بإغلاق القناة.
يمكن أن يكون التأثير في: مستوى المخاطر، وتكلفة التأمين والشحن، وقدرة الناقلات على استخدام المسار، والبنية التحتية المرتبطة به، أو البيئة الأمنية والسياسية المحيطة به. وهذه كلها أدوات يمكن أن تجعل الطريق موجوداً على الخريطة، لكنه أقل فاعلية في الواقع.
وهنا يدخل القرن الأفريقي، إذا انتقلنا جنوباً، تظهر إثيوبيا وإريتريا والسودان. التوتر بين إثيوبيا وإريتريا لم يعد منفصلاً عن مصر والسودان والبحر الأحمر. ففي الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أعرب الاتحاد الأفريقي عن قلقه من تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، داعياً إلى خفض التصعيد. وفي 4 تشرين الأول/أكتوبر، استضافت مصر اجتماعاً ضم مصر وإريتريا والصومال والسودان، في ظل تصاعد التوتر مع إثيوبيا. وتشير التقارير إلى أن القاهرة تعمل على تعزيز علاقاتها الأمنية مع هذه الدول في وقت تحاول فيه إثيوبيا تثبيت حضورها في البحر الأحمر.
هنا تصبح الجغرافيا شديدة الأهمية؛ إثيوبيا دولة داخلية، لكنها تسعى إلى منفذ بحري. وإريتريا تمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر. والسودان يسيطر على جزء مهم من الساحل الغربي للبحر الأحمر. ومصر تسيطر على قناة السويس. والصومال يقع بالقرب من باب المندب والمحيط الهندي. أي أن التوتر الإثيوبي يمكن أن يتحول، إذا اتسع، من قضية سد وحدود ونفوذ إقليمي إلى جزء من معادلة أمن البحر الأحمر بأكملها.
ليس من الضروري أن تكون الولايات المتحدة قد صنعت التوتر في القرن الأفريقي لكي تستفيد من نتيجته. كما أنه ليس من الضروري أن يكون الهدف الأمريكي هو منع السعودية من بيع النفط. فقد تكون المصلحة الأوسع هي امتلاك قدرة على التأثير في بيئة الطاقة التي تعتمد عليها الصين. لأننا لا نقول إن واشنطن تشعل إثيوبيا لتمنع النفط عن الصين؛ بل نسأل: هل يمكن أن تكون البيئة الإقليمية الناتجة عن صراعات القرن الأفريقي قابلة للاستخدام ضمن استراتيجية أوسع لإدارة منافسة الصين؟
لماذا لا تحتاج واشنطن إلى قطع النفط؟ لأن قطع النفط عن الصين سيكون سلاحاً بالغ الخطورة، وقد يضر بالاقتصاد العالمي وبحلفاء الولايات المتحدة وبأسواق الطاقة نفسها. الأكثر عقلانية، من منظور هذه الفرضية، هو شيء آخر: أن يبقى النفط متدفقاً، لكن تصبح واشنطن قادرة على التأثير في شروط تدفقه. أي أن الصين لا تواجه حصاراً نفطياً، لكنها تعرف أن بعض طرق إمدادها يمكن أن تصبح أغلى أو أكثر خطراً إذا تغيرت قواعد اللعبة. هذه هي فكرة الضغط القابل للتشغيل: أن تمتلك القدرة، من دون أن تستخدمها.
والأمر لا يتعلق بالنفط السعودي وحده. فالصين تستورد النفط من مصادر متعددة، ولذلك فإن أي استراتيجية ضغط حقيقية عليها تحتاج إلى التعامل مع شبكة واسعة من الموردين والممرات البحرية، لا مع السعودية وحدها. لكن السعودية تبقى حالة استثنائية بسبب حجم صادراتها، وموقعها بين الخليج والبحر الأحمر، وقدرتها على تغيير مسارات التصدير.
ولهذا فإن أي إعادة تشكيل لأمن القرن الأفريقي ستصل آثارها إلى مصر، وأي اضطراب في البحر الأحمر سيؤثر في قناة السويس، وأي تغير في قناة السويس سيؤثر في تجارة الطاقة العالمية.
إذا رأينا في الفترة المقبلة تحركاً أمريكياً متزامناً في إثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر، مع اهتمام متزايد بمخارج النفط السعودي، ومع ترتيبات جديدة حول قناة السويس والموانئ والطرق البحرية، فستصبح الفرضية أكثر جدية. أما إذا اتجهت واشنطن بوضوح إلى تثبيت أمن البحر الأحمر، وضمان حرية الملاحة، وتوسيع قدرة السعودية على تصدير النفط إلى مختلف الأسواق، بما فيها الصين، فسوف تضعف الفرضية.
وهناك مؤشر آخر بالغ الأهمية: هل تحاول الصين نفسها تنويع طرق وصول النفط، أم أنها تشعر بأن الطرق الحالية آمنة؟ لأن رد الفعل الصيني سيكون جزءاً من الدليل.
وهنا تلتقي الجغرافيا بالاقتصاد والسياسة. فإثيوبيا ليست قناة السويس، وإريتريا ليست السعودية، والسعودية ليست الصين، ومصر ليست طرفاً في المنافسة الأمريكية-الصينية. لكن هذه الدول والممرات تقع على سلسلة جغرافية واحدة تمتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر، ومن ينبع إلى السويس، ومن الخليج إلى آسيا.
وما يتيح لنا افتراض هكذا فرضية هو أن اللاعب الأول والأخير والمسيطر على كل الساحات هي أمريكا، بغض النظر عن أن هناك لاعبين آخرين، لكن تدخلاتهم ضمن حدود محددة. ولو كان هناك طرف آخر يخالف وجهة نظر أمريكا، لما استطاعت أن تفكر خارج نطاق كل منطقة بمنطقتها؛ لأنه سيكون هناك من يعرقل لها أعمالها أو يوقفها.
لذلك، فإن ضرورة عودة دولة الخلافة إلى الساحة الدولية لتقف سداً في وجه هذه الهيمنة الرأسمالية الجشعة، ولا يستطيع أحد، كائناً من كان، أن يقف في مقابل هذه الهيمنة إلا دولة ذات مبدأ خاص، من خارج المبدأ الرأسمالي، قادرة على قلب الموازين والمعادلات التي فرضها النظام الرأسمالي.
ولهذا دائماً نقول: يجب على أهل الإسلام أن يحملوا مبدأهم إلى ساحات التطبيق، وأن يقيموا لهذا المبدأ دولته، ويعيدوا دولة الخلافة، ويستأنفوا الحياة الإسلامية، ويكملوا ما بدأه حزب التحرير في هذا المجال. فاليوم هو قد جهز كل شيء، وبقيت قيادة الدفة إلى بر الأمان، وإلى عز الإسلام والمسلمين، ونسأل الله أن تكون قريبة، وقريبة جداً.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



